مصر وإسرائيل وأمريكا

23/09/2014 - 11:08:59

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتب - د. جمال شقرة

أجمع شهود العيان والمراقبون العسكريون الذين كتبوا عن أوضاع الجيوش العربية والعلاقة بين القادة العرب الذين أداروا الحرب على أرض فلسطين ، عن افتقاد الثقة بين القيادات العربية ، لدرجة أنهم كانوا يأتمنون بعضهم على الخطط ، وأن اللجنة العسكرية التابعة لجامعة الدول العربية كانت موجودة فقط على الورق ولم تكن لها أية سلطة تمارسها على قادة الجيوش العربية ، كما أجمعوا على أن قادة الجيش المصرى لم يحيطوا الملك عبد الله ، وهو القائد العام للجيوش العربية علما بخططهم وكيفية تنفيذها ، نفس الشيء فعله قادة الجيش السورى ، كما أن القادة العرب لم يحيطوا الجنرال " جلوب " قائد الجيش الأردنى بنواياهم . ولقد أشار " جلوب " فى مذكراته إنه لم يحط علما بالقرارت المهمة التى اتخذتها الجامعة العربية بخصوص الحرب فى فلسطين ، يضاف إلى ذلك أن ملوك مصر والعراق وفلسطين ، وكذلك كانت القيادة السورية يشكون فى أهداف الملك عبد الله ، وكان معظمهم يعرف أنه يخطط لتوسيع مملكته على حساب أراضى الشعب الفلسطينى وأنه اتفق ونسق مع اليهود قبل الحرب.


وحسب مانشرته المصادر العبرية والعربية وماجاء فى ذكريات ومذكرات شهود العيان ، فإن الاتفاق الذى تم بين الملك عبد الله واليهود كان يضمن مصلحة عبد الله ومصلحة اليهود فى آن واحد ، لأن الاتفاق سيعفى اليهود من الاعتراف بوجود شعب فى فلسطين له حقوق تاريخية على الأرض ، وتتأكد بذلك نظرية هرتزل فى أن " فلسطين هى أرض بلا شعب ، تنشأ فوقها دولة لشعب بلا أرض "، وأما الملك عبد الله فسوف يقوم بتحويل شرق الأردن إلى مملكة عمقها على ضفتى نهر الأردن شرقا وغربا .


الملك عبد العزيز يرفض خطط الأمير


كان الملك عبد العزيز يرفض خطط الملك عبد الله ويقاوم أن " يوسع أمير شرق الأردن ملكه على حساب قضية فلسطين " ونفس الموقف اتخذه فاروق ملك مصر "، ولم يكن موقف العراق ــ رغم انتماء العرشين للهاشميين ــ بعيدا عن موقف مصر والسعودية .


مهزلة بكل المقاييس


كان اتفاق ملك الأردن مع قادة اليهود السبب الرئيس لهزيمة العرب فى حرب 1948 فكيف تنتصر الجيوش العربية وقائدها العام خائن تفاوض واتفق ونسق مع العدو .


وحسب ماجاء فى الوثائق العبرية وكذا وفقا لما سجله قادة الجيوش فى مذكراتهم عن حرب 1948 ووفقا لما جاء فى وثائق الأرشيف البريطانى F.O فإن الدائرة السياسية للوكالة اليهودية وعلى مدى السنوات التى سبقت حرب 1948 وإبانها وبعدها ، أجرت اتصالات سرية بأمير الأردن ، وتوصل الطرفان إلى اتفاق ، وقبل نحو أسبوعين من صدور قرار الأمم المتحدة الخاص بتقسيم فلسطين التقى الأمير عبد الله مع ممثلة الدائرة السياسية للوكالة اليهودية " جولدا مائير" فى منزل بنحاس روتنبرج فى نهر " إيم " وحضر اللقاء " إلياهو ساسون" و " عزرا دانين " وأخبرهم الأمير عزمه على ضم الجزء المخصص للعرب فى مشروع التقسيم ، وأن يقيم بعد ذلك علاقات سلام مع الدولة اليهودية الجديدة .


الخزى والعار


والمخزى حقيقة أن أمير الأردن والقائد العام للقوات العربية ، الأمير عبد الله ، أظهر فى هذه اللقاءات استخفافا بقوة باقى الدول العربية ، وقال : " إنه لا قيمة لتهديداتهم "، وفى هذه اللقاءات أبدى ثقته فى الفيلق العربى ، وفى الدعم السياسى من جانب البريطانيين .


وإبان الحرب أوفد الأمير عبد الله شخصيا ليقابل رجال الدائرة السياسية ناقلا إليهم سؤاله عما إذا كانت الوكالة اليهودية مستعدة للتنازلات فيما يتعلق بالمنطقة التى خصصت للدولة اليهودية كى يستطيع الظهور أمام العالم العربى بأنه قام بتحقيق إنجاز سياسى لمصلحة العرب ، إلا أن جواب الدائرة السياسية جاء صادما وواضحا فى نفس الوقت ، فاليهود يعتبرون حدود التقسيم بمثابة التنازل الأقصى من جانبهم من أجل السلام، وهم مستعدون لاعتبارها حدوداً سياسية ، ولكن إذا نشبت حرب فسوف يأخذ كل طرف مايستطيع الحصول عليه !!.


وتشير الوثائق العبرية إلى أنه قبل أربعة أيام من انتهاء موعد الانتداب استدعى الملك عبدالله ممثل الوكالة اليهودية إلى اجتماع سرى فى عمان ، وسافرت لحضور الاجتماع " جولدا مائير " متخفية فى زى سيدة عربية ، ورافقها رجل جهاز المخابرات " عزرا دانين " ووجدوا الملك عبد الله مكتئبا وعصبيا ، وأدعى أن الظروف تغيرت فى الأشهر الخمسة التى مضت منذ لقائهم الأخير ، وأنه لايستطيع الالتزام بمشروعه السابق وقال : " الآن أنا واحد من خمسة لا خيار أمامى ولا أستطيع التصرف على نحو مختلف وكان اقتراحه الجديد ، أن يتحد البلد بكامله فى مملكته وينشأ برلمان 50% من المقاعد فيه لليهود، وكان رد فعل " جولدا مائير " واضحا وصريحا حيث قالت له " حتى مجرد النقاش فى مقترح كهذا ليس وارداُ فى الحسبان، وإذا كان الملك قد تراجع عن مشروعه السابق فسوف نلتقى بعد الحرب " .


رواية اللواء عبد الله التل القائد الأردنى


وحسب رواية عبدالله التل القائد الأردنى لمنطقة القدس فإن جولدا مائير حملت إلى الملك عبد الله آخر مقترحات الوكالة اليهودية وكانت على النحو التالى :


أولا : أن يُعلن الملك عبد الله الصلح مع اليهود ولا يبعث بجيشه إلىفلسطين بالمرة .


ثانيا: أن يُرسل الملك واليا ليحكم القسم العربى من فلسطين بحسب قرار التقسيم .


ثالثا: فى مقابل ذلك تقبل الوكالة اليهودية ضم القسم العربى من فلسطين تحت التاج الأردنى.


ولقد رفض الأمير عبد الله تنفيذ الشرط الأول لأنه يظهره بمظهر الخارج عن الإجماع العربى، وتعهد فى مقابل ذلك ، ألا يحدث صدام بين الجيش الأردنى والجيش اليهودى وأن يقف الجيشان فى الحدود التى رسمها قرار التقسيم!!


وحسب رواية عبد الله التل أيضا فإن " جولدا مائير" وافقت على ماطرحه الملك وأخذت عليه العهد بذلك .


جلوب يصف تقديرات الأمير الأردنى بالسذاجة


والمثير للدهشة أن الجنرال " جلوب" باشا كان متأكدًا من خطأ تقديرات الحكومة الأردنية بل أنه وصفها بأنها ساذجة فى تفكيرها عندما قبلت بالقيمة الظاهرية لموافقة اليهود على مشروع التقسيم وطبقا لذلك لم تكن حكومة شرق الأردن تتوقع أية تعقيدات بعد إعلان قيام الدولة اليهودية وهو مالم يحدث بالطبع !!


الملوك والقادة العرب يكشفون خيانة أمير الأردن


كان ملك الأردن قد قرر أن وضعه كقائد عام للجيوش العربية سيضمن له السيطرة على حركتها ، وأنه سيستغل وضعه هذا فى التأثير على القادة اليهود ، بعد ماشعر أنها لن تترك له كل المناطق المخصصة للعرب بمقتضى قرار التقسيم .


وإبان المعركة أدرك القادة والحكام العرب أن عبد الله يتحرك بتنسيق كامل مع اليهود وأنه يعانى من تجاوزات تقوم بها العصابات الصهيونية ، لذلك كان يصدر أوامره لمواجهة تحركاتهم خاصة فى القدس ، كما كان يعانى من شكوك حلفاءه العرب ، تلك الشكوك التى تحولت إلى يقين بعد الرسائل التى أرسلها الملك عبد الله إلى فاروق ملك مصر . وهى الرسائل التى جاءت تتويجا للخلافات التى وقعت بينهما ، وكذلك الرسائل التى أرسلها للمفتى " أمين الحسينى " ولعبد الرحمن عزام ولأحمد حلمى حاكم القدس الذى أختير رئيسا لحكومة عموم فلسطين التى فشل العرب فى إعلانها يوم إعلان قيام الدولة اليهودية .


وهذا ماسنعرض له فى الحلقة القادمة كيف أفشلوا إعلان حكومة عموم فلسطين ؟ وكيف ضاعت فلسطين نتيجة للصراع بين العروش العربية .