الطبيب والمريض في عنبر واحد

01/08/2016 - 11:06:45

عاطف بشاى عاطف بشاى

بقلم : عاطف بشاى

لـ "أنطون تيشخوف" الروائي والقاص الروسي الشهير رواية قصيرة بديعة هي (عنبر رقم 6) بطلها طبيب نفسي عجوز يعمل بمستشفى أمراض عقلية بشع ، بالغ القذارة ، مكتظ بأكوام النفايات التي تنبعث منها رائحة خانقة ، والعنبر أقرب إلى حظيرة حيوانات به خمسة مرضى منهم "إيفان" المريض بعصاب الوسواس القهري، دخل المستشفى بعد تفاقم حالته التي يتوهم فيها اعتقاله دونما سبب واضح، فهو لم يرتكب جرماً ، ولكن أليس "في الحبس مظاليم" وبناء عليه فمن المؤكد أنه سوف يتم القبض عليه عن طريق الخطأ ويودع في السجن ، أنه يشعر أن طغيان العالم كله قد تجمع وراءه يطارده. في العنبر تدور حوارات فلسفية طويلة بينه وبين الطبيب المعالج "أندريه" الذي يحاول بكل جهده أن يخفف عنه آلامه النفسية التي هي انعكاس لوضعه الاجتماعي البائس وفقره ويتمه وتعطله عن العمل الذي أدى به إلى الانهيار فأودع المستشفى ، يلجأ الطبيب إلى الإيحاء له أن الألم ليس سوى "تصور حي عن الألم" وعلى الإنسان أن يبذل كل إرادته كي يغير هذا التصور ويكف عن الشكوى، عندئذ سوف يختفي الألم، فالإنسان السوى يتميز بأنه يحتقر المعاناة، ويخاصم الدهشة ، ويبدو راضياً بواقعه ، متكيفاً مع منغصات هذا الواقع ، فالتكيف هو علامة الصحة النفسية ، وما أتفه تلك الأشياء الخارجية التي تقلقنا ، لكن المريض "إيفان" يسخر منه ويؤكد له أن الله خلق الإنسان من لحم ودم وأعصاب ، ومعنى الحياة يتركز في الإستجابة لكل المؤثرات ، إن احتقار الآلام يعني احتقار الحياة نفسها لأن جوهر الإنسان كله يقوم على أحاسيس الجوع والبرد والإهانات والخسائر والخوف من الموت ، الحياة كلها مركزة في تلك الأحاسيس ، ويمكن للإنسان أن يشقى بالحياة ويمقتها لكنه لا يحتقرها .
إن "المسيح" نفسه رغم تساميه الروحي وتأكيده أن مملكته ليست من هذا العالم "كان يستجيب للواقع وأحداثه المعاشة، فيبكي ويتألم ويحزن ويضحك ويغضب ، ولم يمض للقاء الآلام وهو يصلب بابتسامة ولم يحتقر الموت ، بل صلى ليخفف عنه الرب الآلام .
ويواجهه بحب مردداً : إنك تحتقر الآلام ، لكن لو أن أصبعك انحشرت في الباب لصرخت بأعلى صوتك.
المفارقة في الرواية أن المؤامرات تحاك ضد الطبيب العجوز من قبل طبيب شاب وبعض العاملين في المستشفى .. حتى ينجحوا في إلصاق تهمة الجنون به ويودعونه نفس العنبر في المستشفى ، فيعاني من بشاعة الحياة اليومية داخل العنبر ، أي نفس معاناة المريض "إيفان" التي كان يسخر منها ويهون من شأنها، ويصارحه معترضاً في نهاية الرواية:
"نحن ضعفاء يا عزيزي، كنت لا مبالياً ، أناقش ببرود ومنطق ، لكن ما إن مستني الحياة بخشونة حتى انهرت، خارت قواي، أنت ذكي ، نبيل ، رضعت مع لبن الأم الانفعالات النبيلة ، لكن ما إن دخلت معترك الحياة حتى تعبت ومرضت"
رغم قتامة القصة وكآبة أحداثها وجوها العام فإن "تيشخوف" ينتصر للحياة من خلال معايشة الألم لا التعالي عليه.