إفريقيا.. بالأحضان

03/08/2016 - 9:54:29

بقلم: سليمان عبدالعظيم

أزعجنى بشدة أن يقول لى الصديق التشادى ألفريد جاسنان كاموس ذات مساء: «رغم أن بلادكم أصلاً بلد إفريقى إلا أن الكثير من المثقفين والسياسيين لايعرفون شيئا كثيراً عن الثقافات المتباينة فى بلدان القارة السمراء، ولا يعرفون مشاكل المجتمعات والقبائل والشعوب الإفريقية..! بينما نعرف نحن الأفارقة الكثير والكثير عن مصر وحضارتها ومثقفيها ورموزها وسياسييها وكل شئ فيها».


ولم أرد على صديقى جاسنان لأن جانباً كبيراً مما قاله صحيح. لم أرد لأننا بالفعل نعرف الكثير عن الدول العربية الواقعة فى القارة السوداء.. نعرف ليبيا وتونس والمغرب.. نعرف الجزائر.. والسودان بالطبع.. وموريتانيا التى بالكاد أصبحنا نعرفها منذ أن دخلت جامعة الدول العربية قبل سنوات قليلة.. لم أرد لأننا نسينا أننا فى الأصل أفارقة قبل أن نصبح عرباً.


جرت هذه المناقشة مع صديقى التشادى على خلفية الزيارة الكبرى لـ ٦ دول إفريقية لرئيس وزراء إسرائيل أقصد بنيامين نتناياهو الذى اصطحب معه وفداً مكوناً من ٨٠ من كبار رجال البيزنس الإسرائيليين ذهبوا معه ومع وزرائه إلى إفريقيا بحثاً عن المال واليورانيوم والماس والأعمال!.


غابت مصر الرسمية عن إفريقيا ابتداء من عام ١٩٩٥ عندما تعرض الرئيس الأسبق مبارك لمحاولة اغتيال فى أديس أبابا عندما ذهب ليحضر مؤتمر القمة الإفريقية، من وقتها يمكن أن تقول - إلا فى بعض الحالات - إن علاقة مصر بإفريقيا شهدت انحساراً كبيراً.. حيث عزف مبارك منذ تلك اللحظة عن زيارة أى بلد إفريقى تقريباً!.


ياه.. فين أيام الستينات من القرن الفائت حينما كان هناك زعيم كبير تلتف حوله الشعوب الإفريقية وزعماؤها الكبار.. كان هناك جمال عبدالناصر الذى أشعل نيران حركات التحرر الوطنى فى بلدان القارة فظهر كوامى نكروما الذى حرر غانا وسيكتورى بطل غينيا وجومو كينياتا مؤسس كينيا وغيرهم وغيرهم.. فى هذا الزمن الجميل كانت مصر وكانت القاهرة تحتضن قادة حركات التحرر الوطنى فى إفريقيا.. ومن القاهرة بدأت رحلة ثوار إفريقيا..


فى ستينيات القرن الماضى نجح رجال عبدالناصر فى إنقاذ أسرة الزعيم الكونجولى الشهير بياتريس لوموبا عندما انقلب عليه تشومبى وكازا فوبو وموبوتو وأعدموه فى عام ١٩٦٠.. أنقذ رجال عبدالناصر أسرة لومومبا وأطفاله الصغار وقاموا بتهريبهم جواً من الكونغو إلى القاهرة عبر عملية مخابراتية مصرية واستقبلهم الرئيس عبدالناصر فى منزله فور وصولهم إلى مطار القاهرة، وظلوا يعيشون فى فيلا خاصة مملوكة للدولة .. ابنه الأكبر بياتريس الذى كان لى حظ معرفته ونيل صداقته أواسط عام ١٩٧٥ عندما كان يدرس فى كلية الاقتصاد بالعلوم السياسية وكنت وقتها فى كلية الإعلام.


فى هذا الزمن الذى يمكن أن أطلق عليه العصر الذهبى لعلاقة مصر بدول القارة السمراء أسس عبدالناصر شركة النصر للتصدير والاستيراد وكان لها فروع كثيرة فى إفريقيا وصلت إلى ٢٤ فرعاً فى ٢٤ بلداً أفريقياً .!


ولم تكن هذه الشركة مجرد شركة تجارية تستورد وتصدر، بل لعبت أدواراً وطنية كثيرة يعرفها بالتأكيد كل مواطن أفريقى عاش هذه الفترة الزمنية الذهبية بكل المقاييس .


أذهب إلى عصر الرئيس السادات الذى لم يقل اهتمامه بالقارة السوداء، ولكن اهتمامه الأكبر كان بالدول العربية سيما أنه كان يخطط لشن معركة تحرير الأرض فى أكتوبر ١٩٧٣ .


كل الأفارقة يعرفون عبدالناصر ويعرفون أيضاً السادات.. وظلت علاقة مبارك بالزعماء الأفارقة قائمة حتى عام محاولة اغتياله فى إثيوبيا .. ويومها أستطيع القول بأن مبارك وقتها «قفل بالضبة والمفتاح على أفريقيا كلها»!


وحسناً فعل الرئيس السيسى عندما بادر فور توليه مسئولية القيادة بإعادة مصر إلى القارة السوداء وكان شعاره الذى عرفه الجميع بالأحضان يا إفريقيا بالأحضان ..


فى عهد السيسى وصحوة مصر وعودتها إلى القارة الأم انتهى الآن عهد كانت مصر تولى فيه الرعاية الكاملة لدول حوض النيل وحدها.. نعم لم تعد علاقات مصر مع بقية البلدان الأفريقية إلى سابق عهدها الذهبى .. ولكن نحمد الله أنها عادت قوية .. مصر عادت شمسها الذهبى .


فى بلدان إفريقية كثيرة أنشأت المقاولون العرب مستشفيات ووحدات صحية ومدارس ومساجد ومحطات مياه شرب حتى يجد المواطن الإفريقى فرصة للتعليم والعلاج والحياة الكريمة، العجلة دارت وتدور الآن بسرعة.. وهكذا يمكن أن تؤسس مصر لعلاقات تعاون حقيقية تمس الواقع الصعب المعاش لأبناء القارة العجوز .


كلى يقين أن الأيام القادمة ستشهد العلاقات بين مصر وإفريقيا عصراً لن يقل عن العصر الذهبى فى الستينيات ..


وسوف تسألنى: ما هى شواهدك على أن هذا الزمن الجميل سوف يعود مرة أخرى؟! .


وأجيبك حالاً : عندما تنشأ - ولأول مرة - لجنة فى مجلس النواب المصرى يكون اسمها لجنة الشئون الأفريقية .. وعندما يكون رئيسها اللواء حاتم باشات واحد من أبرع وأمهر رجال جهاز المخابرات المتخصصين فى الشأن الأفريقى .. وعندما يعين الرئيس السيسى د. سيد فليفل عميد مركز البحوث والدراسات الإفريقية السابق نائباً بمجلس النواب عندما .. وعندما .. وعندما .. فعلينا أن نثق تماماً فى أن بلادنا عائدة وعائدة بقوة إلى القارة السمراء .


وأهلا .. يا أفريقيا .. وأهلا بالأحضان !