من هو محمد على؟ ( ١-٣ ) ابن حارس الطرقــات

03/08/2016 - 10:41:34

بقلم: عادل سعد

إن أول أمر يثير الشك هو ما يخص عام ميلاده : ١٧٦٩ . لقد لاحظت أوليمب أودوارد الآتى :»كان محمد على نفسه كثيرا ما يسعى لاكتشاف السن التى يبلغها، وذلك بناء على ما سمعه يقال لوالديه .»


كما أوضح مارسيل نفس الحذر مشيرا إلى أنه :


«فى ١٨٣٦ ، كان يبدو فى الثالثة والسبعين ، وهو ما يعنى أنه ولد عام ١٧٦٣، بينما سنة ميلاده كانت ١٧٦٨ أو ١٧٦٩ .»


فى الواقع اختار محمد على سنة ١٧٦٩ لتكون سنة ميلاده ليعزز فى أعين معاصريه المقارنة التى يمكن عقدها مع بونابرت .


أما نسبه فلم يمثل أية مشكلة، فهو ابن إبراهيم أغا ( المتوفى فى ١٧٩١) وزينب هانم ( المتوفاه فى ١٧٩٦ ) . وإبراهيم أغا نفسه هو ابن على أغا وخديجة قادن ( ابنة سعيد اغا ) . استقر والد محمد على بـ « قولة « حيث كان يمارس مهام وظيفته باعتباره حارسا للطرقات، ويعود أصل أسرته إلى الأناضول بـ « قونية «، ويحتمل أن يكون أصلها الأكثر قدما يعود إلى كردستان .


ذكر جوان أن محمد على قال : «من سبعة عشر طفلا لوالدى لم يبق سواى».


وكانت للباشا أخت اسمها أمينة هانم قد جاء بها إلى مصر . كما شارك اثنان من أبناء أخوته وهما أحمد باشا، وإبراهيم باشا ، فى كل حملاته العسكرية . وقد حمل أبناء أمينة هانم اسم يكن وهو ما يعنى ابن خالة بالتركية .


أما زوجة محمد على فهى أمينة هانم قريبة حاكم قولة. ووفقا للروايات المعاصرة ، فقد كانت: غنية ومطلقة أو ابنة الحاكم وقد طلقت لتوها منذ بضعة شهور من زوجها الأول .


أو : قريبة الشوربجى ( قائد الانكشارية ) دو براوستا، وكانت قد طلقت لتوها . أو: أرملة غنية


هذا التشكك حول أمر أمينة هانم، وما إذا كانت أرملة أم مطلقة يغذى فكرة كانت واسعة الانتشار فى هذا العصر، وهى أن إبراهيم باشا ابن الباشا الأكبر لم يكن ابنه .


لقد كتب بلانا : «إبراهيم باشا بن محمد على بالتبنى .»


ويقدم مارسيل توضيحا : «لمحمد على ثلاثة أولاد ( من أمينة هانم ) ولد أكبرهم فى حياة زوج أمه السابق وفى البلد الذى كان يقيم فيه هذا الرجل .


لقد كان التقليد العثمانى يقضى بأن يتزوج المرأة عند فقدان زوجها أحد أقارب أو أصدقاء المتوفى حتى لا تترك بدون سند . ولذلك كان غالبا ما يحدث أن يتزوج جندى أرملة رفيقه بالجيش .


عشرون سنة فقط هى الفارق فى العمر بين محمد على وإبراهيم باشا . لكن من المحير ملاحظة أن محمد على كان يرسل على رأس جيوشه فى الحملة ضد الوهابيين ابنه الثانى طوسون باشا رغم صغر سنه، ولما توفى أرسل الباشا حينئذ إبراهيم باشا.


وبنفس الطريقة أرسل الباشا ابنه الثالث إسماعيل باشا على رأس حملة السودان، وعندما توفى هو الآخر أثناء الحملة حل محله إبراهيم باشا . ويقول من يرددون ذلك للتشكيك فى نسب الخديوى إسماعيل إن محمد على كان يتمنى أن يكون كل المجد من نصيب ابن من صلبه . ولم يقم إبراهيم باشا فعليا بقيادة الحملات العسكرية إلا بعد أن أصبح محمد على لا يمتلك أولادا فى سن القتال .


العديد من الإشارات التى تجعلنا نفكر فى أن إبراهيم باشا ليس ابنا لمحمد على، لكن السؤال يبقى مفتوحا لعدم توافر أدلة أكيدة، ثم إن مجموعة التخمينات لا تكفى للفصل فى الأمر .


وتثير وقائع شباب الباشا بـ « قولة « أيضا العديد من الأسئلة، إذ تكرر معظم المؤلفات أن الشاب محمد على قد تم استقباله من قبل حاكم قولة نظرا للبسالة التى كان يتسم بها . وأنه مبكرا قد قاد وهو فى الخامسة عشرة من عمره حملة مكونة من ألف رجل ضد القراصنة .


بعد زواجه بوقت قليل انصرف محمد على لتجارة التبغ التى درت عليه أرباحا مجزية، وألهمته ذلك الشغف والعلم بالتجارة اللذين رافقاه دائما .


لكن يمكن التشكك فى تلك الرواية بالغة المثالية . وتروى أوليمب اودوارد رواية تمكننا من إدراك إرهاصات الباشا بطريقة أكثر واقعية وأقل وهما :


ولد لابوين فقيرين، وتيتم صغيرا وقضى شبابه فى الظلمة والبؤس . عاش سنوات طويلة فى القسطنطينية، حيث كان مجرد كايكجى (بحار ) . ويوما ما بعد أن ضجر من حياة العناء هذه ورغبة منه أيضا فى العودة إلى مسقط رأسه، ذهب إلى مصرفى أرمنى صغير وقال له: «أريد الإقامة بـ « قولة «، وأن أؤسس بها تجارة للتبغ، ولكنى معدم . إذا ما أقرضتنى ستة آلاف قرش ستكون قد أسديت لى خدمة كبيرة، ولسوف أرد إليك هذا المبلغ فور استطاعتى .»


أقرضه المصرفى الأرمنى المال، الذى سرعان ما رده محمد على إليه بعد أن حقق تجارة مربحة . وبعودته إلى قولة باعتباره تاجرا ناجحا وفطنا قدم خدمات للحاكم الذى زوجه ابنته .


ويمكن الوثوق فى هذه المعلومات الأخيرة ، فبالنسبة لرجل عثمانى مثل محمد على، فإن الاعتراف بماضيه باعتباره تاجرا يعد أمرا يفتقد للمجد والعظمة خاصة عندما يبلغ المرء أعلى المناصب .