من شمائل رسول الله «صلى الله عليه وسلم» ومگارم أخلاقه

23/09/2014 - 11:12:49

أحمد عمر هاشم أحمد عمر هاشم

كتب - أ.د. أحمد عمر هاشم

إن ثمرة الدراسة التحليلية للسيرة النبوبة العطرة، أن نقف علي الحياة النبوية الشريفة، التي تعتبر السيرة بالنسبة لها تجسيداً حياًّ لحياته (صلى الله عليه وسلم) في جميع أطوارها.


وواضح أن حياة رسول (صلى الله عليه وسلم)، قد نقلت جميعها بكل تفاصيلها، نقلت كلياتها، وجزئياتها، وليس فيها شيء سِرِّي، ولا أمر خفي.


فحياة الكثير من عظماء البشر فيها جوانب معروفة، نقلها التاريخ وعرفها الناس وتناقلوها، وفيها جوانب سرية، وأمور خفية، لم يذكرها التاريخ، ولم يعرف أحد من الناس عنها شيئاً، خاصة الأمور الأسرية، والأمور التي تتعلق بأسرارهم، أو التي يمكن أن يتوجه النقد إليهم بسببها، بل ربما أخفي بعض عظماء التاريخ الكثير من صفحات حياتهم لأنهم يعتبرونها شخصية أو لا يحبون أن يعرفها عنهم أحد..


حياة سيدنا محمد بن عبدالله (عليه أفضل الصلاة والسلام) نقلت بحذافيرها، وجميع أطوارها ما قبل الرسالة وما بعدها وحياتها في السلم وفي الحرب، وفي النوم وفي اليقظة، وفي الأسرة وخارج الأسرة، وفي الجد وفي غيره.. بل إن الأمور التي تعتبر عند البعض أمورا شخصية وأسرية وخاصة نقلت أيضاً عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فلم يعد فيها شيء خفي حتي حياته مع زوجاته، حتي ما كان يقوله عند معاشرة زوجاته: « بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا» حتي كيفية قضائه لحاجته، وكيفية اغتساله، إلي غير ذلك من الأمور.. وبماذا نُقلت؟ إنها نقلت بأدق طرق النقل التي لا تعرف الدنيا لها مثيلا، حتي إن علماء الحديث النبوي وأرباب الرواية، ابتكروا علما لم يسبقوا إليه، وهو علم : «مصطلح الحديث وزنوا به كل خبر جاءهم عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) بأدق طرق النقل التي لا تعرف الدنيا لها مثيلا، وإنما نُقلت كل حياته علي هذا النحو؛ لأنه (صلى الله عليه وسلم) خاتم للأنبياء والمرسلين، فلا نبي بعده ولا رسول، لأن رسالته عامة وخالدة إلي أن يقوم الناس لرب العالمين، ولأنه (صلوات الله وسلامه عليه) هو الأسوة الحسنة الذي يقتدي به في: قوله، وفي فعله، وفي تقريره، وفي صفاته، كما قال رب العزة سبحانه:


{لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا}.


فرسول الله (صلى الله عليه وسلم) هو الأسوة الحسنة المستمرة إلي أن تقوم الساعة، أكمل «الله» علي يديه الدين، وأتم به النعمة، كما قال «الله» سبحانه وتعالي:


{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}.


وكان متمما لمكارم الأخلاق التي نادي بها مَنْ قبله من الرسل فجاء كمالها وتمامها علي يديه، كما قال (صلوات الله وسلامه عليه): «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».


وكما تحدث الرسول (صلوات الله وسلامه عليه) عن موقفه من إخوته السابقين، من الأنبياء والمرسلين حين قال: «مَثَلِي ومَثْلُ الأنبياء من قبلي كمثل رجل بني بيتا فأجمله وأحسنه إلا موضع لبنة في زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟!، فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين».


ومن أجل هذا كله نري أن «الله» تعالي جمع في رسوله (صلوات الله وسلامه عليه) جميع الشمائل الحميدة، والمكارم الفريدة، وما كان عليه الرسل السابقون من هدايات جمعها «الله» له وقال:


{أولئك الذين هدي الله فبهداهم اقتده}.


ومن قول الإمام علي (كرم الله وجهه) في وصف شمائل الرسول (صلى الله عليه وسلم): كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يخزن لسانه إلا فيما يعنيه، ويؤلفهم ولا ينفرهم ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بِشْرَه وخُلُقَه، ويتفقَّد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس. ويحسِّن الحسن ويقويه، ويقبح القبح ويوهيه، معتدل الأمر غير مختلف لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا لكل حال عنده عناد، لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه.


وقال الحسين (صلى الله عليه وسلم) - فسألته - أي سأل الإمام عليا (كرم الله وجهه) عن مجلسه (صلى الله عليه وسلم) كيف كان؟ فقال: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لا يجلس ولا يقوم إلا علي ذكر «الله» تعالي، ولا يوطن الأماكن، وينهي عن إيطانها، وإذا انتهي إلي قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك، يعطي كل جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه، من جالَسَه أو فاوضه في حاجة صابرة حتي يكون هو المنصرف..


ومن مكارم أخلاقه، في معاملة الناس أنه كان يتغافل عن سفه أهل البـاطل، ويقبل ظواهر أقوالهم، روي أن جــماعة من اليهود استأذنوا علي رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقالوا: السام عليكم، فقالت عائشة: بل عليكم السام واللعنة، فقال (صلى الله عليه وسلم): «يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله»، قالت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: «قد قلت: وعليكم». فهم يقصدون «السام» بمعني الموت، فأجري القول علي ظاهره منهم، وقال في الجواب: و«عليكم» أي عليهم مثل قَوْلهم..


> وكان عليه الصلاة والسلام شديد الحياء، عن أبي سعيد الخدري (صلى الله عليه وسلم) قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أشدَّ حياء من العذراء في خِدْرها، فإذا رأي شيئاء يكرهُهُ عرفناه في وجْهِهِ»، وقد عرف العلماء الحياء بأنه خلق يبعث علي ترك القبيح ويمنع من التقصر في حق ذي الحق.


وهو من أهم شعب الإيمان، ولذا خصه الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالتنبيه عليه، عن أبي هريرة (صلى الله عليه وسلم) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «الإيمان بضْع وسبعون شعبة أو بضع وستون شُعْبَة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذي عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان».


وثمرة الحياء: الخير في كل ما يأتي الإنسان وفي كل أقواله وأفعاله وأحواله عن عمران بن حصين (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «الحياء لا يأتي إلا بخَير».


> ومن سمات الوقار والسكينة أنه كان (صلوات الله وسلامه عليه) إذا ضحك تبسَّم ولا يقهقه، عن عائشة (رضي الله عنها) قالت: «ما رأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مُسْتجْمِعاً قّطُّ ضاحكا حتي تفري منه لَهَوَاتُه، إنما كان يتَبَسَمُ» ومَعني كلمة (مستجمعا) أي يبالغ في الضحك و«اللهوات» جمع لهاة وهي اللحمة التي في أقصي سقف الفم.


> ومن مكارم أخلاقه (صلى الله عليه وسلم) ما رواه أبو هريرة (صلى الله عليه وسلم) قال: «ما عاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) طعاماً قط إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه».


> ومن شمائله الكريمة، ومكارم أخلاقه العظيمة: سخاؤه الكثير، وجوده الذي فاق الرياح المرسلة، عن أنس (صلى الله عليه وسلم) قال: «ما سُئل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) علي الإسلام شيئا إلا أعطاه، ولقد جاءه رجلِّ فأعطاه غنما بين جَبَلَينِ، فرجع إلي قومِه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشي الفقر، وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يلبث إلا يسيرا حتي يكون الإسلام أحَبَّ إليه من الدنيا وما عليها.


وعن عائشة (رضي الله عنها) أنهم ذبحوا شاة، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): «ما بقي منها؟» قالت: ما بقي منها إلا كتفها قال: «بقي كلُّها غيرَ كتفها».


> ومن مكارم أخلاقه (صلى الله عليه وسلم): حِلْمُه وصُفْحُه، عن أنس بن مالك (صلى الله عليه وسلم) قال: كنت أمشي مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعليه بُرْدٌ نَْجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فَجبذه بردائه جبذة شديدة حتي نظرت إلي صفحة عاتق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد أثّرت بها حاشية البرد من شدّة جبذته، ثم قال: يا محمد مُرْ لي من مالٍ الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثم ضحك ثم أمر له بعطاء. وهذا الحلم والصفح من أهم العوامل التي أثرت في قلوب الناس وجعلتهم يلتفون حوله، فلو كان فظا أو غليظا لانفضُّوا من حوله.


ومن ذلك أيضا: ما رواه ابن مسعود (صلى الله عليه وسلم) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «لا يبَلّغنِي أحَدٌ عن أحَدٍ من أصحابي شيئا، فإني أحبُّ أن أخْرُجَ إليهم وأنا سلِيمُ الصَّدْرِ» قال عبدالله: فأُتِي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بمال فقسمه، فانتهيت إلي رجلين جالسين وهما يقولان: والله ما أراد محمد بِقسمته التي قسمها وجه الله ولا الدار الآخرة، فتثبَّتُّ حين سمعتهما، فأتيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأخبرته فاحمرّ وجهه وقال: «دعْني عنك، فقد أوذي موسي بأكثر من هذا فصَبِرَ». فإذا كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو أكمل الخلق، وأطهر الناس وهو المعصوم، ومع هذا لا يحب أن يبلغه أحد عن أحد شيئا حتي لا يتأثر بكلام الناس بعضهم عن بعض، فما بالنا بنا نحن سائر البشر ونحن غير معصومين، لاشك أن نقل الكلام يوغر الصدور ويشيع الضغائن، ويمزق أواصر الود بين الناس.


وهذا التوجيه النبوي إلي جانب هذا يرشد بعض الناس الذين يتلمسون نقائص الناس، ويتصيدون أخبارهم وزلاّتهم، وبعض المسئولين يتجسسون علي إخوانهم ويحاولون إلْصاق بعض التهم بهم، يرشدهم هذا التوجيه النبوي إلي البعد عن مثل هذا السلوك بل إن بلغهم البعض شيئا عن الآخرين لا يكون الواحد منهم رجلا أُذُناه يسمع كل ما يقال، ويصدق كل ما يسمع، ويتحامل علي الآخرين ظلما وعدوانا.. بل حتي لو حدث ما قيل فعليه أن يقتدي برسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي قال لمن نَقَل إليه: «دَعْني عنك، فقد أوذي موسي بأكثر من هذا فصبر».


> ومن مكارم أخلاقه (صلى الله عليه وسلم): تواضعه، فقد كان عليه الصلاة والسلام جمّ التواضع، عن جرير بن عبدالله (صلى الله عليه وسلم) قال: أُتَي النبي (صلى الله عليه وسلم) برجل تُرْعِدُ فرائصه، قال: فقال له: «هَوّنْ عليك، فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديدَ في هذه البطحاء» ثم تلا جرير ابن عبدالله البَجَلي:


{وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد}.


وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة» فقالت عائشة (رضي الله عنها): لِمَ يا رسولَ الله؟!


قال: «إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا، يا عائشة، لا تردِّي المسكين ولو بشق تمرة، يا عائشة، أحبي المساكين وقرّبيهم فإن الله يقربك يوم القيامة».


> هذا وإن شمائل رسول الله (صلوات الله وسلامه عليه)، ومكارم أخلاقه لا تحصي ومحامده لا تستقصي، ولا أحد يستطيع أن يجمع شمائله ومحامده، ولا أن يثني عليه بما هو أهله، بعد أن أثني عليه رب العزة سبحانه وتعالي في قوله جل شأنه:


{وإنك لعلي خلق عظيم}.


ورحم الله القائل:


يا مصطفي من قبل نشأة آدم


والكون لم يفـتح له إغــــــلاق


أيروم مخــلوق ثناءك بعدما


أثني علي أخلاقك الخـلاَّق؟


وخير ما وصفت به أخلاقه وصفا جامعا: ما جاء عن سعد بن هشام ابن عامر أنه أتي السيدة عائشة (رضي الله عنها) يسألها، فقال: يا أم المؤمنين أنبئيني عن خُلُق رسول (صلى الله عليه وسلم)؟ قالت: ألستَ تقرأُ القرآن؟ قلتُ: بلي، قالت: «فإن خلق نبي الله (صلى الله عليه وسلم) كان القرآن».