داعش مرة أخرى هل تدفع دول الخليج ثمن تقسيم سوريا هذه المرة ؟

23/09/2014 - 11:06:18

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتب - السفير عزمى خليفة

نعم داعش مرة أخرى ، ولا أعتقد أنها المرة الأخيرة التى سأتحدث فيها عن ذلك العفريت الذى قامت واشنطن بتحضيره فى الشرق الأوسط ، وسيصعب عليها صرفه فيما بعد كما حدث مع القاعدة التى هاجمت واشنطن فى عقر دارها فى مثل هذه الأيام منذ ثلاثة عشر عاما وصحيح أن واشنطن نجحت فى اغتيال بن لادن، ولكن للأسف فالعالم أضحى يواجه اليوم الجيل الثالث من تنظيمات القاعدة فى كل مكان، فقد اصطادت واشنطن رأس التنظيم متأخرا، ونجح هذا التنظيم فى التكيف مع الأوضاع، ليتحول إلى تنظيم لامركزى فى الجيل الثانى وإلى تنظيم ملهم فى الجيل الثالث، فرأينا تنظيم القاعدة فى المشرق العربى وتنظيم القاعدة فى الخليج وتنظيم القاعدة فى المغرب العربى فى الجيل الثانى ، رأينا بعد ذلك العديد من التنظيمات الإرهابية فى مختلف أنحاء العالم بمسميات مختلفة، حتى إن التنظيمات التى ظهرت على جانبى خط التماس العربى الإفريقى نجحت فى التنسيق فيما بينها والتشاور فيما يتعلق بالعلاقة مع القاعدة وبخاصة فيما يتعلق بالولاء التنظيمى .


فقد نجحت واشنطن فى صناعة داعش ، ونجحت حليفتها تركيا العضو النشط فى حلف شمال الأطلنطى فى تدريب وتمويل هذا التنظيم حتى سيطر على الجزء السنى الأوسط فى العراق ، وفتح الحدود السورية العراقية ، واتجه فى العراق شمالا إلى كركوك مهددا المصالح الأمريكية فلحظتها فطنت أمريكا إلى حقيقة الدرس : أن خلط الدين الذى يعد أمرا مطلقا وخاصة فى تنظيم علاقة العبد بربه بالسياسة التي تعد أمرا نسبيا ينظم العلاقة بين البشر وبعضهم يعد كارثة ، فأى تنظيم دينى يحتاج إلى حليف قوى يمده بالمال والسلاح طالما أنه دخل الحياة السياسية، فإذا حصل عليها تولدت له أهداف ذاتية مستقلة عن الحليف، بل وقد تكون متعارضة مع مصالح هذا الحليف ، وسيصعب على الحليف كبح جماح التنظيم لأن ذراعه قويت، وارتبط مصالحه الخاصة برابطة الجهاد، حدث هذا مع القاعدة ويحدث اليوم مع داعش، فقررت واشنطن الوقوف ضده ليس فى العراق وإنما فى سوريا ، ولماذا سوريا ؟


المؤكد أن تهديد داعش للمصالح الأمريكية كان فى العراق ولكن واشنطن واجهت واقعا جديدا فى الشرق الأوسط متمثلا فى سقوط نظام الحكم الإخوانى فى مصر بفضل تماسك الشعب المصرى ضدهم وبفضل انحياز القوات المسلحة إلى الشعب فى 30 يونيو وهو مايعنىى فشل الرهان الأمريكى على الإخوان فى الشرق الأوسط كله باعتباره تنظيماً دينىاً معتدلا وخاصة بعد انحياز السعودية بعد نصف ساعة من انهيار الإخوان إلى مصر ومعها الإمارات العربية ثم البحرين والكويت .


كذلك شمل الواقع الجديد فشل الإرهاب فى إسقاط نظام الأسد ونجاح الأخير فى فرض نفسه على الساحة بتنظيم انتخابات رئاسية فاز فيها وبصمود سوريا الاقتصادى أمام العقوبات .


كما شمل هذا الواقع نجاح مصر فى تنفيذ خطوتين مهتمين من خطوات خارطة الطريق التى أعلنها الجيش فور إزاحة الإخوان وهما التصويت على الدستور الجديد وانتخابات الرئاسة التى ثبتت السيد عبدالفتاح السيسى رئيسا للجمهورية.


وأمام هذا الواقع الجديد كان لزاما على واشنطن التحرك سريعا لاحتواء هذا الواقع دون التنازل عن أهدافها السياسية فى المنطقة ، فسياسات الدول الكبرى لاتتغير أمام أى عقبات تواجهها ولكنها تلجأ إلى اتباع تكتيك مختلف لتحقيق مصالحها وأهدافها المستمرة ، فما بالنا بالدول العظمى مثل الولايات المتحدة ، وخاصة بعد اتجاه مصر سياسيا شرقا صوت موسكو .


من هنا جاءت للولايات المتحدة الأمريكية الفكرة بضرب داعش فى سوريا وليس فى العراق ، فالعراق تم تقسيمها بالفعل من خلال دستور الحاكم العسكرى بريمر أولا ومن خلال داعش ثانيا ، وضرب داعش فى سوريا سيؤدى إلى تقسيم ذلك البلد الحبيب ، الذى يعد إحدى دعامتين للأمن القومى العربى فى المشرق إلى جانب العراق، خاصة مع استمرار الأسد فى التمسك بالحكم حتى آخر نفس فى صدره وآخر جندى فى المعركة، وهو مايحقق الهدف الأمريكى بتقسيم سوريا إلى كانتونات صغيرة ، ولا مانع أن يحكم الأسد إحدى هذه الكانتونات ولتكن دويلة علوية، فأمريكا لاتعارض استمرار الأسد رئيسا على جزء من سوريا وليس كل سوريا ولتكن حربا ضد الإرهاب فى سوريا ولتكن طويلة المدى فى حدود ثلاث سنوات بما يسمح بتركيع الأسد خلالها ليكتفى برئاسة الدولة العلوية ، ولتكن هناك دويلة أخرى مسيحية ولا مانع من استيعابها لمن تبقى من مسيحيى العراق ، وأخيرا دويلة سنية ، خاصة أن مثل هذا التقسيم موجود بالفعل فى لبنان الجارة المباشرة بسوريا وذات العلاقات التاريخية الخاصة بها .


إذن ضرب داعش فى سوريا يحقق أهداف السياسة الأمريكية لإقامة الشرق الأوسط الكبير عن طريق نزع عروبة الدول العربية وهذا لن يتأتى إلا من خلال إذابة هذه الدول فى كيان أكبر أكثر تعددا من الناحية الإثنية والعرقية والمذهبية وذلك بضم إسرائيل وإيران وتركيا إلى هذه الدول العربية حتى لاتبدو السياسة الأمريكية وكأنها موجهة للعرب فقط وعن طريق تفتيت الدول العربية الكبيرة مثل السعودية ومصر وسوريا وليبيا إلى دويلات على أسس دينية ومذهبية، وإذا كانت مصر عصية على التفتيت الآن فليتم إشعال الحرائق حولها فى ليبيا وفلسطين وحول من ساندها - السعودية والإمارات والكويت والبحرين - من خلال داعش فى سوريا والعراق على الحدود السعودية والكويت ومن خلال مساندة المعارضة فى البحرين ودعم مطالبها خاصة بعد وصول قوات مصرية إلى البحرين والإمارات والسعودية لإجراء مناورات عسكرية ألقت بظلالها على مياه الخليج العربى .


وإذا كانت واشنطن ستستند إلى تحالف سياسة واسع داعم لحربها الجديدة ضد الإرهاب الذى هو صناعة أمريكية فى الأصل وأداة عسكرية متمثلة فى حلف شمال الأطلنطى فما موقف الدول العربية وفى المقدمة مصر ودول الخليج العربية إجمالا ؟


من المؤكد أن مصر لن ترسل قوات عسكرية مصرية إلى هذه الحرب فى هذا التوقيت تحديدا ، إذ يكفيها أن تحارب الإرهاب على الأراضى المصرية وأن توفر الأمن لمواطنيها فى الداخل ، ولكن ما موقف دول الخليج العربية وفى المقدمة السعودية ، والإمارات والكويت والبحرين ؟ هل ستدعم الحرب وتدفع فاتورتها كما فعلت فى حرب تحرير الكويت ؟ وإذا كانت مشاركتها فى تلك الحرب مطلوبة شعبيا لإعادة الكويت إلى خارطة العالم بعد أن أزالتها منها أحلام صدام حسين فماذا عن الحرب ضد داعش ؟ فالواضح أن هناك معلومات أمريكية نتيجة تسريبات ويكيلكس بأنه فى عام 2020 لن تكون الكويت موجودة، وقد أشار مؤخرا رئيس شرطة دبى ضاحى خلفان إليها ، خاصة أن خريطة داعش للدولة الإسلامية التى سبق نشرها فى مقال سابق تشير إلى مكان الكويت فيها سيكون فى الإمارة الجنوبية للعراق ، فهل ستدعم دول الخليج هذه السياسة ؟


وإذا دعمتها وسارت الأمور على النحو المرجو لها أمريكيا فهل ستقبل أن تساهم فى تفتيت سوريا أيضا ؟ وإذا سارت على هذا النهج ماذا ستفعل مستقبلا عندما يمس التقسيم أراضيها أيضا ؟ وهل ستقبل ذلك وتدفع قيمة فاتورة الحرب التى ستؤدى إلى تفتيت أراضيها ؟ أسئلة سيجيب عنها الواقع خلال السنوات الثلاث القادمة التى حددتها واشنطن للحرب ضد داعش وستجيب عنها شعوب دول الخليج العربية ، خاصة فى ظل تعاقب تصريحات أمريكية عديدة بأن حدود سايكس بيكو التى تحكم المنطقة حاليا لن يمكن الدفاع عنها مستقبلا، فى إشارة لاتقبل اللبس أو سوء الفهم بأن منطقة الخليج مقبلة على تغييرات حادة سياسية تمس وجودها القومى وليس أمنها القومى الذى أضحى مخترقا بالفعل . اللهم إنى قد بلغت اللهم فاشهد