الموسيقى بين الحلال والحرام

01/08/2016 - 10:39:05

يونس بدر يونس بدر

بقلم: يونس بدر - الأستاذ بكلية التربية الموسيقية - جامعة حلوان

تعالوا معا.. واحدة... واحدة، وبلا تعصب، وبالإقناع، وبطريقة مختلفة فى الشرح والسرد، حيث يقول الله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) (الاعراف/32)
والمعنى هنا أنهم حرموا من تلقاء أنفسهم ما لم يحرمه الله عليهم، وقد كانت هذه عادات اليهود، حيث لم يحرم الله عليهم أشياء فقاموا هم بتحريمها، فحرمها الله عليهم بعد ذلك، عقابا لهم على فعلهم، يقول تعالى (كُلُّ الطَّعامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرَآئِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاْتْلُوهَا إِن كُنْتُمْ صادقين) (آل عمران 93) ..( وتحريم ما أحل الله قد يكون من قبل المسلمين الذين تراهم يتزمتون في بعد من أبعاد الدين إذا لم يضر بمصالحهم، ليخالفوا حقائق الدين، وجوهر أوامره، في كافة الأمور الحياتية، كما كان يفعل الحكام الظلمة الذين يحاسبون الرعية على القشور وهم ينتهكون حرمات الله الاساسية، وقد حذر القرآن من الزيادة في الدين بمثل ما حذر عن التهاون في أحكامه ) ويتساءل القرآن هل التحريم بيد البشر حتى يحرموا زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم "" ان الله جميل يحب الجمال، وتحت هذين المعنيين (الزينة الجمال ) هناك المواضع الكثيرة فى الكتاب والسنة التى تناقش ذلك.
انزل الله الاديان لتنظم حياة البشر على سطح الارض،تلك الارض التى قدر الله فيها أقواتها بعد أن وضعها للانام أى للمخلوقات جميعا، وعندما نستعرض كافة الاديان نجدها كلها تنظم حياة البشر بما لا يضر أو يرمى بنا الى التهلكة، فجميع الاديان حرمت كل ما من شأنه الاضرار بحياة البشر، ولقد تعرض القرآن الكريم لأدق المسائل التى تنظم حياة البشر، فعلى سبيل المثال: استئذان الاولاد عند الدخول على الوالدين موضحا اياها ووقتها بالتفصيل الرائع حيث قال تعالى (لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنْ الظَّهِيرَةِ ) صدق الله العظيم، ولو ترك لى العنان لذكر كافة الامور الدقيقة التى تعرض لها القرآن لما كفانى كتب عديدة. فهل يعقل ان تكون الموسيقى بهذه الخطورة ولا يتعرض لها القرآن؟
ومن الآن احبتى اقرأوا القرآن وتدبروا آياته جيدا، فلم يغادر هذا القرآن صغيرة ولا كبيرة الا أحصاها، ولم يترك موضعاً ينظم حياة الإنسان ويأخذ به الى بر الامان إلا وتعرض له.
ويرى بعض المفسرين الاجلاء فى شرح الآية الوحيدة فى القرآن التى يبررون بها حرمة الموسيقى، ان المقصود (بلغو الحديث) الوارد فى الآية هو الغناء والموسيقى يقول تعالى (ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله )صدق الله العظيم، كما ذهب البعض ايضا الى تفسير هذه الاية على ان (لغو الحديث) هو كل شئ يلهو عن ذكر الله والصلاة وليست الموسيقى فقط ـ بل نجد في نصوص القرآن ما يدل على شرعية اللهو، كما في قوله تعالى:(وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما، قل: ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة ) الجمعة:) 11 فعطف التجارة على اللهو ينبئ بأنهما في المشروعية سواء، وإنما الذي ذمه الله تعالى: هو انشغالهم باللهو والتجارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك حين تأتي القافلة محملة بالبضائع، وما يصحبها من الطبل والغناء واللهو ، فينفضوا إليها ويتركونه في المسجد قائما.
كما نجد في السنة:الكثير من النصوص المؤيدة للموسيقى ومنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للحبشة أن يرقصوا بحرابهم في مسجده، وأذن لعائشة أن تنظر إليهم وهي متعلقة به ، كما سمح للجاريتين أن تغنيا وتضربا بالدف في بيت عائشة ، وكان موجودا، وذلك في يوم عيد. معللا ذلك بقوله : " لتعلم يهود أن في ديننا فسحة ... "كان صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقًا " رواه أحمد ."يسروا ولا تعسروا ، وبشروا ولا تنفروا " متفق عليه .
وذهب البعض الى ان الاحاديث التى وردت وتكلمت عن الموسيقى بعضها ضعيف والبعض الآخر موضوع، كما أن هناك أحاديث تناصر الموسيقى، والمجال هنا واسع وكبير يمكن أن تسرد له كتب كثيرة.
وكما أن المفسرين للقرآن والمتخصصين فى الحديث الشريف يهتمون بأسباب النزول فى القرآن والمناسبة التى قيلت فيها الاحاديث النبوية، فقد كان هذا بابا لتوضيح عدم حرمانية الموسيقى.
إن كلمة حرام وحلال موضوع كبير لا يجرأ ان يتحدث فيه الا كل متمكن من مادته جيدا، وعلى دراية بكل مكوناتها، وخصائصها، وان يقرأ كثيرا عنها ويسأل المتخصصين عن معظم تفاصيلها، ثم يهتدى الى الفتوى الصحيحة بإذن الله، وحيث ان الموسيقى شعور وموهبة يعطيها الله من يشاء من الناس ويمنعها عن البعض، لذلك اطلب من الشيوخ الاجلاء فهم الموسيقى جيدا من كونها لغة وعلم وفن قبل ان يقوموا بالفتوى. لكن ما يحدث هذه الايام من فتوى المتعصبين والمتسرعين قد يضعف ديننا الحنيف كثيرا، كما ان ما يحدث من لبس على الشيوخ الاجلاء فى تحريم وتجريم الموسيقى، هو ما يشاهدونه من العرى والمناظر التى تخدش الحياء والتى لا ذنب للموسيقى فيها.
وقد اهتدى الشيوخ الاجلاء المعتدلون فى فتواهم، وهم كثير على ان (حلالها حلال، وحرامها حرام) أو هى (كالسكين يمكن استخدامها فى الخير والشر) وكل هذه القواعد تنطبق على كل شئ فى هذه الدنيا حتى أدق العلوم يمكن استخدامها من جانب الخير، أو من جانب الشر.
ونستعرض الآن الجوانب الحسنة للموسيقى:
موسيقى الاغانى الدينية ـ الموسيقى العسكرية ـ الموسيقى التربوية التعليمية بأنواعها فى المدارس ـ موسيقى الاطفال ـ موسيقى الافراح والتى تحتوى على كلمات لا تخدش الحياء (فإذا كان هناك رقص فى الافراح فالحرام فى الرقص وليس الموسيقى) ـ موسيقى الاوركسترا
وأخيرا أحبتى لا تتناقشوا كثيرا فى هذا الموضوع حيث كثر الكلام من الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وحدث اللبس الذى يصيب البعض بالتشكك والحيرة، وانا اقسم على اننا نعرف جيدا ما هو الحرام وما هو الحلال
أحبكم جميعا وألقاكم فى مقالات جديدة.