خروجا عن مبادئ الإسلام عرق الوراثة وتباعد الشقة وتفتت البيوت

03/08/2016 - 11:20:24

بقلم - رجائى عطية

من الآثار المدمرة للدول الوراثية، أن عرق السلطة الذى قامت عليه تساندًا على الإرث، تتباعد صلاته مع الأيام، فالإخوة الذين كانوا بأمس، يصيرون فى الجيل التالى أولاد عمومة، ثم تصير هذه القرابة العصبية أبعد مع توالى الزمن والأجيال.


ولا يتوقف الأثر على هذا التباعد وتفتت البيوتات، وصيرورة البيت الواحد بيوتًا، وإنما يصاحب التباعد عداوات، يدفع إليها التنافس والصراع على السلطة، ولا يخطئ المتأمل رؤية حكم هذه الحقيقة على البيت الأموى الذى صار بيوتا، وتعادى الأشقاء فيه حتى تصارعوا وتقاتلوا وقتل كل منهم من وقف فى سبيله إلى السلطة، وعلى البيت العباسى الذى صار بيوتًا وسوف تتعدد ـ مع مرّ الزمن ـ بيوته أكثر، وصراع الإخوة فى البيت الواحد صراعًا داميًا على السلطة، سنراه يبلغ مداه بين الأخين الأمين والمأمون ولدى هارون الرشيد.


وقد رأينا كيف بدأ الانشقاق فى البيت الأموى يوم نكل مروان بن الحكم بالعهد المقطوع عليه لمن تكون الخلافة من بعده، فعهد عهدًا ثنائيًا إلى ولديه على التوالى عبد الملك وعبد العزيز، وأدى هذا إلى انشقاق المروانيين فى البيت الأموى عن السفيانيين، ثم ما لبث التنافس أن استعر، فسعى عبد الملك إلى إزاحة أخيه عبد العزيز ليعهد إلى أولاده هو على التوالى، لولا أن وفر عليه موت عبد العزيز الدخول فى صراع معه، ولكن نكول مروان كان قد أدى قبل ذلك إلى قيام ابنه عبد الملك بذبح منافسه التالى له فى ترتيب العهد: ابن عمه عمرو بن سعيد بن العاص المعروف بالأشدق، ذبحه بيده ـ غدرًا ـ ذبح الشاة وهو جاثم على صدره، وظن عبد الملك أنه أمَّنَ ذريته حين عهد عهدًا رباعيًّا لأولاده الأربعة على التوالى، بيد أن ابنه الوليد كاد أن يفتك بأخيه سليمان بعد أن عقد العزم على خلعه من ولاية العهد، ووقع الشر بين الأخين الوليد وسليمان ابنى عبد الملك، فلما تولى سليمان أراد أن يرد الحق إلى نصابه، فعهد من بعده إلى ابن عمهم عمر بن عبد العزيز الذى كان أبوه تاليًا فى العهد لعبد الملك، إلاَّ أن عمر عبد العزيز، المسمى بالخليفة الراشد الخامس لفرط ورعه وعدله، مات مسمومًا فى أرجح الروايات، وجاء الغدر به من ذات البيت الأموى الذى ضاق ذرعًا بإنصافه للهاشميين والعلويين مما حاق بهم من مظالم، ثم آلت الخلافة بترتيب شجرة الميراث وعَهْد عبد الملك إلى أولاده الأربعة، ومضت حتى وصلت إلى الثالث فى الترتيب « يزيد » المعروف باللهو والخلاعة والتشبيب بالنساء، وقد كاد أن يعصف بأخيه « هشام » لولا أنه استطاع أن يداريه ويستوعبه بحكمته، ليحكم من بعده نحو عشرين عامًا مرت بسلام على خلاف المعهود.


ولكن من بعده يعود التخبط حتى قتل الخليفة الأموى مروان بن محمد الملقب بالحمار سنة ١٣٢ هـ، فوثب العباسيون إلى السلطة قفزًا على حق العلويين، سليلى الإمام على الذى كان « العباس » يناصره لتولى الخلافة، وظل وأولاده من بعده وأشهرهم عبد الله بن عباس، يقرون للإمام على وذريته من بعده بهذا الحق، ولكن البيت الهاشمى انشق فجأة ـ فى السعى إلى السلطة ـ إلى عباسيين وعلويين، لم يعد العباسيون يقرون للعلويين بما أقروا به لهم لزمن طويل، فسرعان ما تغير محبة السلطة من المواقف !


ولاقى العلويون من العباسيين أشر مما لاقوه من الأمويين، فما كاد أبو العباس السفاح يفرغ من المذبحة التى نُصبت للأمويين، حتى استدار العباسيون إلى العلويين باعتبـارهم الخطــر الأكبـر على الخلافـة معشوقة الجميع، على الصـراع داخـل البيت العباسى نفسـه، فيسعى أبو جعفر المنصور لإزاحة ابن عمومـته « عيسى بن موسى بن محمد » عن ولاية العهد، ولا يهـدأ لـه بـال حتى يزيحـه ويعقــد العهـد لابنـه «محمد المهدى »، وقد رأينـا من قبل كيف وقع الغـدر بالعـم « عبد الله بن على » وقتله غدرًا، ورأينا كيف عقد محمد المهدى ولاية العهد لولديه موسى الهادى ثم هارون الرشيد، وكيف سعى موسى الهادى لإزاحة أخيه هارون ليعقد ولاية العهد إلى ابنـه الطفـل « جعفر »، لـولا « يحيى بن خالد بن برمك »، الذى وقى « الرشيد » من جرائر هذه الفتنة، وظل خادمه المخلص الأمين، حتى وقعت نكبة البرامكة وإليها سوف نعود.


أما العلويون، فقد ظلوا الشغل الشاغل للعباسيين، يلاحقونهم ملاحقة أشد من ملاحقة الأمويين لهم، وقد مَرَّ بنا كيف أدى قلق منصور على سلطانه من العلويين، فترصد وطارد الصالح التقى الورع « النفس الذكية »(محمد بن عبد الله بن الحسن بن على بن أبى طالب)، لمكانته بين الهاشميين، وحبس من أجل ذلك « بنى الحسن بن على » وأشخصهم للعراق مقيدين بالأغلال، فى شر مسيرة، وارتكب معهم من الفظائع ما دعا الأستاذ الكبير محمد الخضرى إلى تجنب ذكرها لأنه لا طاقة لإنسان على تسطيرها، حيث مات معظمهم فـى الحبس، رغم أن بنى العباس ملأوا الدنيا صياحًا بأنهم خرجوا ـ إلى الخلافة ! ـ انتقامًا من قتلـة « الحسين بن على » وعترتهم، أما « النفس الذكية » فقد انتهت فصول هذه المأساة إلى مصرعه ثم مصرع أخيه إبراهيم، ولترفع أعلام العباسيين السوداء على مرتفعات المدينة وعلى منارة المسجد النبوى فى رمضان سنة ١٤٥هـ .


وقد كانت هذه الأسقام وراء ما يجرى فى هذا الصراع، فلم يكن فيه شأن أو اختلاف أو اهتمام بالحكم وفلسفته ومنظوره وطرائقه والأفضل فيه للأمة، وإنما كان الصراع يـدور حول عشق السلطة فى ذاتها، هذا السراب المدمر الذى جرى وراءه العاشقون حتى الثمالة !


ملاحقة يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن العلوى


وتصالحه على يد الفضل بن يحيى البرمكى:


الذى تولى قتاله !


كان « يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب »، من الناجين من وقعة « فخ » التى نصبت للعلويين فى عهد « موسى الهادى » ابن « محمد المهدى »، وقيل إن سببها أن والى المدينة ضرب « الحسن بن محمد النفس الذكية » وجماعة كانـــوا معه على شراب لهم، ثم بعد ضربهم وضـع الحبـال فى أعناقهم وطيف بهم فى المدينة، فصـار « الحسين بن على بن الحسن المثلث » ـ سنة ١٦٩ هـ ـ إلى والى العباسيين على المدينة، وعاتبه على الطواف بهم فى المدينة والحبال فى أعناقهم، وساءت الأمور بين العلويين وبين والى المدينة، فلما انتهى الخبر إلى « موسى الهادى » وكان بالحج فى نفرٍ من أهل بيته، سَيَّر إليهم « موسى الهادى » حملة حرب فى عـدة مـن السـلاح، أَمَّرَ عليها « محمد بن سليمان بن أبى جعفر المنصور »، ولحقت حملة الحرب بالعلويين عند « فَخّ » ـ حيث دارت معركة غير متكافئة قُتل فيها « الحسين بن على بن الحسن المثلث » وجماعة ممن معه من العلويين، وتمكن من الهرب رجلان صار لهما تاريخ كبير : « إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على » أخو « محمد النفس الذكية » وهو مؤسس دولة الأدارسة فى المغرب الأقصى، والثانى أخوه « يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على »، حيث نجح فى اللحاق بالديلم فرارًا بنفسه من عسف العباسيين.


ودارت الأيام، وتولى هارون الرشيد الخلافة سنة ١٧٠ هـ، وكان أمر « يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن العلوى » الهارب من موقعة « فَخّ » ـ قد اشتد فى بلاد الديلم، وقوى أمره هناك، ونزع إليه الناس من الأمصار والكور، وكان الطالبيون بتطلعهم إلى نيل الخلافة ـ هم الشغل الشاغل لبنى العباس، وقيل إن هارون الرشيد اغتم لأنباء « يحيى بن عبد الله » وترك لذلك شرب النبيذ، وانتدب لقتاله « الفضل بن يحيى بن خالد البرمكى »، أخيه فى الرضاع، وندب معه فيما يقال خمسين ألفا من المقاتلين ومعهم صناديد القواد، وولاه الرشيد كور الجبال والرّى وجرجان وطبرستان وغيرها، وحملت معه الأموال، وتمكن فى قصة طويلة من استمالة صاحب الديلم، ومن استمالة « يحيى بن عبد الله » إلى الصلح والخروج معه من الديلم، فأجابه « يحيى » إلى الصلح، على أن يكتب له الرشيد أمانًا بخطه على نسخة يبعث بها إليه . فكتب الفضل بن يحيى بذلك إلى الرشيد الذى سرّه هذا وعظَّم موقع « الفضل » عنده، وكتب الرشيد أمانًا « ليحيى بن عبد الله »، وأشهد عليه الفقهاء والقضاة وجلة بنى هاشم ومشايخهم، وعلى ذلك قدم « يحيى بن عبد الله » إلى بغداد صحبة « الفضل بن يحيى »، فلقيه الرشيد بترحاب وكرم وأجرى له الأرزاق السنية، وأنزله منزلاً سريًّا بعد أن أقام أيامًا فى منزل « يحيى بن خالد البرمكى »، وأخلى الرشيد بين الناس وبين الذهاب إليه.


نقض الأمان !


ولكن سرعان ما انقلب الرشيد، وأطاح بالأمان الذى أعطاه للرجل، وأودعه السجن، وروى الطبرى بسنده أن الرواى كان فى يوم عند الرشيد ( ١٧٦ هـ )، فدعا بيحيى بن عبد الله، فاخرج من السجن مكبلاً بالحديد، وعنده بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، وكان شديد البغض لآل أبى طالب، وكان يشى بهم عند الرشيد الذى ولاه المدينة وأمره بالتضييق عليهم.


وفى محضر الخليفة، دار حديث طويل رواه الطبرى، قال فيه يحيى بن عبد الله فيما قاله : « يا أمير المؤمنين ؛ إن لنا قرابة ورحمًا، ولسنا بتركٍ ولا ديلم . يا أمير المؤمنين إنّا وأنتم أهل بيتٍ واحد، فأذكرك الله وقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ علام تحبسنى وتعذبنى ! » . وقيل إن الرشيد رقَّ له، فانبرى بكار الزبيرى لتحريضه عليه فى حديث طويل، كانت الحجة فيه مع « يحيى بن عبد الله »، وألجم بكّارًا بأن أقسم للرشيد أنه جاءه يوم قُتل أخوه « محمد بن عبد الله ـ الملقب بالنفس الذكية »، ليقول له :« لعن الله قاتله !»، وينشده مرثية قالها فى نحو من عشرين بيتًا !


الفتوى فى خدمة نقض الأمان !


وروى الطبرى بسنده، وابن الأثير باختصار، أنه كان بمجلس الرشيد أبو البخترى القاضى، ومحمد بن الحسن الفقيه صـاحب أبى يوسف، فــأمر الرشيد بإحضار « الأمان » الذى كان قد أعطاه « ليحيى بن عبد الله بن الحسن » العلوى، وسأل الفقيه محمد بن الحسن ماذا يقول فيه، أصحيح هو ؟ فقال : صحيح . ولكن الرشيد الذى لم يعجبه الجواب جعل يحاجيه والفقيه مصمم على رأيه، وقال فيما قاله له إنه « لو كان محاربًا ثم ولّى كان آمنا »، فضاق الرشيد ذرعا برأيه وحملها عليه، وعاد يسأل أبا البخترى القاضى عما يرى فى هذا الأمان ؟ ولأنه فهم المراد فقد جعل يقول إنه منقوض من عدة وجوه وأخذ يعددها، مما صادف هوى الرشيد، فرضى برأيه، واندفع يقول له : أنت قاضى القضاة ؛ وأنت أعلم بذلك، ثم إن الرشيد مزًق الأمان، وتَفَل فيه أبو البخترى، وفرح بذلك بكاَّر الزبيرى كاره العلويين، وجعل يشمت « بيحيى بن عبد الله » الذى كانوا قد أتوا به إلى مجلس الخليفة، ولكن « يحيى » ردَّ عليه ردًّا أفحمه، ثم إن الرشيد أمر بإعادته إلى السجن، فأعيد إليه.


على أن بكاَّر الزبيرى، لم يترك ضغنه، ولم يهدأ دسّه، وافتعاله الأسباب والأكاذيب للإساءة إلى آل أبى طالب وإلى « يحيى بن عبد الله » لدى الرشيد، وتأليبه عليه، مما كان من أسباب انقلاب الرشيد على البرامكة، وقتله غدرًا صديقه وحبّه « جعفر بن يحيى » البرمكى، وجز رأسه وصلبه وحرق جثته، وحبس البرامكة وعلى رأسهم « يحيى » الذى كان الرشيد يناديه بأبى فى الأيام الخوالى، قبل أن ينقلب عليه وعلى عائلته جميعًا !


الاستبداد والانفراد بالسلطة


هو أس البلاء !


ما كان لهؤلاء الخلفاء، ولا كان للرشيد، أن يفعل ما فعله بالبرامكة بهذا السوء الغارق فى الشر، البعيد عن أبسط مبادئ الرحمة التى هى ـ مع العدالة ـ مهجة الإسلام، لولا الاستبداد والانفراد بالسلطة، وقد عزا نبهاء المؤرخين تناقضات الرشيد هارون إلى استبداده وكونه الحاكم بأمره، فكان بمستطاعه أن يفعل ما يشاء، مهما كان التناقض فيه، وقد جره ذلك وجر الدولة إلى تناقضه تناقضًا شديدًا ما بين التدين واللهو، وما بين الزهد والإغراق فى التنعم، وما بين الجدية والاستملاح للنكات، وما بين التزام الفرائض والعبث بالفتوى، وما بين التبرك بالرسول عليه الصلاة والسلام والاجتراء على سنته بوضع الأحاديث التى تمجد البيت العباسى وتقدم خلافته للناس على أنها قدرٌ مقدور بأمر الله ليس منه فكاك !


ولذلك فإنه على فداحة نكبة البرامكة، فإن الآراء قد تباينت فى أسبابها تباينًا لا حدود له، وهو تباين يعكس اضطراب المسار وسيادة الأهواء والمآرب وتزاحم الأغراض واختلاط الباطل بالحق، والخطأ بالصواب، بحيث لم يعد بوسع فاحص متأمل أن يهتدى إلى بيت الداء فيما جرى !


ولا يحل محل أس الداء الأسباب الهامشية المتعددة التى يمكن أن تذكر فى هذا الأمر أو ذاك، فما حدث أكبر كثيرًا من أسباب هامشية يمكن أن تكون محلاًّ لملامة أو عتاب، أما الصورة التى جرت بها النكبة، وما صاحبها وأسلوب التعامل فيها، فإنه يشف بالتأكيد عن سبب رئيسى لهذا العصف الغليظ الذى لا شك أن الاستبداد كان أساسه وسنده، ولكن يبقى السؤال لماذا كان الذى حدث، وما علة هذه القسوة القاسية الغليظة فيه، سيما وأنه حين أراد الرشيد جمع البرامكة والقذف بهم جميعًا إلى السجن، جرى ذلك فى يُسْر وسهولة، دون مقاومة أو مناهضة، اللهم إلاَّ الرجاء والشفاعات، والتى بدورها نُحيت ورفضت على نحو ما سوف نراه !