محمد أفندى جلبى سبق الطهطاوى إلى باريس بأكثر من قرن

02/06/2014 - 8:57:48

حلمي النمنم حلمي النمنم

بقلم : حلمي النمنم

قام محمد أفندى جلبى بأول رحلة من عاصمة الدولة العثمانية إلى فرنسا ، كان ذلك سنة 1720، أى قبل رحلة الطهطاوى بأكثر من قرن، كان جلبى فى سفارة رسمية محملا بالرسائل والهدايا من السلطان العثمانى ومن الصدر الأعظم (رئيس الوزراء) إلى ملك فرنسا وغيره من كبار المسئولين، دون جلبى رحلته بالتركية فور عودته ثم ترجمت إلى الفرنسية سنة 1757، وظلت محجوبة عن قارىء العربية قرابة ثلاثة قرون حتى قام د. خالد زيادة الباحث والمؤرخ المعروف بترجمتها إلى العربية وصدرت مؤخرا فى القاهرة


قدم المترجم د. زيادة للنص بدراسة مستفيضة حول أجواء تلك الرحلة ودلالاتها داخل الدولة العثمانية، حيث ساد شعور فى مقر الدولة، بعد عدة هزائم عسكرية فى أوربا، أنه لابد من الانفتاح على أوربا، فكانت تلك السفارة التى قام بها جلبى، فضلا عن سفارة أخرى إلى فيينا، وثالثة إلى موسكو.


لم يكن محمد أفندى جلبى، مواطنا عاديا، كان قائدا عسكريا ورجلا دبلوماسيا، يعرفه جيدا وزراء أوربا، وفوق ذلك كله كان شاعراً، وهكذا تحرك على رأس وفد يمثل السلطنة فى زيارة امتدت شهورا، وأعد تقريره (الرحلة) التي بين أيدينا، وفيها وصف الكثير مما رآه، خاصة قصور الحكم وكبار المسئولين، ويذهب د. زيادة إلى أن طبقة الأعيان فى العاصمة العثمانية تأثروا بتلك الأوصاف، فأقاموا بيوتهم وقصورهم على النحو الذى وصفه جلبى فى تقريره ومن ثم وصلت المؤثرات الفرنسية مبكرا إلى عاصمة الدولة التى امتدت حدودها إلى قارات ثلاث.


غير القصور والطراز المعمارى وصف جلبى ما رآه جديدا أو غريبا بالنسبة لأبناء الإمبراطورية العثمانية، ذهب إلى دار الأوبرا فى باريس ويقول عنها «توجد فى باريس تسلية خاصة اسمها أوپارا حيث تعرض العجائب، وعادة ماتغص بالحضور، فكل السادة الكبار يقصدونها (..) أما الملك فيأتى بين الحين والآخر. وقررت أن أذهب لزيارتها»، ويواصل ملاحظاته «.. وشوارع باريس شديدة الاتساع ومبلطة بأحجار مربعة الحجم. وبيوتها مبنية إما بالحجر أو بمواد مشابهة . والحدائق شديدة الاتساع ومشيدة بطريقة خارقة»، ويقول أيضاً «للفرنسيين عادة وهى تغطية جدران غرفهم بأنواع من النسيج أو بالفرو أو أنواع أخرى من القماش».


لاحظ «چلبى» كذلك وضع المرأة فى المجتمع الفرنسى، النساء يتحركن فى الشوارع طوال النهار، لذا تبدو شوارع باريس مزدحمة، رغم أن عدد سكانها ليس أكثر من عدد سكان العاصمة العثمانية ورأى بعض السيدات يمارسن البيع فى بعض المحلات، فضلا عن أنه رآهن فى دار الأوبرا، سواء بين الحضور أو ضمن فريق التمثيل، وصف إحداهن رآها على المسرح بأنها أجمل من القمر، والسيدات يجلسن على موائد الطعام مثل الرجال، «.. وكانت كل النساء الجميلات حاضرات فى المأدبة، فكانت جمعية فاتنة».


اهتم «چلبى» أيضا بالنظام السياسى فى فرنسا، حيث النظام الملكى، ولما كان الملك وقتها صغير السن، كان هناك وصى على العرش، ويرصد أمرا لم يكن له وجود فى النظام العثمانى».. للفرنسيين عدة وزراء يسمونهم مينسترى وهم أقل رتبة من مارشال ومن الدوقة، ولكل واحد حكومته التى يستقل بها» وراح يتحدث عن وزير الخارجية واختصاصاته ومن بينها «معرفة ما إذا كان يتعين خوض الحرب أو الحفاظ على السلم وتدبير أمور التجارة».


لم تكن الرحلة مجرد حديث عن أحوال السكان فى فرنسا فقط، لكنه يضع يديه بذكاء شديد على مايمكن اعتباره بوادر النهضة العلمية والصناعية فى فرنسا، زار مبنى مختصاً بعلم التشريح وفيه أستاذ محاضر، رصد ما رآه من تشريح «كل أنواع الطيور والحيوانات» ثم رأى هياكل رجال ونساء وأطفال صغار» بحيث نميز كل الأعضاء، وقد بلغوا فى ذلك أقصى الصنعة، ولكى يظهروا اللحم والشحم والعضلات، صنعوا أطرافا من الشمع وقلدوا ألوان الأوردة والأعصاب، ويظهر الأطباء هذه الأجسام لطلبتهم أثناء الدروس» ولأن هذا الذى يحكيه غريب بالنسبة للعثمانيين، وقد يكون مستنكرا لأسباب دينية - آنذاك - يعلن هو بالقول «ولايمكننا سوى أن نقدر عنايتهم واجتهادهم» .


فى مجال الزراعة لاحظ هو أنهم جاءوا بنباتات وأشجار من الصين ومن الهند وبلاد فارس، فضلا عن «العالم الجديد» ، يقصد أمريكا، وراحوا يستنبتونها عندهم، فوضعوها فيما نعرفه اليوم باسم «الصوب» ، يقول «وبما أن طقس باريس البارد لايلائم هذه النباتات المأخوذة من العالم الجديد، فقد بنوا أقفاصا مقفلة من جميع الجهات بألوان من زجاج فارغة من الأسفل، ووضعوا بينها مدافىء يشعلونها فى الأيام القاسية البرد ولتعادل حرارتها حرارة طقس الهند ليدفئوا النباتات».


«سفارة نامة فرنسا» أو رحلة محمد جلبى سبقت رحلة رفاعة رافع الطهطاوى بأكثر من مائة عام، تحديدا 108 سنوات، وقد قام د. خالد زيادة فى تقديمه بعقد مقارنة بين الرحلتين ، فرنسا 1720، لم تكن هى فرنسا 1830، ومحمد أفندى جلبى الذى جاوز الخمسين لم يكن مثل الشيخ الشاب رفاعة الطهطاوى .. المقارنة مهمة وحزينة لكنها أيضا محزنة، ذلك أن العثمانيين لو انتبهوا جيدا لما جاء فى رحلة جلبى، من مؤشرات واضحة على صعود الغرب، لتغير الأمر بهم وبنا، ويبقى أن نثمن جهد د. خالد زيادة الذى نقل إلى قراء العربية، هذا النص المهم - حتى وإن جاء بعد (294) سنة من كتابته.