رئيسنا في شبابه .. كان يعشق أبطال الإسلام ويهوي الفن والأدب

01/08/2016 - 10:57:24

كان الرئيس في شبابه متحمسا كل الحماس لوطنه وكان يطوي جنبيه علي حب كبير لهذا الوطن وكان يدرس تاريخ أبطال العرب مثل طارق بن زياد وخالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي وكان يؤمن أن يوم العزة للعرب قريب. كان الرئيس في شبابه متحمسا كل الحماس لوطنه وكان يطوي جنبيه علي حب كبير لهذا الوطن وكان يدرس تاريخ أبطال العرب مثل طارق بن زياد وخالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي وكان يؤمن أن يوم العزة للعرب قريب.

حسين عثمان

الرئيس البطل جمال عبدالناصر كان في شبابه طالبا بمدرسة النهضة المصرية الثانوية وكان الرئيس يتميز بالهدوء والرجولة الحقة والغيرة علي مستقبل هذا الوطن وكان شديد الشغف بأبطال الإسلام مثل طارق بن زياد وخالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي وكان يؤمن وهو طالب بالثانوي أن الاحتلال الإنجليزي لبلادنا هو اصل الفساد السياسي والاضطهاد الاجتماعي والظلم وكان شديد الكراهية للاحتلال ويؤمن بأن الوطن في حاجة إلي زعيم مخلص غيور علي مصلحة الوطن.
كان بين زملاء الرئيس جمال في مدرسة النهضة الثانوية الكاتب القصصي إبراهيم حسين العقاد الذي كان من أبرز كتاب القصة القصيرة منذ عشرين عاما وأبرز تلاميذ مدرسة محمود كامل المحامي في القصة العربية واتجه إلي السينما وساهم فيها بمجهوده القصصي واشتغل بالصحافة الفنية فأصدر مجلتين ثم شغلته وظيفته الحكومية فترة حتي أتيحت له الفرصة لكي يكتب عددا من البرامج الإذاعية المسلسلة والتمثيليات الاجتماعية القصيرة ولقد كان إبراهيم العقاد في شبابه من هواة التمثيل وكانت هذه الهواية سببا في خلافات شديدة بينه وبين ناظر مدرسة الإبراهيمية الثانوية حتي أن الناظر طرده من المدرسة في الرابعة الثانوية لأنه لا يريد هواة التمثيل في المدرسة والتحق إبراهيم العقاد بعدها بمدرسة النهضة ولحسن حظه كان ناظر النهضة يدرك أهمية النشاط الفني والأدبي والعلمي في تكوين شخصيات طلبته فرحب بهوايات العقاد وطلب منه تكوين فريق للتمثيل بالمدرسة وبدأ إبراهيم العقاد يطوف بالفصول ليختار الطلبة الذين سيتكون منهم فريق التمثيل.
يقول إبراهيم العقاد:
وفي الفصل الرابع بالقسم الأدبي رأيت طالبا طويل القامة أنيق الملابس هادئا في جلسته يبتسم دائما وتقدمت منه لاسأله إذا كان يرغب الاشتراك في فريق التمثيل فأجابني بصوت هادئ متزن قائلاً: بكل ارتياح.. عندما طلبت منه أن يخبرني باسمه لكي اسجله بين اعضاء الفريق اجابني.. جمال عبدالناصر وتقرر اجتماع الطلبة الذين وقع عليهم الاختيار في أحد مدرجات المدرسة لقراءة الرواية التي اختارها الناظر وكانت «يوليوس قيصر».. وكان محمد حمدي «بك» عميد كلية التجارة في ذلك الوقت هو الذي ترجمها وبعد أن قرأنا الرواية بدأنا نوزع أدوارها لقد كنت مدرب الفريق ومخرج الرواية ولهذا بدأت أدرس الاشخاص الذين اخترتهم ووزعت عليهم جميع الأدوار الثانوية وبقي دور البطولة لم أجد من يصلح لدور قيصر غير جمال عبدالناصر وعندما عرضت عليه الدور ابتسم وقال في هدوء «لقد كان قيصر طاغية وليس في خلقي أو طبعي شيء من الطغيان فكيف أمثل الدور»؟
وقلت له: أنا معك في أن هناك اختلافا كبيرا بين خلقك والشخصية التي يتطلبها الدور فعلي الرغم من حداثة المعرفة التي تربطنا إلا أنني شعرت أنك هادئ الطبع علي خلق متين طيب ولكنني باعتباري مخرجا للرواية أري أنك أصلح من يمثل الدور من أعضاء الفريق فجسمك ونبرات صوتك يلائمان الدور تماما واقتنع جمال عبدالناصر برأيي وقال لي «أنت مخرج الرواية وعليك يتوقف نجاحها».
ويمضي إبراهيم العقاد في رواية ذكرياته فيقول:
وكنا نجتمع ظهر كل يوم في أحد فصول المدرسة لإجراء البروفات وكان جمال عبدالناصر يستأثر باهتمامي لهدوئه ومعاملته الممتازة لزملائه مما يكشف عن رجولة كاملة وخلق كريم وكان دائما يؤثر الصمت يميل إلي الانصات وقدمنا الرواية علي مسرح «برينتانيا» يوم 15 يناير 1935 وأخرجنا الرواية علي طريقة عزيز عيد واشركنا الجمهور معنا ونجحت الحفلة نجاحا كبيرا لدرجة أن ناظر مدرستنا الاستاذ سليمان زكي اقام لنا حفلة خاصة في بيته تكريما لنا بمناسبة نجاحنا وكافأني الناظر بإعفائي من مصروفات الدراسة ودفع لي رسوم امتحان شهادة البكالوريا من جيبه.. بل أنه مضي بعد هذا النجاح يشجعنا ووافق علي تكوين جمعية أدبية بالمدرسة واسند إلي الاشراف علي مجلة المدرسة التي كانت تصدرها كل عام.
وكان جمال عبدالناصر بين أسرة تحرير المجلة واشترك في إلقاء المحاضرات فألقي بعض المحاضرات عن أبطال الإسلام وكتب مقالا في مجلة المدرسة عن الكاتب الحر فولتير وسخريته اللاذعة بالحكم الملكي في عصره وتوطدت صلات الصداقة والزمالة بين أعضاء فريق التمثيل والجمعية الأدبية والعلمية وأسرة تحرير المجلة بالمدرسة وكان جمال عبدالناصر عضو هذه الهيئات المدرسية وأذكر أنه لم يكن يشترك كثيرا في نقاشنا وكان ميالا إلي الاستماع إلا حينما نتعرض للقضايا الوطنية فإذا هو وحده المتحدث المسيطر علي الاذهان كان يقول دائما أن الاحتلال الإنجليزي هو اساس كل فساد سياسي واجتماعي في وطننا الذي يحتاج زعيما يؤمن به ويكره الاحتلال وينظر إليه علي أنه سبب الآلام التي يعانيها شعبنا..
وكان رأي جمال أن السياسيين جميعا صنعاء الانجليز ولا فرق بين سياسي وآخر إلا بما يتظاهر به أمام الشعب بينما هم جميعا متفقون علي خدمة الاحتلا لحرصا علي مراكزهم ومناصبهم الوزارية وكان يري أن الانجليز نجحوا في إخراج تمثيلية الأحزاب فجعلوا الوفد المصري في جانب والأحزاب الأخري في جانب آخر والكل، الوفد والأحزاب الأخري سواسية في تأييد الاحتلال الانجليزي ولقد كان جمال عبدالناصر ميالا إلي قراءة التاريخ، تاريخ الإسلام وتاريخ مصر القديم والحديث وكان حجة في هذه المادة وكنا نراه دائما يجالس أساتذة التاريخ ويناقشهم دراساته هذه.. ومازلت أذكر الكتب التي كان يحملها باعتزاز، تاريخ طارق بن زياد وخالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي وكلهم من أبطال الإسلام ورغم صغر سن جمال عبدالناصر وقتئذ إلا أن آراءه السياسية كانت تتميز بالنضج كان يري أن جميع الزعماء السياسيين في اتحاد وطني ببرنامج يرتبطون به أمام الشعب هو خير وسيلة لمنع كل منهم من التمسح في الاحتلال الانجليزي ضمانا لبقائه في منصبه الوزاري ولهذا كان جمال عبدالناصر الطالب الوحيد في المدرسة الذي أنضم إلي جبهات الطلبة لتحقيق هذا الرأي الذي يؤمن به.
ويتوقف إبراهيم العقاد قليلا ليستعيد ذكرياته ثم يستأنف روايته قائلاً:
ونلت البكالوريا والتحقت بكلية الآداب وكنت ألتقي بزملائي القدامي في مدرسة النهضة بطريق الصدفة ومنهم جمال عبدالناصر الذي كان قد التحق بالكلية الحربية وتخرج فيها ضابطا ومضت سنوات لم نلتق فيها إلي أن قامت ثورة الشعب يويم 23 يوليو ونشرت الصحف ضباط الشعب الذين قاموا بالثورة وكان علي رأسهم جمال عبدالناصر ومازلت أذكر اللحظة التي رأيت فيها صورته بالجريدة كنت في بيتي اقرأ جريدة الصباح وإذا بي أمام صورته وأذكر أنني صرخت «جمال بطل من أبطال الثورة» وجاءت زوجتي تستطلع سبب صياحي فقلت لها إن هذا الشاب كان زميلا لي في المدرسة الثانوية وكان هادئا لا يثور ولا ينفعل إلا عندما يأتي ذكر الاحتلال ومستقبل الوطن لقد كان يخفي وراء هدوئه ثورة عارمة وإيمانا قويا بمستقبل هذا الوطن.
ومضت فترة قبل أن يتصل بي بعض الزملاء القدامي منهم عطية صابر المحامي وحسن النشار ومحمد عسكر وأحمد فريد وغيرهم من زملاء الدراسة واتفقنا علي أن نذهب إلي الرئاسة لتهنئة زميلنا القديم جمال عبدالناصر بتوليه منصب رئاسة الوزارة وهناك في قاعة الانتظار التقينا باستاذنا القديم فكري إبراهيم الذي كان استاذنا في اللغة الانجليزية والترجمة وما كدنا نراه حتي وقفنا احتراما كما كنا نفعل أيام الدراسة ومضي يداعبنا مداعبات مرحة واستدعينا بعد ذلك لنقابل الرئيس.
واستقبلنا الرئيس الحبيب بنفس الروح الطيبة التي يتحلي بها أيام الدراسة ومضينا معا نستعيد ذكريات عديدة لقد شعرت في هذه اللحظة أن الشاب المتحمس لوطنه المؤمن به قد ازداد حماسا وازداد إيمانا بمستقبل هذا الوطن وأنه كفيل بأن يحقق المعجزات.