الأقباط فى الانتخابات البرلمانية: ممارسة سابقة أم نقلة جديدة

23/09/2014 - 11:15:25

تواضروس تواضروس

كتب - د. ســـامـــح فـــــوزى

الأقباط فى الانتخابات البرلمانية موضوع يثير نقاشا واسعا لأسباب عديدة. أولاً: أن هناك "حصة" للنواب الأقباط طبقا لقانون الانتخاب، مما يفتح شهية المتطلعين لعضوية البرلمان من الأقباط أنفسهم. وفى هذا جدل ومزاحمة وأحيانا عراك. ثانيا: يُعد تمثيل الأقباط برلمانيا من المشكلات المزمنة التى طالما أثارها الأقباط، والقوى السياسية، والباحثون فى إطار الحديث عن الفئات المهمشة سياسيا. ثالثا: يستدعى تمثيل الأقباط فى البرلمان- بصفتهم الدينية- حديثا عن وضع المؤسسة الكنسية، وما إذا كان لها دور فى هذه العملية من عدمه.


فى الفترة الماضية انخرطت الأحزاب السياسية فى حوارات ومساجلات لإنتاج قوائم تضم فئات عديدة من بينهم الأقباط. ومن البديهى أن الأقباط، بوصفهم مواطنين مصريين، ينضمون إلى القوائم الانتخابية حسب خياراتهم السياسية، والأحزاب التى ينخرطون فى عضويتها. بقول آخر، يفترض أنه ليس للأقباط جهة مرجعية غير إنتماءاتهم السياسية، وتصوراتهم الذاتية عن دورهم المستقبلي. يسرى هذا الحديث عن تمثيل المرأة كذلك، فالمرشحات اللاتى سوف يُخترن على القوائم الانتخابية يكون معيار العلاقات السياسية والتوجهات الفكرية هو الأغلب فى اختيارهن، وليس لهم جهة مرجعية يكون لها الكلمة الأخيرة فى الاختيار. ولا يتصور أن يكون المجلس القومى للمرأة مثل اليد العليا فى اختيار النساء اللآتى يخضن التجربة الانتخابية.


الأقباط مواطنون، وينبغى أن يمثلوا فى المؤسسات السياسية بصفتهم مواطنين. هكذا يحلمون، وكثيرا ما تحدثوا عن المساواة فى المواطنة من منطلق أن يكونوا مواطنين طبيعيين: إذا كان أحدهم كفئا لموقع معين يناله بصرف النظر عن الانتماء الديني، وإذا كان أهلا لوظيفة يستحقها لا تغلق أمامه الأبواب، وإذا خاض تجربة انتخابية يكون معيار الكفاءة- وليس الدين- هو الفيصل.


الذين تحدثوا عن مشكلات الأقباط على مدار عقود فى كتابات وبحوث مهمة، والذين تناولوا مبدأ المواطنة بالدراسة والتبشير، ودعوا إلى تعميقه فى المجتمع المصرى كانوا يطمحون إلى أن يكون الأقباط مواطنين متساوين، كاملى المواطنة، مع غيرهم بما يقتضى معاملتهم على قدم المساواة. وما الحديث عن الدولة المدنية إلا حديثا عن المواطنة، فالمدنية تعرف المواطنين، والدولة القومية تعرف المواطنين، أما التشكيلات السياسية القديمة التى تقوم على الدين أو القبلية أو الروابط الإثنية فلا تعرف سوى مواطنة للبعض وليس للكل، ويصبح التمييز مبررا تحت لافتات شتى.


هذا هو المتصور أن يكون الأقباط مثل غيرهم مواطنين، لا وصاية عليهم من أى جهة. وخلال الفترة الأخيرة بدا صوت الأٌقباط مرتفعا، والشباب القبطى فى حالة حراك، وهناك تمرد لا تخطئه عين ضد السلطة التقليدية، وكان رأى الكنيسة العاقل والهادئ بأن الأقباط أحرار فى توجههم السياسي، لا أحد يفرض عليهم شيئا. عندما طلب الرئيس المعزول محمد مرسى من البابا تواضروس أن يمنع الأقباط من التظاهر فى 30 يونيه رد عليه بأن المواطن القبطى حر فى توجهه السياسي، ولا تثريب عليه أو وصاية على حركته. وعند الاستفتاء على الدستور عام 2014 م كتب البابا تواضروس مقالا أفصح فيه عن رأيه بالموافقة على المسودة المعروضة على الشعب، لكن فى تصريحاته قال إن الأقباط أحرار فى قرارهم. ومؤخرا صدرت تصريحات بابوية تشير إلى أن الكنيسة لا تتدخل فى الانتخابات.


لكن هناك من يريد أن تتدخل الكنيسة فى اختيار المرشحين الأقباط الذى يخوضون الانتخابات أو على الأقل الموافقة عليهم؟ .. هذا ما تردد فى وسائل الإعلام، ومن بين من يريد للكنيسة أن تتدخل أحزاب وأقباط أنفسهم، وهو أمر نحتاج إلى وقفه حقيقية معه، مدركين تداعياته على المدى البعيد.


بالطبع الكنيسة هى مؤسسة الأقباط الأولى بامتياز، لا تضاهيها أية مؤسسة. فهى تحتضن الأقباط، وتوفر لهم شبكة الأمان الاجتماعي، وتحفظ لهم انتماءهم للوطن، وتساعدهم على تخطى أزمات الحياة. صمدت فى وجه أزمات كثيرة، ولا تزال صامدة، فى حين ترهلت وتداعت كيانات كثيرة، بعضها كنا نظنه أكثر متانة ورسوخا. وبالتالى من الترف أن نظن أن يجرى التعامل مع الأقباط بمعزل عن المؤسسة الكنسية فى الفترة الحالية، لكن علاقات المواطنة تقتضى أن يأتى يوم يصير فيه الشخص مواطنا فى الدولة، ومؤمنا فى مؤسسته الدينية. يعنى ذلك أن الانتخابات القادمة ينبغى أن تشكل فرصة لظهور كوادر قبطية فى إطار الأحزاب والتيارات السياسية، ويتعين علينا أن نصبر على ذلك. هذه خطوة مهمة نحصد نتائجها بعد سنوات حين تتشكل طبقة سياسية وفكرية ومهنية قبطية، فى قلب تشكيلات ومؤسسات الدولة، وليست منفصلة عنها، أو لها ذاتية خاصة بها. المجتمع الحديث لا يتشكل إلا إذا كان المواطن مستقلا، يمتلك الإرادة والحرية والمشيئة.


من مصلحة الدولة، والمؤسسة الدينية، والمواطنين أنفسهم أن نؤكد على الأدوار الأساسية للمؤسسات: المؤسسة الدينية ترعى رأس المال الديني، الحزب السياسى ينافس على السلطة، النقابة ترعى القيم المهنية ومصالح الأعضاء بها، الجمعية الأهلية تقدم الخدمات الرعائية والتنموية، الخ.


المسألة بالطبع ليست سهلة لأن التطور السياسى فى المجتمع لا يسمح بمثل هذا الفصل فى الحدود بين المؤسسات، لكن علينا أن نكون واعين بأن الديمقراطية والمواطنة تتحقق فى المجتمع حين تنتظم العلاقات المؤسسية فى المجتمع.



آخر الأخبار