فض مظاهرة على كوبرى

01/08/2016 - 10:59:23

عمرو على بركات عمرو على بركات

بقلم : عمرو على بركات

لم تكُن المظاهرة أعلى كوبرى "قصر النيل"، ولا أعلى كوبرى "6 أكتوبر" فى القاهرة، ولا فى "ميدان التحرير"، ولم يكُن مشتركًا فيها أى طائفة تنتمى لأى كُتلة سياسية، أو فئوية، ولم تكن حتى مظاهرةً لشباب "أولتراس"، وإنما كانت مظاهرة على كوبرى بين شاطئّ ترعة فى قرية صغيرة تتبع مركزًا، بها نقطة شرطة، قوّتُها نقيب كان رئيسًا لها، ومعه عدد ثلاثة صولات تَجاوز سِنهم الستين، وتم إعادة تعيينهم على بند المكافآت، وسيارة بيك آب معطلة، وعسكرى واحد يجمَع بين وظيفتَيّ السائق والمراسلة، وعدد خمسة خفراء بالبنادق "اللى أنفيلد"، والتى لا يوجد لها ذخيرة فى المخازن، فقد كان المتظاهرون هُم أفراد عائلتين متنافستين على انتخابات الإعادة بسبب خُلو مقعد دائرتهما مِن ممثلهم فى البرلمان بسبب وفاته المفاجئة، فصدرت التعليمات بإعادة الانتخابات، فكانت المنافسة بين عائلة العضو السابق رحِمَه الله عليه، وبين عائلة العضو الذى رسب أمام العضو الراحل، فهُم أحق بها إعمالاً للإرادة الإلهية التى أخذت منافِسَهم، بينما يرى أعضاء عائلة النائب المتوفى أنها تَنتقل إلى ابنِه بحق قانون التوريث، فأخطر السيد رئيس النقطة بتجمع أكثر من ألْفَىّ متظاهِر فى الشارع الوحيد بالقرية بميدان"النقطة "، بينما توجد اللجنة الانتخابية الوحيدة بمدرسة القرية الإبتدائية، والتى يقف أمامَها الناخبون، ويفصل بينهم وبين المتظاهرين فى "ميدان النقطة" كوبرى على الترعة، فأخطر رئيس النقطة غرفة عمليات النجدة بالمديرية فى إشارة تليفونية بالوضع تحسبًا لتفاقُمِ الموقف، وعبور المتظاهرين للكوبرى، واعتدائهم على الناخبين، وبينهم المُندسون بغرض إفساد الحياة الديمقراطية، وتعكير صفو الشفافية السياسية، وَعَلى الفور تم توجيه فصيلة قوّتها 30 عسكرىا، وبرئاسة ضابط، ووقع الاختيار علىَّ كرتبة مناسبة لرئاسة الخدمات، وأحد السادة اللواءات للإشراف على الخدمات، وصلتُ مع جميع القوات إلى النقطة، فانضممنا لقوة تأمين اللجنة الانتخابية المكونة من نائب المأمور، ورئيس النقطة، ومعاون مباحث المركز، وكان الجو حارًا، فجلسنا جميعًا خارج النقطة فى المسافة الفاصلة بين المتظاهرين المجتمعين فى شارع القرية الرئيسى، وقبل الكوبرى المؤدى إلى اللجنة الانتخابية، وأَمَر السيد اللواء قائدَ سيارة التشكيل بالانتظار بسيارته اللورى ماركة "نصر" ذات الصندوق المعدنى الذى يجلس بداخله عساكر التشكيل، يحمل كل منهم العصا، والدرع، ويلبس الخوذة على رأسه، فإذا كانت درجة الحرارة خارج الصندوق 40 درجة مئوية، بلغت الـ50 درجة مئوية داخله، والتفَفنا جميعًا حول السيد اللواء حسب الأصول والأعراف المتبعة فى الخدمات، وقد كانت المرة الأولى التى التقِى فيها مع سيادته فى خدمة، وكان مشهورًا "بالنمكى"، وتولى عسكرى السيد رئيس النقطة إعدادَ الشاى والقهوة لنا، وبدأ حوار السيد اللواء موجهًا حديثه للسيد رئيس النقطة قائلاً: مش شايف دكر بط، ولا فرخة ماشية فى البلد!! واضح إنك مخلَّص عليهم أول بأول"، فانفجرت الضحكات عاليةً من الجميع، وعلَّقَ السيد نائب المأمور ليدارى ضعف إشرافه على النقطة قائلاً: " واضح إن سيادتك يا معالى الباشا قوي الملاحظة"، فردّ عليه السيد اللواء قائلاً: " ودي عايزة قوة ملاحظة؟ رئيس النقطة اللى يبعت يجيبنا علشان خمسين «نفر» فى قرية، ويقول إنهم ألفان، أكيد رئيس نقطة مقضّيها بط، وفراخ"، ومحاولة مني لتخفيف الموقف على رئيس النقطة قلت: " بس هو يا فندم عمل اللى عليه، ولو كانت حصلت مشكلة، مكانش هيعرف يتصرف .. ألفا متظاهر فى قرية عدد سكانها كلهم ما يطلعوش ألفين أول عن آخر؟!"، ثم مدد قدميه بوضعهما على كرسى أمامه فى وجه المتظاهرين، وقال: "أنا ما نمتش من إمبارح لإنى كان عندى مرور إشرافى ليلي على خدمات المديرية بالكامل، واللهِ ما خلعت الجزمة من امبارح الصبح"، وقام بخلع حذائه، وأعاد قدميه إلى وضعهما السابق، وأخذ يتأمل جوربَه، ويتحسس رائحة قدميه بأنفه والتى وصلت لجميع أنوفنا، ولما بدأ كل منا يزحزح كرسيه إلى الخلف، أدرك أننا قد وصلتنا رائحة قدميه العفِنة، وعندئذ مع زيادة اتساع الدائرة مِن حوله كل فترة، قرر إيقاف توسيع الدائرة، وخلع جوربَه، وسأل رئيس النقطة عن العسكرى المراسلة، فأحضره مسرعًا، وحدَفَه بالجورب فى وجهه، ليلتقطه العسكرى، وأمره بغسله بصابونة بريحة، وهنا تدخل رئيس النقطة مضيفًا أمرًا خاصًا للعسكرى قائلاً" :إغسله بصابونتى على الحوض فى الاستراحة"، فهمس معاون المباحث فى أُذُن رئيس النقطة " :بصابونتك.. الله يقرفك"، ردّ رئيس النقطة عليه هامسًا بدوره: "هرميها فى الترعة"، وبدأت أعداد المتظاهرين تزداد أمامنا، وتجاوز عددهم الفِعلي الخمسمائة، كتقدير السيد اللواء ، قال معاون المباحث: " الناس دي فيهم مِن العائلتين، وأتباعهم، وهيبدأوا فى الخناق" قال السيد اللواء بقرف: " الشراب نشف؟" فرد رئيس النقطة: " منشور على الحبل فوق سطح النقطة يا فندم". قال السيد اللواء وهو يفرك فى أصابع قدميه، ويشم يدَه: "الدنيا حَر ..المفروض ينشف بسرعة.. علشان عاوز أروح أهدّي الناس دي"، ونظر السيد اللواء لسيارة التشكيل وقال : "الوقت اللورى واقف ناحية اللجنة غرب الترعة، وهو جاي علشان المتظاهرين اللى فى شرق الترعة، مش علشان الناخبين، يعنى لو السيد اللواء مفتش الداخلية مَر علينا الوقت هياخدها ملحوظة"، وأمر ضابط التشكيل قائلاً: "حرِّك اللورى شرق الترعة على أول الكوبرى" . وبالفعل قام قائد التشكيل وأمر السائق بأن يتحرك من غرب الترعة إلى شرق الترعة حسب تعليمات السيد اللواء مشرف عام الخدمة، فكانت مقدمة اللورى فى وجه المتظاهرين بينما صندوقه الخلفى فى مواجهة الكوبرى المؤدى للجنة الانتخابات، وشكر السيد اللواء قائدَ التشكيل، وعُدنا إلى مجلسنا الدائرى حول سيادته، ونظر إلى قدميه العاريتين النحيلتين فتذكّر جوربَه، وقَبْل أن يسأل رئيس النقطة عليه، أجابه رئيس النقطة قائلاً : "والله الشراب لسّه مبلول يا معالى الباشا، أنا كنت عنده الوقت"، وعاد يتأمل السيارة اللورى، وبعد تفكير عميق للسيد اللواء الحافي، كان يقيّم فيه الموقف الأمنى قال: " ولكن مفتش الداخلية برضه هيطلع ملحوظة، لأننا موقّفين اللورى بالعكس، فالمفروض يكون ظهره اللى هينزل منه العساكر لفض المظاهرة هو اللى فى وِش المتظاهرين"، وأمر قائدَ التشكيل بأن يقوم بتصيح اتجاه اللورى حسب ملاحظة السيد اللواء مفتش الداخلية الذى لم نرَه، بينما كل دقيقة يكون لسيادته ملاحظة على الخدمة، ثم نظر السيد اللواء إلينا جميعًا وقال: " خليكم شاهدين.. اللوري كان واقف غرب الكوبرى الأول، وأنا اللى عدّلت وضعه حسب التعليمات وخلّيته يقف شرق الكوبرى .. ووقّفته حسب التعليمات بعكس اتجاه المتظاهرين، هطلبكم فى التحقيق عند مفتش الداخلية لو حصل حاجه لا قدَّرَ الله.. فين الشراب؟".كانت أعداد المتظاهرين تزداد حتى تجاوزت الألفين، بينما خلت المَدرسة من أى ناخب، والنهار لم ينتصِف بعد، والمشاحنات بدأت تتحول إلى تطاول بالأيادى، وحضر مراسلة رئيس النقطة حاملاً جورب السيد اللواء، والذى ارتداه على عجَل، ووضع قدميه فى حذائه، وظننا أنه سيصطحبنا لتهدئة الجماهير، إلا أننا فوجئنا به يعتدل فى مجلسه قائلاً: " خليهم يولعوا فى بعض.. ما احنا لو نزّلنا عسكرى واحد بالدرع والعصاية، واتصور بموبيل.. هيقولك بتوع حقوق الإنسان الشرطة هى اللى أثارت الجماهير..خلّينا زي ما احنا"، ووجّه كلامه لرئيس النقطة قائلا: " إعمل لنا دور شاي"، وأعاد النظر إلى اللورى، وفجأة قال موجهًا حديثه لقائد التشكيل " :طَب طالما الموضوع فيه إثارة الجماهير.. إحنا نبعد اللورى عن المتظاهرين خالص، ونحُطه غرب الكوبرى زي ما كان الأول.. رجّع اللورى". وقام قائد التشكيل بإعادة اللورى إلى وضعه الأول، وأرسل السيد اللواء نائب المأمور إلى اللجنة الإنتخابية ليستعلم عن الأعداد التى أدلت بصوتها حتى الآن. فعاد ليخبرنا أنهم كإخطار السيد المستشار رئيس اللجنة عددهم 23 مواطناً فقط! والساعة الآن الثالثة، وباق ساعتان فقط على موعد غلق اللجنة، فقال السيد اللواء: " يعنى متظاهرون عددهم فوق الألفين، ومدخلش منهم اللجنة إلا 23 واحدا بس؟!، فعقّب معاون المباحث قائلاً : "نقوم نخليهم يخشوا اللجنة يا فندم؟"، إلا أن السيد اللواء انزعج من الاقتراح قائلا: "هيقولك بتوع الصحافة، والإعلام، إن الشرطة بتدخّل فى العملية الانتخابية لصالح أى مرشّح.. واحنا قاعدين جالنا مغص من كتر الشاى لحد الوقت!"، وأردف قائلاً بارتياح: " إحنا عملنا اللى علينا ووقّفنا اللورى بعيد، وقاعدين بين المتظاهرين واللجنة، وأجدع مفتش داخلية هنعرف نرد عليه فى أى تحقيق . وفجأة سرت شائعة قبل إغلاق اللجنة الانتخابية بفوز ابن المرشح المتوفى، فتحولت المظاهرات لمعركة طاحنة، ودوت أصوات الطلقات الآلية من الأُسرَتين فى الهواء، وما كان مِن السيد اللواء إلا أن وقف ثم هرول ناحية النقطة ونحن مِن خلفه، فهو لم يصدر أى تعليمات، ودخلنا إلى مكتب رئيس النقطة يحيط بنا الخفر، والصولات المُسنين، وأشار علينا أحد الصولات بخبرته العتيقة فى مثل هذه المواقف قائلا:"إلبسوا جلاليب الخفر يا بهوات بسرعة" . وبالفعل خلع الخفر جلابيبهم، ووقفوا بملابسهم الداخلية، ممسكين ببنادقهم الأثرية، وبالفعل لبسنا مع السيد اللواء جلابيب الخفر الخمسة فوق ملابسنا الميرى، وفجأة أخبرنا العسكرى المراسلة أن الأهالى متجهون للنقطة، فقمنا على الفور بفتح شبّاك المكتب المُطل على الزراعات خلف النقطة، وقمنا بالجري فى الغيطان، حتى وصلنا لأول الطريق الزراعى لنجد لورى القوات يسابق السيارات على الطريق عائدًا لقوات الأمن، وقابل السيد اللواء السيد المستشار رئيس اللجنة الانتخابية، فاصطحبنا فى الميكروباص المخصص له، وأخذ السيد اللواء منه صورة من محضر الفرز، ونتيجة الانتخابات قائلاً: "الحمد لله.. كده السيد مفتش الداخلية ملوش حاجة عندنا". !!