بعد الإعلان عن نقص ٤ آلاف صنف.. الدولار يُخفى الدواء

04/08/2016 - 9:12:55

تحقيق: إيمان النجار

«الدواء مش موجود».. من المتوقع أن تكون العبارة السابقة مرت عليك عندما حاولت البحث عن أحد أنواع الدواء التى كتبها لك طبيب ما، المرور على أكثر من صيدلية لم يغير من الأمر شيئا، فالجميع يرفع لافتة «فوت علينا بكرة.. الدواء ناقص»، وفى الوقت الذى واجه فيه غالبية المصريين هذا الأمر، قلة قليلة فقط هى التى تعلم أن أزمة الدولار هى السبب الرئيسى لهذا الأمر.


٤ آلاف صنف دواء «ناقص».. رقم ضخم لم تخش وزارة الصحة أن تعترف به فى العلن، وهو رقم كان أيضا سببا فى موجة ارتفاع الأسعار التى شهدها سوق الدواء خلال الفترة الماضية، كما أن استمرار أزمة الدولار وفشل الحكومة فى إيجاد حل للأزمة أو العمل على توفير العملة اللازمة لاستيراد الدواء، أو المواد الخام المستخدمة فى عملية التنصيع مازال رقم الـ٤ آلاف واقعا لا يمكن تجاهله أو إنكاره أيضا.. وفى النهاية المريض هو الخاسر رقم واحد إن لم يكن الوحيد فى المعادلة.


وكان المركز المصرى للحق فى الدواء رصد قائمة نواقص ضمت محاليل الملح والجلوكوز، وأدوية أورام، وأدوية للقلب أخرى لعلاج الأمراض النفسية والعصبية، كما رصد صيادلة نقص أدوية متنوعة مثل قطرات ومراهم للعين وأدوية لمرضى زراعة الأعضاء وأدوية مشتقات الدم، وهناك أيضا فئة كاملة من المرضى مهددة ببتر أطرافها بسبب عدم توافر أدوية مرض الهيموفيليا «النزف المتكرر» منذ أربعة أشهر، أيضا عدم توافر حقنة ال « ار. اتش» تحول لمشكلة تواجه النساء الحوامل مع الأخذ فى الاعتبار أن الحقنة لا يمكن العثور عليها إلا فى محافظتى القاهرة والإسكندرية فقط، والأمر ذاته حدث فى حبوب منع الحمل التى دخلت هى الآخرى جدول «النواقص» بجانب أدوية أخرى ، الأدوية المستوردة هى الأخرى تكاد تكون اختفى معظمها من الصيدليات و خطورة الأدوية المستوردة أن نسبة كبيرة منها ليس لها بدائل محلية ومنها أدوية العناية المركزة والتخدير و أدوية قلب ،كذلك أدوية الأورام الحديثة ، والأدوية البيولوجية غير الكيميائية


وتعقيبا على أزمة «نواقص الأدوية» وتزايدها مع استمرار أزمة الدولار، قال د. أحمد العزبي، رئيس غرفة صناعة الدواء باتحاد الصناعات: سوق الدواء نقسمه إلى قسمين، القسم الأول الأدوية المستوردة وتمثل نحو ٢٠ فى المائة من سوق الدواء ولكنها تتأثر بشكل مباشر بسعر الدولار بمعنى لو قيمة الدولار زادت مثلا عشرة فى المائة تزيد هى الأخرى عشرة فى المائة فى حين أن الأدوية المحلية تزيد ٣ فى المائة ، ومشكلة الأدوية المستوردة أن نسبة ليست بالقليلة منها ليس له بديل محلى خاصة الأدوية البيولوجية غير الكيميائية ، وأدوية الأورام الحديثة ، وأدوية مشتقات الدم ، وأدوية العناية المركزة و منها أيضا أدوية لمرضى القلب ، وأدوية تخدير ، وهذه الأدوية رغم قلة نسبتها فيى السوق الا أنها تمثل أهمية كبيرة ووضع رئيسى فى المنظومة العلاجية خاصة لعدم وجود بدائل لبعضها ، ويبلغ حجمها سنويا ما يعادل عشرة مليار جنيها سنويا ، وبالنسبة لغلاء سعرها والقول بأن الشركات تستوردها حتى لو لجـأت للسوق السوداء للدولار مردود عليه لأنها هى الأخرى مسعرة جبريا ، القسم الثانى الأدوية المحلية وتمثل ٨٠ فى المائة من سوق الدواء وتتأثر هى الأخرى بسعر الدولار لاعتمادها على استيراد المواد الخام بنسبة ٩٠ فى المائة».


واستطرد الدكتور أحمد قائلا «المعروف أن الأدوية هى السلعة الوحيدة المسعرة تسعيرا جبريا، وبالتالى اعتمادها الكلى على تدبير العملة يكون من خلال السعر الرسمى لأنها لا تستطيع توفير الدولار وتتحمل فرق التكلفة ما بين السعر الرسمى للدولار وما بين سعر الدولار فى السوق الموازى، وهذا يجعل الشركات إما تنتظر تدبير العملة أو تلجأ مضطرة إلى السوق السوداء فى أضيق الحدود بنسبة لا تتعدى عشرة فى المائة رغم أن هذا الإجراء يكبدها خسائر كبيرة، نظرا لأنها لا تستطيع تحمل الفرق بين السعرين الرسمى وسعر السوق السوداء».


«د.العزبى» كشف أيضا أن الغرفة تقدمت بمقترح بأن يتم تخصيص حصة شهرية من العملة يتم تقديرها وتحديدها وفقا لاحتياجات القطاع وتبلغ شهريا نحو مائة مليون دولار تقريبا لتغطية القطاع سواء استيرادا أو تصنيعا قبل باقى القطاعات ، وتقدمنا بهذا الاقتراح أكثر من مرة، لكن من الواضح أنه هناك مشكلة فى تدبير العملة أو الرصيد المتوفر منها، وللأسف الشديد نتيجة عدم توفير العملة للقطاع فى الوقت المناسب تظهر مشكلة «نواقص الأدوية».


وردا على اتهام منتجى الأدوية بأنهم السبب الرئيسى فى مشكلة «نواقص الأدوية»، وارتفاع أسعار الدواء قال د.العزبى: « هذا الأمر غير صحيح فحقيقة الأمر أن نواقص الأدوية الموجودة أو التى ظهرت مؤخرا السبب الرئيسى فى حدوثها عدم تدبير العملة، ويجب أن نضع فى الاعتبار أن ٩٠٪ من مسلتزمات الإنتاج فى قطاع الدواء يتم استيرادها من الخارج وبالتالى تعتمد على العملة الصعبة.


ولحا الأزمة قال د. العربى: لحل مشكلة نواقص الأدوية لا بد من توفير العملة الصعبة لقطاع الأدوية ، وعلينا أن ندرك أيضا أن ما بين الفترة التى نعانى فيها من قلة المتوافر من العملة الصعبة وعملية توفير المبالغ المطلوبة تظهر فى السوق «نواقص جديدة» للأدوية.


إلى جانب مطالبته بتوفير العملة الصعبة للقطاع، قال د.العزبي: «يجب إعادة دراسة المهلة المحددة من قبل وزارة الصحة بثلاثة أشهر، فهذه المهلة فى توقيت تحديدها كانت كافية، ولكن أضيف فى الوقت الحالى عنصر عدم توافر العملة وهذا يجعل المدة غير متماشية مع الواقع وغير كافية فمنذ شهرين لا نستطيع فتح اعتماد، وبالتالى لا بد من دراسة الوضع الحالى بواقعية ووضع مسألة تأخر تدبير العملة كعنصر من عناصر الدراسة، وكذلك دراسة وضع الشركات وهل هناك تقصير من الشركات أم لا؟ مع العلم أنه لا يوجد تقصير من الشركات وكلها تعانى من مشكلات فى استيراد المواد الخام، وبعد ذلك يمكن اتخاذ قرار مد مهلة الثلاثة من عدمه».


من جانبه قال د. محيى محمد حافظ، رئيس لجنة الصحة والدواء باتحاد المستثمرين: أزمة نواقص الأدوية امتدت لتشمل معظم الأمراض بما فيها أمراض القلب والضغط وأورام، ووفق بيانات وزارة الصحة وصل عدد النواقص لنحو أربعة آلاف صنف، و الزيادة التى طرأت على سعر الدولار مؤخراً تهدد مقدرة الشركات على توفير هذا الرقم، وكان قرار مجلس الوزراء فى مايو الماضى بتحريك أسعار الأدوية الأقل من ٣٠ جنيها بنسبة ٢٠ فى المائة بحد أدنى ٢ جنيها وحد أقصى ٦ جنيهات، القرار الذى كان حلا لأزمة استمرت لأكثر من خمسة عشر عاما حيث شهد سعر الدولار تزايدا مستمرا وفى نفس الوقت الأدوية مسعرة جبريا وعدم تحريك سعرها، وهذا الأمر نتج عنه انهيار حاد فى سوق الأدوية وظهور نواقص الأدوية وجاء القرار لعلاج المشكلة ، وكل هذا كان فى مقابل توفير نواقص الأدوية الأربعة آلاف خلال ثلاثة أشهر،ولكن هذه المدة لم تكن مدروسة بالمرة فكيف يمكن توفير هذا العدد فى هذه المهلة؟.


د. «محيى» أكمل بقوله: «كان من المفترض ألا تقل المدة عن تسعة أشهر حتى يشعر المواطن بتوافر الدواء، لكن مؤخرا عندما يصل سعر الدولار لنحو ١٣ جنيها، إذا كنا نقول إن تحريك أسعار الدواء عالج أزمة ١٥ سنة مضت، فالزيادة الأخيرة لسعر الدولار التهمت الزيادة التى حدثت فى سعر الدواء، وأصبحنا كأننا عدنا مرة أخرى للمربع صفر، مع الأخذ فى الاعتبار أن الصانع لم يأخذ من زيادة سعر الدواء سوى ٤٠ فى المائة وباقى النسبة حصل عليها الصيدلى والموزع، ومع الزيادة الأخيرة فى سعر الدولار جعلت البنك المركزى لا يستطيع توفير العملة لا بالقوة ولا بالسرعة المطلوبة ولا المبالغ المطلوبة وبعض الشركات تلجأ مضطرة للسوق السوداء، والبنك المركزى لا يلبى أكثر من خمسين فى المائة من الطلبات وهذه مشكلة كبرى، أيضا فى حال التدبير يستغرق وقتا يصل إلى شهرين وأربعة أشهر وهذا التأخير يؤثر على سمعة الصانع لدى المورد ويرفع التسهيلات الائتمانية الممنوحة من المورد فأصبح الصانع هنا زبونا سيئ السمعة لديه»


وأكد د. محى على أن أزمة الدولار وارتفاع سعره سوف تؤدى إلى عدم توفير الأدوية التى تحتاجها الدولة فى مواعيدها ويبقى السؤال كيف تسعر جبريا ولا توفر العملة؟ فطالما التسعير جبريا لا بد من توفير العملة..!


وعن الحلول المقترحة لأزمة «النواقص»، قال د. حافظ: «الوضع القائم يتطلب القيام بخطوتين، الأولى: تدبير الدولار لقطاع الدواء يجب أن يكون فى الأولوية، والتركيز على أولوية أولى، فالأدوية مسعرة جبريا والشركات لا تجد الدولار لاستيراد المواد الخام، أما الخطوة الثانية فتتمثل فى التركيز على تصدير الأدوية كخطوة ثانية حيث لم نلحظ تفهما كاملا من الدول للتيسير على المصدر وحل المشكلات التى تواجه المصدر المصرى ولا بد من الاهتمام بهذا الجانب».


على الجانب الآخر، د. أشرف مكاوى عضو مجلس نقابة الصيادلة، المتحدث الرسمى باسم النقابة، عقب على الأزمة بقوله: «ارتفاع سعر الدولار تم تخطيه من قبل بقرار رفع أسعار الأدوية وبالتالى الشركات حققت مطلبها بتحريك السعر وتم إعطاؤها مهلة لتوفير نواقص الأدوية، ولكن مازالت النواقص مستمرة وتم توفير نحو ٢٠ فى المائة منها فقط فى حين أن النسبة الأكبر وهى ٨٠ فى المائة لم يتم توفيرها، وهنا لابد من مراجعة الملف، خاصة مع عدم التزام الشركات بالمتفق عليه وقت تحريك سعر الدواء وهذا يخلق نوعا من فقدان فى الثقة فى التعامل مع الشركات، وبالنسبة للصيادلة ما زلنا فى مقاطعة الشركات غير الملتزمة بتطبيق زيادة هامش ربح الصيدلى, وستشهد الفترة المقبلة مواجهة حاسمة بين نقابة الصيادلة والشركات وإدارة الصيدلة».


المتحدث باسم نقابة الصيادلة تابع قائلا: «وبالنسبة لنواقص الأدوية فوفقا لقرار رفع أسعار الأدوية منذ أكثر من شهرين ونصف كان من المفترض أن الشركات بدأت الاستيراد من وقت صدور القرار وبدأت فى توفير النواقص بدليل نزول ٢٠ فى المائة منها، لكن التحجج بعدم توافر العملة حاليا هذا غير مبرر، فمشكلة ارتفاع الدولار وعدم توفر العملة خلال الأيام القليلة الماضية من المفترض أن تظهر آثاره السلبية بعد ستة أشهر مقبلة وهى مدة دورة الاستيراد والتصنيع».


وذكر د. «أشرف» نماذج للنواقص، حيث قال: أصبحنا نعانى من نقص شديد فى محاليل الملح والجلوكوز، وأصبحنا نجد كل شركة لها نحو أربعة أو خمسة أصناف غير متوفرة رغم دخولها فى الزيادات الأخيرة، أيضا نرصد نقصا فى حبوب منع الحمل وهذه لأسباب تتعلق بالاستيراد وتدخلت فيها نقابة الصيادلة وسوف تتوافر قريبا، أيضا حقن ار اتش يشكو الكثيرون من عدم توافرها وبالأخص فى المحافظات «. فى ذات السياق جاء رد الإدارة المركزية للشئون الصيدلية بوزارة الصحة على أسئلة «المصور « المتعلقة بموقف الوزارة من أزمة نواقص الأدوية بأن: إدارة الدعم ونواقص الأدوية بالإدارة تصدر نشرة دورية شهريا لنواقص الأدوية وتحتوى النشرة على معلومات عن المثيل أو البديل للمستحضر غير المتوفر، وخلال الفترة الأخيرة يتم متابعة الشركات ومدى استجابتها لتوفير النواقص بعد قرار تحريك الأسعار، فقد تم توفير نحو ٥١ صنفا وتتضمن مستحضرات لعلاج ضغط الدم المرتفع واحتقان الأنف ومضادات البكتريا والفطريات والنقرس ووهن العضلات والشلل الرعاش وأمراض الجهاز الهضمى وأمراض الجهاز التنفسى والالتهابات الجلدية ومضادات الحساسية وفيتامينات وحب الشباب، وتم مخاطبة الشركات للإفادة عن موقف مستحضراتها التى تعانى نقصا ومتابعة الخطوط الإنتاجية والكميات التى ستقوم بإنتاجها خلال المدة الممنوحة بموافقة رئيس مجلس الوزراء لتوفير نواقص الأدوية .


«الإدارة» أكدت أيضا أنه بالنسبة لنواقص أدوية الأورام تم توفير عدد من الأدوية فى الفترة الأخيرة بالإضافة إلى التواصل مع كافة الجهات التى تقوم بعلاج الأورام من خلال اللجنة القومية للأورام لتوفير احتياجاتها، وهناك بعض الأدوية ما زالت غير متوفرة بسبب ارتفاع سعر الدولار ما أثر سلبا على الاستيراد لهذه الأدوية، ويتم حاليا التنسيق بعد موافقة رئاسة مجلس الوزراء لطرح مناقصة قومية مجمعة لكافة الجهات على مستوى الجمهورية بما سيساعد فى زيادة كفاءة الشراء وتوفير أدوية الأورام طبقا لبروتوكولات علاجية موحدة وبالتالى مواجهة نقص أدوية الأورام.


وأوضحت أيضا أنه بالنسبة لنقص المحاليل بمتابعة أرصدة المحاليل تبين توافرها بالسوق ويتم تغطية احتياجات السوق المحلى، تم تشكيل فريق عمل لمتابعة الأرصدة لدى الشركات الموزعة ومعدلات الاستهلاك الشهرية.


وفيما يتعلق بنقص بعض قطرات العين فقد أرجعت «الإدارة» هذاالنقص لأسباب تتعلق بمشكلات لدى الشركة المنتجة من حيث عدم توفير المادة الخام أو ارتفاع سعر الدولار مما يعوق الشركة عن الاستيراد، وأوضحت أن الشركات المنتجة لقطرات العين تقدمت بالخطط الإنتاجية لمستحضراتها خلال ثلاثة أشهر ويتم متابعتها.


وبالنسبة لحبوب منع الحمل، أكدت «الإدارة المركزية للشئون الصيدلية» أن النقص فى مستحضرين فقط وتم متابعة الشركات وهى تحت التشغيل حاليا، أما حقن الـ ار اتش فهى متوافرة لدى الشركات المستوردة، ويتم التوريد بانتظام، إضافة إلى وجود خطط استيرادية معتمدة من إدارة الصيدلة للسماح بتوفير مخزون يكفى الاستهلاك المحلى.