حقيقة وليست شائعة: هرم سقارة يواجه مخاطر الانهيار

23/09/2014 - 10:48:14

هرم سقارة هرم سقارة

تقرير: أمانى عبد الحميد

شائعات كثيرة تحاصر هرم زوسر المدرج أقدم بناء حجرى فى التاريخ والذى يقف بدرجاته الست فوق هضبة سقارة الأثرية منذ عصر الأسرة الثالثة «أى قبل ما يقرب من 5 آلاف سنة»، بعضها يدور حول انهيار الهرم بالكامل أو تساقط عدد من أحجاره والبعض الآخر يتحدث عن تدمير متعمد من قبل الشركة المنفذة لأعمال الترميم، شائعات تستمد قوتها من المخاطر المحدقة بالهرم نتيجة توقف أعمال الترميم والتطوير، والحقيقة أن هرم زوسر المدرج تهدده مخاطر جمة قد تؤدى بالفعل إلى انهيار أجزاء داخلية منه بخاصة سقف بئر الدفن وحوائطه نتيجة مشكلة إدارية وبيرقراطية وإن كان حلها بسيطاً وتحتاج من وزير الآثار سرعة اتخاذ القرار وتنفيذه، ورغم ذلك، كل العاملين فى المشروع سواء من قبل الشركة المنفذة أو من قبل تفتيش الآثار من أثريين ومرممين يعيشون حالة من القلق والخوف ولا يملكون سوى المرور يوميا لتفقد حالة الهرم من الخارج والداخل وينتظرون قرار البدء فى استكمال أعمال الترميم مرة أخرى بعد توقف دام أكثر من عام و نصف العام .


مع بدايات كل نهار يأتى الدكتور حسن فهمى ليزور هضبة سقارة يملى نظره بالعبقرية الهندسية المصرية القديمة على مدار أكثر من أربعين عاما متواصلاً، ارتبطت روحه بالهرم المدرج أقدم بناء حجرى فى التاريخ والذى يحمل اسم أقوى ملوك الأسرة الثالثة بالدولة القديمة "زوسر" لذا نراه يتحدث عنه بإعجاب شديد مؤكدا أن المصريين القدماء امتلكوا المهارة والعبقرية لينقروا فى الصخر خمسة مستويات من الأنفاق تحت سطح الأرض منذ خمسة آلاف عام مشيرا إلى أن بئر الدفن الخاص بالملك الذى يصل عمقه إلى خمسين متراَ لا مثيل له فى العالم الحديث وإن كانت هناك مقابر تحمل نفس التصميم الهندسى فى قلب هضبة سقارة الصخرية.


الدكتور "حسن" اصطحب "المصور" فى رحلة شاقة حول الهرم بالكامل وداخل بئر الدفن حتى بلغنا أقصى عمق لها ووقفنا أمام التابوت الملكى الجرانيتى وسط الحجرة الجنائزية ليحكى لنا عن حقيقة ما يحدث فى هرم زوسر وعن المخاطر التى تهدده، حيث إن د. "حسن" هو استشارى مشروع هرم زوسر المدرج وصاحب الرؤية العلمية لكيفية ترميمه، وهو فى الأصل أستاذ فى كلية الهندسة جامعة القاهرة ومتخصص فى المناجم والأنفاق، وهو يعتقد أن المشكلة بدأت مع توالى تعرض مصر لعدة زلازل على مدار القرن العشرين فى عام 1922 ثم 1986 و 1992 مما أدى إلى عدة انهيارات داخل الهرم وخارجه، موضحا أنه قام بعمل دراسة لترميم الهرم نظرا لوجود عدة مواقع داخله مهددة بالانهيار الكامل، لكن وقتها كانت هناك أجزاء يغطيها الرديم ولم تكن مكشوفة، لذا ردد قائلا :" وضعنا مقايسة مفتوحة الى حين إزالة الرديم ومعرفة ما يخفيه تحته، وهو الأمر الموثق بالكامل قبل البدء فى العمل.."، موضحا أن وضع البنود المطلوبة بناء على خبرته الهندسية بشكل تقديرى، ويحكى د. "حسن" أن واجهات الهرم كانت تعانى من فجوات كبيرة بين أحجار مصاطبه الست بلغ أقصى عمق لها إلى حوالى تسعة أمتار مما أدى إلى خلخلة أحجار الواجهة بشكل يهدد بسقوطها، لدرجة أن تقرير منظمة اليونسكو قد أقر بأن الهرم المدرج كان فى احتياج إلى برنامج صيانة دورى بحيث يتم تثبيت أية حجارة مخلخلة أو حتى استبدال الحجر الذى يتساقط حتى يظل البناء متكاملاً وثابتاً ويقلل المخاطر الذى يتعرض لها اليوم، مؤكدا أن إضافة أحجار على واجهة الهرم لا تعتبر تعدىاً على أثرية الهرم لكنها إضافة علمية باستخدام أحجار مشابهة لأحجار الهرم الأصلية وبناء على معايير أثرية وهندسية تمت الموافقة عليها من قبل لجنة أثرية متخصصة على أعلى مستوى، خاصة أنه فى حالة التعارض بين المعايير الأثرية والمعايير الهندسية يتم اللجوء إلى الحل الإنشائى كحكم فيصل بينهما، لذا تم استخدام جميع الأحجار الأثرية الموجودة بالهرم وحوله أولا ثم اللجوء إلى أحجار مشابهة للأحجار الأصلية مجلوبة من محاجر منطقة حلوان لسد الفجوات فى جسم الهرم التى تكونت مع مرور الزمن، مشيرا إلى أن نسبتها لم تتعد الـ 9 % من أحجار الهرم الأصلية المستخدمة فى ترميم الواجهات والمصاطب، علاوة على ذلك، أكد د."حسن" أنه تم استخدام نفس المؤونة المستخدمة فى تثبيت الأحجار بعضها البعض بل إن فريق العمل قام بدراسة تركيبتها لمدة عام ونصف العام حتى يتمكن من معرفة مكونتها ومن ثم العمل على تحضيرها واستخدامها فى الترميم للمحافظة على أثرية العمل،


وللتدليل على نظريته العلمية اصطحب "المصور" لنصعد فوق المصطبة الأولى للهرم لنشاهد الأحجار بعد ترميمها بشكل كامل، ووقف أمام الواجهة الشمالية حيث تخفى أجزاء كبيرة منها أكبر سقالة خشبية والتى تصل ارتفاعها أكثر من 62 متراً وتم بناؤها على مدار ثلاث سنوات، السقالة تم بناؤها على ثلاث مراحل كل مرحلة ترتفع بجوار مصطبتين من مصاطب الهرم الست، أى أن ارتفاع كل مرحلة منها يصل إلى 20 متراً، وإن كان الأهم أن نقطة ارتكازها تكمن على الأرض المحيطة بالهرم وليس على مصاطب الهرم،


ثم اتخذ طريقة نحو الواجهة الجنوبية من أجل الولوج إلى داخل الهرم والوصول إلى بئر الدفن المنقور فى الصخر بعمق 28 متراً حتى نبلغ الحجرة التى تحوى التابوت الجرانيتى الضخم الخاص بالملك زوسر، وهى حجرة يبلغ ارتفاعها عشرة أمتار ومن تحتها ما يسمى بالمستوى الخامس والذى يبلغ عمقه 12متراً ليصل مجموع أعماق البئر الى 50 متراً تحت سطح الأرض، وتحتل بئر الدفن مساحة 7 أمتار * 7 أمتار فى حين يتسع عند الوصول الى الحجرة الى 10 أمتار * 10 أمتار ليستوعب تابوت الملك زوسرالضخم، ومن أمامه يوضح د. "حسن " أن التابوت يتكون من 32 قطعة من الجرانيت الوردى ووزنه يصل إلى 176 طناً وهو عبارة 5 أمتار * 4 أمتار* 3 أمتار، عليه نقوش وكتابات فرعونية،


ومن داخل موقع العمل أكد المهندس ميشيل فريد مدير مشروع الترميم أن هناك عدة مواقع داخل الهرم المدرج مهددة بخطر الانهيارأهمها سقف بئر الدفن الرئيسى فى تجويف الهرم رغم أن 40% من أعمال الترميم قد تم تنفيذها، علاوة على تصاعد نسبة الانهيارات داخل المستوى الخامس تحت سطح الأرض بشكل يهدد استقرار بناء الهرم، طبيعة الأرض طفلية ومع تزايد نسبة الرطوبة تحدث شقوق وانفصالات فى الجدران وبالتالى انهيارات بشكل يمثل خطراً على السقف الداخلى فى تجويف الهرم أعلى بئر الدفن والذى لم ننفذ فيه سوى 10% من المطلوب لتثبيته ومنعه من التساقط لأن البند المالى نفد قبل الانتهاء من العمل المطلوب، ويوضح أن التقييم الأولى لميزانية المشروع كانت تقديرية، ويقول : " عندما بدأ العمل اكتشفنا أن حجم العمل المطلوب أكبر مما كان متوقعا.."، لذا تم تنفيذ حوالى 200 متر من "الأنكوس"، وهى عبارة عن روابط معدنية يتم وضعها فى جسم الهرم لتدعيم السقف وربط أحجاره ببعضها بعمق من 2 إلى 3 أمتار وهى قادرة على حمل ما يصل إلى 3 أطنان من الأحجار، قامت بتنفيذها شركة إنجليزية متخصصة، والمطلوب حوالى 400 متر،


وأكد أن حوائط بئر الدفن تحتاج إلى تدعيم وترميم فورى لحمايته من انهيار أحجار السقف مشيرا إلى أنها قد تنهار فى أية لحظة مما يهدد جسم الهرم بأكمله، لكن للأسف لم يتم التعاقد عليها منذ البداية وظلت حتى وقتنا هذا بلا أية تدعيمات مما يهدد بخطر الانهيار، وقد تم عرض الأمر على وزير الآثار د. ممدوح الدماطى ولاتزال الأعمال متوقفة فى انتظار القرار الوزارى.


وعن الواجهات يوضح المهندس ميشيل إنه تم الانتهاء من ترميم أربع مصاطب من الواجهة الجنوبية، خمس مصاطب من الواجهة الشمالية، الشرقية مصطبتين فقط نظرا لحالتهما المتردية، أما الواجهة الغربية تم الانتهاء من ترميم مصطبتين فقط، مع العلم أنه بعد قيام ثورة يناير 2011 تم التوقف عن العمل الخارجى فى حين استمرار العمل الداخلى لكنه سرعان ما توقف فى 2013، نظرا لتوقف الإمداد المالى الخاص بالميزانية المتفق عليها، رغم أن تاريخ نهاية التعاقد كان فى نوفمبر 2013، لذا يقترح المهندس "ميشيل" إعادة توظيف بعض بنود الميزانية المتبقية والتى كان من المفترض تخصيصها للإضاءة واللاند سكيب لاستخدامها فى استكمال أعمال لترميم العاجلة والتى تم اكتشافها خلال العمل داخل الموقع، للأسف لم يتم تنفيذ هذا الإجراء حتى الآن، وكان التعاقد قد تم فى عام 2008 بميزانية قدرها 50 مليون جنيه، تم استنفاد حوالى 38 مليون جنيه خلال السنوات الماضية، وإن كانت الشركة المنفذة تطمح فى إعادة توظيف ما تبقى من الميزانية وقدرها 12 مليون جنيه فى تدعيم سقف البئر وحوائطه وترميم المستوى الخامس من الأنفاق الموجودة أسفل غرفة الدفن، والتى لم تشملها بنود الاتفاق الأصلي، وللأسف قد تصل التكلفة الإجمالية المطلوبة إلى 24 مليون جنيه حتى يتم الانتهاء من الترميم الكامل الداخلى وإنقاذ الهرم من الانهيار.


وفى الوقت نفسه أكد ريتشارد سويفت الاستشارى الهندسى والمسؤل عن تصميم الروابط المعدنية "أيكوس" أنه كان من ضمن وفد منظمة اليونسكو التى جاءت إلى مصر فى أعقاب زلزال 1992 والذى أوصى بسرعة البدء فى ترميم هرم زوسر المدرج لما يتهدده من مخاطر الانهيار، مؤكداً أن الوضع خارج الهرم لا يزال يحتاج إلى مزيد من التدعيم وأن التأخير ليس فى صالح الهرم لأن حالته ليست مستقرة حتى الآن.


فى حين يوضح الأثرى علاء شحاته مدير عام منطقة آثار سقارة أن أعمال الترميم بدأت بعدة دراسات أهمها دراسة مواضع الانهيار بالهرم، أخطرها كانت الانهيارات التى تحدث عند المدخل الجنوبي، ويرى أن المطلوب هو سرعة الانتهاء من الترميم والتدعيم الخارجى لواجهات الهرم حتى يعود شكل الهرم إلى حالته المتعارف عليها، وبالتالى إزالة السقالات الخشبية التى تشوه جماليات الواجهات الخارجية للهرم حتى يعود الهرم بمصاطبه الست إلى رونقه الأثرى تمهيدا لفتحه للزيارة



آخر الأخبار