رحيل «مخرج مهم»: محمد خان .. مات مبتسما كما عاش مبتسما

03/08/2016 - 11:52:25

بقلم : محمد الحنفي

مرات معدودة تلك التي التقيت فيها بالمخرج الكبير محمد خان الذي فاجأنا برحيله عن الدنيا الأسبوع الماضي ، هذا الرجل كان فنانا بدرجة إنسان ، تلمس فيه تواضع العبقري وهدوء الثائر وابتسامة البريء ، عيناه موغلتان في العمق ، يصعب أن تصل إلى منتهاهما ، كلماته تخرج بحساب ، ليس من بائعي الكلام وسيرته ناصعة وشفتاه دائما مبتسمتان ، دليل على تصالحه مع نفسه بل مع العالم كله ، ابتسامته لاحظتها مسجلة في معظم صوره الموجودة على صفحته الشخصية بمحرك البحث «جوجل « وأتوقع أنه مات مبتسما أيضاً ، فهو ببساطة مصري ابن بلد وأصيل حتى لو تأخرت عنه الجنسية المصرية معظم سنوات عمره ولم تصله إلا قبل وفاته بعامين تقريبا وبقرار من رئيس الجمهورية المستشار عدلي منصور .


كانت بداية معرفتي به عن طريق المخرج الكبير رائد الواقعية في السينما المصرية الراحل صلاح أبو سيف ، الذي حدثني كثيرا عنه وتنبأ له أن يكون واحداً من أهم المخرجين السينمائيين في مصر ، لم لا وقد تتلمذ على يديه وفي شركته ككاتب للسيناريو عام ١٩٦٣ بعد أن التحق بمعهد السينما في لندن وأقام في العاصمة البريطانية سبع سنوات، تمكن خلالها من التعرف على مختلف تيارات السينما السائدة في أوربا آنذاك ، ثم غير وجهته إلى الإخراج عندما سافر إلى لبنان وعمل مساعداً لعدد من المخرجين اللبنانيين، منهم يوسف معلوف، ووديع فارس، وكوستا، وفاروق عجرمة .


وبعد نكسة ٦٧ عاد خان إلى لندن مرة أخرى ، وحصل على الجنسية البريطانية التي ظل يحملها مكرها حتى حصل على الجنسية المصرية عام ٢٠١٤ .


ثم كانت انطلاقته الإبداعية مع عودته مرة ثانية إلى مصر عام ١٩٧٧ ليقدم لنا باكورة أعماله السينمائية «ضربة شمس» وهو الفيلم الذي فاز بالجائزة الذهبية من مهرجان الإسكندرية السينمائي عام ١٩٧٨ ، ومن ضربة شمس انطلق رائد الواقعية الجديد في مشوار سينمائي متميز أخرج خلاله ٢٤ فيلماً من أفضل ما قدمت السينما المصرية ، لعل أشهرها (طائر على الطريق) ١٩٨١، (الحريف) ١٩٨٣، و(خرج ولم يعد) ١٩٨٤، و(زوجة رجل مهم) ١٩٨٨، و(أحلام هند وكاميليا) ١٩٨٨، و(سوبر ماركت) ١٩٩٠، و(أيام السادات) ٢٠٠١، و(في شقة مصر الجديدة) ٢٠٠٧ ، و(فتاة المصنع) ٢٠١٤ ، و( قبل زحمة صيف)٢٠١٦ ، ولا ننسى أنه كتب سيناريو فيلم سواق الأوتوبيس لأحد أبناء جيله المخرج المبدع الراحل «عاطف الطيب «.


ولم يكن محمد خان ابن إحدى حواري حي السكاكيني ، فنانا عاديا أبدا ، بل كان عاشقا للسينما الواقعية وأحد مبدعيها وواحدا ممن ترفعوا عن المال وزهدوه ولم ينبطحوا له رغم الظروف الصعبة التي عاشها ، بل كان من المخرجين القلائل الذين فضلوا الابتعاد عن السينما عندما سيطر عليها الدخلاء ، وأذكر أنه واجه مشاكل مادية في فيلم «فتاة المصنع « لكنه أصر على إخراجه مهما كانت التحديات لأنه يؤمن برسالة ، الفن كان وسيلته الوحيدة في توصيلها!


لقد كان محمد خان مهموما بالمواطن البسيط الذي تراه حاضراً في كل أفلامه ، نصيراً له ، متعاطفا معه ، أنصفه قدر استطاعته في أعماله ، لهذا لم يكن غريبا أن يتسلل إلى مناطق لم يدخلها أحد من قبله ،ليلقي الضوء على نماذج منسية أو مغمورة أو تجاهلها الزمن ولم يضعها على خارطته مثل سواق الأوتوبيس والحريف لاعب الكرة الشراب العاطل والمهمش في الأحياء الشعبية ، و»الأحلام البسيطة المشروعة للفتاتين الفقيرتين «هند وكاميليا» وفتاة المصنع البسيطة التي تقاوم معول الفقر من ناحية وخسة صاحب المصنع الذي يساومها على شرفها مقابل لقمة العيش من ناحية أخرى، حتى في فيلمه «زوجة رجل مهم « كان منحازاً للبسطاء الذين سحقهم المتجاوزون أمثال ذلك الضابط المريض بالسلطة ، فكانت نهايته مأساوية هو الآخر .


وربما كان تحيزه للبسطاء واحداً من الدوافع القوية لكي يبدع في فيلمه الرائع «أيام السادات» للفنان الراحل أحمد زكي الذي يحكي قصة حياة الزعيم الراحل محمد أنور السادات الفلاح المصري الذي خرج من بين البسطاء .