1000 كلمة .. عن صاحب الـ 2/1 كلمة

23/09/2014 - 11:20:18

أحمد رجب أحمد رجب

كتب - أحمد النجمي

أصعب سطور، هي تلك التي يكون موضوعها نعي كاتب .. الأصعب أن يكون كاتباً عظيماً، فأنت - في هذه الحالة - لاتنتقي كلماتك بعناية وحسب، لكنك تستعرض أهم محطات حياته، إنساناً وكاتباً .. لكن ما جدوي هذا كله وأنت تكتب عن رجل يعرفه القاريء المصري والعربي من دون تفرقة؟ يعرفه البسطاء، أصحاب النصيب المحدود من القراءة والكتابة، كما يعرفه المثقفون ويعرفه الفقراء، وأبناء الطبقة المتوسطة، مثلما يعرفه الوزراء وعلية القوم من الأغنياء .. يعرفه الحاكم والمحكوم، وهي ليست مجرد معرفة بالاسم والصورة، وإنما معرفة بالكلمة، بتعبير أدق .. بـ (نصف كلمة) كان يكتبها يومياً، لتعبر عن هموم وأوجاع الناس، كل الناس، هكذا تبدو مهمة صعبة للغاية، أن تتصدي لرثاء أحمد رجب، فإذا به حي فوق السطور، رغم أنفك!


سأكتب ألف كلمة، عن صاحب نصف كلمة.. لعل كلماتي الألف، تكون بمثابة (نصف كلمة) واحدة، من آلاف التعليقات الصحفية التي كتبها تحت هذا العنوان الخالد، لأكثر من خمسين سنة.. كان يكتبها برشاقة وخفة ظل لا مثيل لهما، وهذا معروف للقاصي والداني، لكن أن تستحوذ الكتابة علي إعجاب كل القراء.. من كافة طبقات المجتمع، علي اختلافها الثقافي.. فهذا هو الاستثناء، كان يكتبها بروح الموسيقي.. فقد عشق الموسيقي في طفولته، ربما لايعرف الكثيرون ذلك.. كل (نصف كلمة) كانت مثل «طقطوقة» موسيقية بديعة رشيقة.


حكي رجب في جانب من ذكرياته نشرها «محمد توفيق» في كتاب لايعرفه كثيرون يحمل عنوان «ضحكة مصر» أنه كان - وهو تلميذ بالابتدائي - يعشق الموسيقي ويكره حصص الحساب.. وصل عداؤه مع الحساب والرياضيات عموماً إلي درجة أنه كان إذا حل مسألة جبر واحدة، كانت أمه تطلق الزغاريد.. هكذا قال، ربما كان يبالغ علي طريقتة الخاصة، لكنه كان يذكر الحقيقة علي أي حال.. وقد ترك أحمد رجب عشقة للموسيقي - تحديداً لآلة «الكمان» - ليسلك طريقه الدراسي نحو كلية الحقوق، ومنها إلي «أخبار اليوم» التي كان يراسلها من «الإسكندرية»، ويرسل بمقالاته إلي مجلة «الجيل» التي كان يرأس تحريرها «موسي صبري».


مرت شهور والحال هكذا.. لم يطلب رجب أموالاً عما ينشر، حتي زار موسي صبري الإسكندرية - مسقط رأس رجب، والتي كان مستقراً فيها حتي هذا التوقيت من مطلع الخمسينيات - فعرض عليه صبري الانتقال للقاهرة والعمل محرراً بـ «الجيل».


أول مقال نشره رجب في «الجيل» بعد مجيئه للقاهرة كان يحمل عنوان «عبدالباسط براندو» عن الشيخ المقريء الجليل عبدالباسط عبدالصمد، وبراعته في التلاوة. حقق المقال ذيوعاً ملحوظاً، نشرته «نيوزويك» الأمريكية، وارتفع أجر الشيخ من 20 إلي مائة جنيه! وانخرط رجب في مدرسة «أخبار اليوم» بروح «الموسيقي المختفية داخله، الموسيقي تلخص المشاعر، تكثفها، لتخرج في شكل نغمات.. رجب كانت لديه هذه الخاصية الفريدة في الكتابة، التكثيف الشديد، الذي تعلمه في أخبار اليوم من الراحل «علي أمين» تحديداً، الذي لقن رجب درساً ذهبياً في مطلع شبابه: «احترم وقت القارئ. اكتب باختصار وتركيز. لا وقت عند القاريء للت والعجن»!


بدءاً من ذلك اليوم، استمر أحمد رجب في كتابة زاويته اليومية تحت العنوان الذهبي (نصف كلمة).. ليصبح أهم زاوية صحفية مصرية وعربية، ثم انخرط مع «مصطفي حسين» الرسام الشاب آنذاك في علاقة صحفية فريدة، تلك العلاقة التي أنتجت شخصيات باهرة حظيت بشعبية كبيرة، شخصيات مرسومة، وسرعان ما تصور القارئ هذه الشخصيات من لحم ودم، حتي تحولت - منتصف التسعينيات - إلي حلقات تليفزونية كوميدية، لكن ظلت الشخصيات الصحفية هي الأنجح والأقوي حضوراً عند القاريء، الذي رفض التحول لمتفرج تليفزوني وآثر البقاء قارئاً للصحف.


هذه العلاقة تشبه تلك التي بين الملحن والمطرب.. كان رجب يضع اللحن بكلماته، لتغني ريشة مصطفي حسين.. وظهرت (ألحان) طالما أطربت القاريء.. «عبده مشتاق» الذي يجسد هؤلاء الذين ينتظرون منصب الوزارة ليل نهار، و«قاسم السماوي» الكاره والحاقد علي أي نجاح، و«كمبورة» والنائب الفاسد في جميع الانتخابات، و«مطرب الأخبار» الشخصية الضاحكة التي يتم ضربها في كل الأفراح، و«فلاح كفر الهنادوة» لسان حال بسطاء الشعب أمام مبارك ووزرائه ورؤساء حكوماته..!


هذه الشخصيات صارت «نغمة يومية» لدي المصريين، بدءاً من أواخر السبعينيات، أحياناً كان مصطفي حسين يتصدي للرسم بمفرده، وظل الفارق واضحاً!


رجب كان يحوم حول السياسة عبر كل هذه الشخصيات الكاريكاتيرية.. ودخل فيها بقوة - لاسيما عبر «فلاح كفر الهنادوة» - فأصبح معارضاً علي الدوام، لاسيما في السنوات العشر الأخيرة لعصر مبارك.. كما كان موجعاً بشدة مع «د. عاطف صدقي» رئيس الوزراء الأسبق!


لكن رجب كان فريداً في سخريته، عذباً، رشيقاً، في زاوية «الحب هو».. تلك السلسلة الكايركاتيرية التي جمعت بينه وبين ر يشة مصطفي حسين، وإذا كانت رسومات الكاريكاتير ذات الشخصيات تضمنت 10 أو 15 كلمة في كل «رسمة»، فإن «الحب هو» لم تزد علي 3 أو 4 كلمات في كل مرة، لتشكل معجزة في الإيجاز.. الضاحك!


برغم كل هذا الجهد الصحفي الفني الساخر الناجح، ظلت «(نصف كلمة) هي الزاوية الأخطر لأحمد رجب.. وهي النبض الأساسي للشارع المصري، للناس علي المقاهي وفي البيوت، بل اعتبرها البعض مؤشراً سياسياً رئيسياً للأحوال في مصر..!


بروح «الموسيقار» العبقري، كان رجب «شبه معتزل» للمجتمع، برغم الشهرة العريضة والتوهج المتصل، اختار الابتعاد عن الأضواء.. كسمات بعض عباقرة الموسيقي، كان «سميعاً»، مدمناً علي أغاني أم كلثوم وعبدالوهاب، يفضلها علي الظهور التليفزيوني، كان المذيعون والمخرجون يطاردونه طوال الوقت للفوز بدقائق معه في التليفزيون، وكان رده الدائم هو الرفض..! كذلك كان ظهوره الاجتماعي محدوداً، ولم يكن وجهه باسماً مثل كلماته، ولم يكن يبادئ أحداً بالكلام إلا نادراً، وقد يجلس صامتاً ويطول به الصمت لساعات!


يقال دائماً أن من يملكون القدرة علي إضحاك الآخرين، عادة مايكونون مكتئبين، ولا نعلم.. هل كان هذا الصمت الطويل اكتئاباً من رجب، أم تأملاً ؟


بقي القول أن عناوين مؤلفات الراحل العظيم «أحمد رجب» الساخرة، تجعلك تتصور أنه ضد المرأة.. «الحب وسنينه»، و«يخرب بيت الحب»، و«الحب هو»، لكن الحقيقة التي ينبئك بها من كانوا قريبين منه، وهم قلة من الناس.. أنه كان عاشقاً لزوجته، وفياً لها، فبرغم كل ما كتبه عن الحب من سخرية، تشعر من يقرأ له بأنه كان ضد الحب، ويشعر بأنه وهم وكذب، إلا أن مشاعره كانت مختلفة، كان محباً عاشقاً مخلصاً لزوجته، وكان حريصاً علي أن يهدي إليها كلمة رقيقة في مقدمة مؤلفاته!


كتب رجب في نصف كلمة، نعياً لزوجته قال فيه : «رحلت عصمت شريكة حياتي وكفاحي ورفيقة العمر التي كانت تحول تعثري إلي نجاح ويأسي إلي أمل، وعلمتني بضحكاتها الساخرة أسلوباً فذاً في معاملة الحياة.. ارحمها كثيراً يارب، فقد كانت رحمة حياتي»..!


كل هذه الرقة، كانت الحقيقة في شخصية أحمد رجب.. تعجب حين تقرأ لرجب مقولاته عن المرأة والحب :


- يبكي الرجل عند مولده بلا سبب.. وبعد زواجه يعرف السبب!


- ناقشتها.. وكما يحدث دائماً في كل مناقشة.. كانت الكلمة الحاسمة الأخيرة لي وهي كلمة «كما تشائين»!


- في مناقشة الخلافات، الزوج المهذب لاينطق العيب أبداً، أما الزوج العاقل فلا ينطق أبداً!


هكذا كان أحمد رجب خليطاً من شخصيات عدة.. شخصية الموسيقي المختبئة داخله، شخصية الساخر، شخصية المكتئب، شخصة الكاتب، شخصية ابن البلد، كان مزيجاً من كل هذا.. لذلك وجد عنده الجميع مآربهم، فمن أراد الضحك يجده، ومن أراد الحس الثقافي يجده، ومن أراد الكآبة - حتي الكآبة - يجدها.. فضلا عن ضالة ابن البلد التي يسهل الحصول عليها من كتابات رجب!


هـذه ألـف كلمـة - لـم أحصهـا بدقـة! - عـن صـاحــب الـنصف كلمة، لم أحصها.. ربما من باب «الهزار»»، علي طريقة أحمد رجب



آخر الأخبار