الفاتحة لمحمد على

03/08/2016 - 10:43:59

بقلم: عادل سعد

عن مركز الهلال للتراث صدر عدد فاخر بعنوان: "محمد على باشا الكبير"


ينفرد العدد بصور نادرة لمحمد على وزوجاته وأولاده إلى جانب لوحات الرحالة عن أيام الباشا فى مصر ومعاركه الداخلية والخارجية.


يقع الإصدار فى ١٠٨ صفحات فاخرة بالألوان وعلى الغلاف بصمة ذهبية.


سيرة محمد على ابن حارس الطرقات ومشروعه الكبير من أجل استقلال مصر عن الباب العالى والانتقال لعصر جديد وبناء أول جيش مصري في العصر الحديث وأول مدارس ومستشفيات، علامات يتوقف أمامها الباحثون بالنقد والتحليل.


نقدم محمد على باشا من وجهة نظر مؤيديه ومعارضيه بدون أن نفرض رأينا كالعادة على القراء.


كان عدد سكان مصر أقل من ثلاثة ملايين، عند تجنيدهم فى الجهادية تبور الأرض، وإذا طلبت الغرس والزراعة فالبلاد بلا جيش يحميها.


كنانة الله غزاها العثمانيون باسم الخلافة الإسلامية، وخضعت كولاية تابعة للباب العالى يديرها المماليك من الباطن، واحتلها نابليون وخرج مرغما بعد ضغوط انجلترا، وهاجمتها حملة فريزر البريطانية، واحتلت الإسكندرية، وتقدمت نحو القاهرة لولا مرض الألفى قائد المماليك ووفاته ومقاومة أهالى رشيد، وعادت ولاية عثمانية من جديد.


يجتاحها كل عام بانتظام الطاعون الدملى والكوليرا لحصد نصف السكان، وباستثناء بعض الكتاتيب وعلوم الفقه والسنة كانت بلدا لا يعرف التعليم، وبخلاف طب الحجامة والكى والتفل فى العين والعلاج بالقرآن كل أنواع الطب حرام، وفوق كل هذا سكانها لا يشاركون أبدا فى تشكيلات الشرطة ولا الجيش .


والفاتحة لمحمد على .


القادم من قولة على صهوة جواد حكم مصر ما يقرب من ٤٥ عاما استطاع خلالها أن يصعد ويقاتل أربع دول فى وقت واحد .


وسلاما على إبراهيم .


ابنه القائد العظيم الذى يعتبره التاريخ أشجع وأعظم قادة الحروب فى القرن التاسع عشر .


خاض إبراهيم تحت لواء أبيه حروبا ضارية ضد الوهابيين، وانتصر، وفى المورة أخضع اليونانيين وتقدم نحو بلاد الشام وفتح عكا التى استعصت على نابليون، وهزم الجيش التركى فى عدة معارك كان آخرها موقعة قونية التى تعد نموذجا للعبقرية العسكرية، واستسلم الأسطول التركى بالكامل وأصبح بعدها الباب مفتوحا أمامه لاحتلال اسطنبول.


مات أغلب أولاد محمد على باشا، طوسون الأحب إلى قلبه صرعه المرض أثناء قتال الوهابيين، وحاصر إسماعيل الكبير فى حروب السودان ملك كينيا وأغواه بالاستراحة فى قصر من القش والحطب وأحرقه بالنار ودفن بشندى، وظل محمد على يطارد الملك طوال حياته، ورحل أمله الأخير باستكمال رسالته إبراهيم القائد مصابا بالسل فى عنفوان شبابه، وظل محمد على يدور فى قصره حزنا حتى مات.


لم يكن محمد على ملاكا، لكنه كان حازما ألمعيا، يعرف ما يريد، اختطف أولاد المصريين لإجبارهم على دخول المدارس والالتحاق بالجيش، وذبح المماليك بلا رحمة وطاردهم لتدخل البلاد عهدا جديدا، ورفض حفر ترعة السويس وتوقع أن تكون جاذبة صواعق لاحتلال مصر، وهو ما تحقق بالفعل بعد وفاته بقليل.


تنكر محمد على لعمر مكرم ولصمود أهل رشيد ضد الغزاة الإنجليز وإجبارهم على الرحيل، برغم أنه كان يخطط للهروب للشام، وظل يتعامل معهم كأبناء الفلاحين وبوصفه أحد رعايا الدولة العثمانية العلية، لكن هذا الخطأ الكبير يغفره كفاح ابنه إبراهيم واعتزازه بمصريته وبجنوده المصريين ، كما أنه لم يمل عن الإصلاح والبناء، وظل يقظا يقود مصر وسط الأمواج العاتية بكل بسالة .


الفاتحة لمحمد على .


نقولها كما قالها عمنا الكبير بيرم التونسى، الذى ظل يؤنب خلاعة أحفاده، ويختتم كل فقرة من الانتقاد اللاذع بعبارة : والفاتحة لمحمد على؛ ليذكرهم بانحرافهم عن مسار الراحل العظيم .


مضى الآن أكثر من قرن ونصف القرن على رحيل الباشا المثير للجدل. . تكالبت عليه قوى الشر وانهزم فى النهاية بالمرض والوهن وغياب الولد، لكن مصر بعد محمد على أصبحت بلا شك شيئا آخر، ونحن مازلنا ندين لذلك الولد الفقير ابن حارس الطرقات بالكثير .