الصحة وأطباؤنا ودور النقابة والحكومة

03/08/2016 - 10:11:10

  السفير د . عزمى خليفة السفير د . عزمى خليفة

السفير د . عزمى خليفة مستشار أكاديمي للدراسات المستقبلية

أكرمني الله بأزمة صحية منذ شهرين تقريبا ثم كشف لي حقيقة الأوضاع في القطاع الصحي وما يجري فيه على يد بعض أشهر الأطباء دون وازع من ضمير ولا من النقابة التي ينتمون إليها ،ولا من الحكومة ،ويبدو أن تسييس النقابات عامة ومن ضمنها نقابة الأطباء قد أنساها واجبها الأول وهو الارتقاء بالمهنة ووضع قواعد ممارستها.


فإذا كنا نتحدث عن القطاع الصحي ففي تقديري أنه أهم قطاع بعد التعليم لابد وأن يخضع لإشراف الحكومة نظرا لأهميته لمجموع مواطني الدولة ، ولابد أن تمتد مظلة التأمينات الصحية إلي كل مواطن في أقصي نجوع مصر،إلا أن تجربتي مع المرض أثبتت لي أن فقراء مصر وهم الملايين الغالبة لهم الله سواء للشفاء فهو الشافي المعافي أو في الموت عجزا عن توفير العلاج، ولا يوجد غيره :لا حكومة، ولا نقابة ، ولا أطباء، ولا أدري ماذا حدث للأطباء ففي الفترة من ١٩٩٨-٢٠٠٢ كنت سفيرا في إحدي الدول الإفريقية ،وتلقيت اتصالا تليفونيا من طبيب عيون شهير ،مؤكدا أنه ينوي الحضور بمعداته الطبية وفريقه المساعد من أطباء وممرضين لإجراء بعض عمليات جراحة العيون مجانا ،وكل ما طلبه توفير مكان مناسب لإجراء العمليات،راجيا تسهيل انتقاله بمعداته وفريقه إلى بعض المدن والقري خارج العاصمة إن أمكن، وعلمت منه بناء على استفساري أن الفريق بأكمله يجري هذه العمليات سنويا زكاة عما تلقوه من علم بنص ما ذكروه .


كذلك قبلهم ببضع سنوات كنت مستشارا والتقيت بالراحل العظيم د. محمود محفوظ في دولة إفريقية أخرى وكانت مهمته إنشاء مستشفي وتجهيزه ،وعلمت أنه رئيس أحد نوادي الروتاري في مصر ،فدعوته لإلقاء محاضرة بنادي روتاري محلي في هذه الدولة وبعد انتهاء الزيارة التقيته بالقاهرة وأخبرني بناء على استفساري أنه يقوم بهذا العمل زكاة عن علمه


كذلك يحكي عن د. إبراهيم ناجي شاعرنا العظيم أن بواب عمارته ذهب إليه في العيادة للكشف وكانت أجرة الكشف في ذلك الحين جنيها ،وبعد الكشف عرف أن البواب يعاني من سوء تغذية فرد إليه الجنيه وطلب منه شراء دجاجتين وأكلهما فماذا حدث لأطبائنا؟


فقد استدعت الأمور سرعة إجرائي عملية قلب مفتوح وتغيير أربعة شرايين بينهم الشريان التاجي ولم أكن أحمل هما فمن ناحية «افتكار ربنا رحمة» كما نقول ومن ناحية أخرى لدي تأمين صحي شامل منذ سنوات عديدة في واحدة من أفضل شركات التأمين العالمية ،وكنت قد عملت القسطرة في المستشفي الجوي التخصصي بالتجمع الخامس وأجراها لي طبيب متميز هو د. خالد النادي جزاه الله خيرا وكنت أنوي إجراء جراحة القلب المفتوح بها ، لولا أن رئيس قسم جراحة القلب بالمستشفي أجبرني على ترك المستشفي وهذه مسألة سأتقدم للسيد الفريق أول وزير الدفاع بشكوي تفصيلية ضده خاصة بعد تدخل مدير المستشفي اللواء خالد عويضة وكبير جراحي المستشفي دون جدوي.


أول مشكلة واجهتها أن المستشفيات في مصر والتي وقعت تعاقدا مع شركة التأمين ترفض إجراء العملية إلا بعد دفع تكاليف المستشفي والفريق المعاون على أن يسترد المريض مادفعه من شركة التأمين فيما بعد، كما أن الطبيب الذي سيجري العملية يصرعلي أن يحصل علي أجره كاملا قبل دخول غرفة العمليات، وهذه مشكلة في حد ذاتها فمن منا يحتفظ في جيبه بحوالي مائة ألف جنيه لإجراء هذه الجراحة ،وكيف سيذهب للبنك وهو في هذه الحالة الصحية المتدهورة لصرف المبلغ، وذلك بافتراض توافر المبلغ لديه وما معني تأمين صحي شامل في مثل هذه الحالة، أما إذا كان لا يملك مثل هذا المبلغ فله الله أولا وأهل الخير ثانيا لأنني اتحدث عن عملية عاجلة لا تنتظر الدور في المستشفيات الحكومية.


ثم نأتي للطامة الكبري وهي أجور أطباء جراحات القلب فأحد الأطباء – وبالمناسبة قيل لي إنه كان وزيرا سابقا للصحة- طلب لإجراء العملية ٩٥ ألف جنيه ،بالإضافة لمبلغ ٤٠ ألف جنيه للمستشفي وأجرة الفريق المعاون ،ورفض إصدار فواتير تفصيلية ،علما بأنني أجريت العملية في واحدة من أفضل مستشفيات جراحة القلب في مصر وفريق التمريض بنسبة ٩٠٪ ليس مصريا ولم يطلبوا هذا المبلغ كأجر للمستشفي كما أن هذه التكاليف كانت أعلي من تكاليف إجراء العملية في لندن أو المانيا من خلال نفس شركة التأمين بما في ذلك أجرة الإقامة والسفر!!!


والسؤال هل تعلم الحكومة وتحديدا وزير الصحة هذه التفاصيل وهذه المغالاة في أجور أطبائنا؟ وهل لديه حل لمشكلة المرض لدي فقراء مصر لأن هذه أولي أولويات سيادته؟ والسؤال التالي هو أيضا للحكومة ولكن لوزير المالية هل سيادتك تحصل ضرائب من هؤلاء الأطباء علي هذه الأجور المبالغ فيها؟ أم أنك تحصل الضرائب علي مبالغ أقل وهو أمر واضح لرفض بعضهم إصدار فواتير بالمبالغ التي يتقاضونها؟


إن معرفة أجور الأطباء ليست بالمشكلة صحيح أن الدولة لا ينبغي ألا تتناسب مع ما وصلوا إليه من مكانة علمية واجتماعية ولكن طالما أنهم وصلوا لهذا التوحش لابد من إعادتهم إلي الوضع الطبيعي للأجور قصرا وهذه مسئولية الأجهزة الرقابية في الدولة فمن هنا يبدأ الفساد وخاصة أجهزة مكافحة التهرب من الضرائب .


أيضا ما هو دور نقابة الأطباء في تنظيم المهنة للارتقاء بها ؟أنها الأولوية الأولي للنقابة ولا أريد أن أسمع حديثا عن ضعف الإمكانيات وتدني أجور الأطباء الشباب أو تدني أجور الأطباء عموما فهذه الحجج لا أظن أنها تجدي في حالتنا إننا نريد إجراءات عملية تستهدف أمرين معا:


الأول التزام المستشفيات بما فيها المستشفيات الخاصة باحترام تعاقداتها مع شركات التأمين عامة وفقا للقواعد التي وقعت عليها ،فقطاع الصحة قطاع أمن قومي فعلا وتنظيمه واجب وهناك تجربة مطبقة في ألمانيا تؤكد ذلك فجميع أسعار العمليات الجراحية في مختلف أنحاء ألمانيا واحدة ولا توجد لا عيادة ولا مستشفي قطاع خاص فجميع المستشفيات خاضعة للتعليم الجامعي والحكومة


الثاني: إلزام الأطباء بإصدار فواتير عن أجورهم وتعلق هذه الرسوم في صدر العيادات والمستشفيات التي يعملون بها وتحصيل ضرائب منهم علي صور هذه الفواتير وأي طبيب يرفض إصدار فواتير حقيقية تغلق عيادته لمدة عام أول مرة ثم تغلق نهائيا من ثاني مرة


مرة أخري أتساءل إذا مرض الفقير ماذا يفعل ؟؟؟