"قانون الجلسات العرفية"

27/07/2016 - 2:46:05

بقلم - عبداللطيف حامد

لا يكل ولا يمل البعض من دعاة المعرفة فى كل شىء عن توجيه اللوم للجلسات العرفية، التى تحدث فى ريف مصر، خصوصًا فى محافظات الصعيد عند وقوع أزمة بين بعض المسلمين والمسيحيين بحجة أنها "أس البلاء"، وسبب انتقال حوادث الفتنة الطائفية كالقطط المشتعلة من قرية لأخرى ومن محافظة لأخرى، رغم أن الحقيقة بعيدة عن الشعارات البراقة والتصريحات عبر الفضائيات، بل تؤكد أن هؤلاء المحكمين العرفيين يمثلون طوق النجاة وقت الأزمات.


طبعا سيفاجأ الكثيرون بهذا الرأى، ويتبارون فى تفنيده دون أى نوع من البحث أو التمحيص لما يجرى على أرض الواقع، وهنا سأحكى لكم عن الجلسات العرفية ونظامها، وأحكامها الرادعة مع العلم أن المحكمين لا يرفضون لجوء الطرفين للقانون، وساحات المحاكم، بعد الجلسات العرفية أو خلالها، فالهدف الرئيسى والأهم هو حقن الدماء، ووقف تدمير الممتلكات، وتأمين التحركات لمن يريد الذهاب إلى أرضه أو قضاء حوائجه، والمؤكد أن هذا لا يقتصر على المشكلات بين المسلمين والمسيحيين، كما يردد هواة تسطيح الأمور، بل بين أى عائلتين يدب بينهما الخلاف، فالعائلات الكبيرة والصغيرة على السواء تقف صفا واحدا عند الأزمة، وتتدارس موقفها بخطط محكمة للنيل من عدوها، حتى لو كان البيت فى البيت، أو تربطهم صلات المصاهرة والنسب، على مدى عشرات السنين، ولا يطفئ نيران الغضب إلا "قعدة العرب"، التى تضع شروطا لا قبل لأحد بها فى حالة البدء بخرق الاتفاقات. ومن تجربة والدى- رحمة الله عليه وطيب الله ثراه - سألته كثيرا عن سر حسم الجلسات العرفية للعديد من المشكلات المتأججة رغم أن المحكمين لا يملكون سلطة فى إجبار أحد على الالتزام بأحكامهم، فكان رده- رحمه الله- قاطعا بأن اختيار المحكمين ليس "سداح مداح"، بل يخضع لضوابط ومعايير محددة من أهمها أن يكون المحكم معروفا بحسن السمعة، وقوة الملاحظة ولباقة الكلام والقدرة على ربط الأحداث ببعضها، ولا يحضرون الجلسات من تلقاء أنفسهم، بل يدعو كل طرف المحكمين، الذين سيمثلونه فى الجلسة، واطلاعهم على الحقيقة كاملة، دون تزييف أو تجاهل لكل التفاصيل، ويصل الأمر لمعرفة تاريخ الخلاف بين الطرفين بعيدا عن ألاعيب وحيل بعض المحامين، الذين يصورون الحق باطلا والباطل حقا، ولابد أن يتساوى محكمو الطرفين فى العدد، مع القسم أن الهدف فى النهاية هو الوصول إلى الحق، ورد المظالم، وفى أثناء الجلسة يقوم مندوب تتفق عليه العائلة بسرد الحكاية ثم تتاح الفرصة كاملة للعائلة الأخرى أن تروى الموضوع من جانبها، وهنا يبحث المحكمون عن الحقيقة، ويربطون الخيوط ببعضها ثم ترفع الجلسة للتشاور بعيدًا عن العيون مع تعهد المحكمين التابعين لكل طرف بالالتزام بتنفيذ الحكم مهما كانت نتائجه.


للأسف يتخيل الكثيرون أن أحكام الجلسات العرفية لا تتجاوز (تقبيل الرؤوس، وتبويس اللحى وفض المجالس)، فى حين أن ذلك لا وجود له فى النزاعات الكبيرة، ويحدث فقط عند مشاجرات الأولاد والستات، وخناقات (السلايف)، ويقوم بها كبير العائلة الواحدة دون الحاجة لـ" قعدة العرب" أو "الجلسة العرفية" فهذا شأن آخر، وفى الأخيرة تنزل الأحكام كالصدمة على المخطئ كأن يحكم عليه بدفع غرامة تبدأ من مائة ألف جنيه إلى عدة ملايين الجنيهات، وقفا لنوع الجرم أو الخطأ الذى ارتكبه، فإذا كان الأمر يرتبط بقتل النفس تصل العقوبة إلى تقديم الكفن، وما أدراك من هذه الخطوة بين الأهالى وفداحتها على مر السنوات، وأما إذا تورط الجانى فى موضوعات تمس الشرف يحكم عليه بالنفى من القرية أو النجع الذى يقيم به، سواء بمفرده أو أسرته لو اشتركت معه، وفى حالة السرقة يجبر السارق على إعادة المسروقات، وغرامة باهضة تكسر الظهر حتى لا يعود لمثلها، ولا مجال للاستئناف وبطء التقاضى، ولا عودة فى الأحكام والقرارات بأى حال من الأحوال.


الخلاصة أن القضاء العرفى ليس بديلا عن القانون، ولا يمكن أن يطالب القائمون عليه (المتضرر) بوقف إجراءات التقاضى لتبرئة قاتل أو مغتصب أو سارق، بل تنحصر توابعه فى التنازل عن الاتهامات العشوائية، والتراجع عن تحرير المحاضر ضد الأبرياء، والتركيز على الجناة الحقيقيين، وبالفعل هناك خلافات ومشكلات لم تحاصرها، وتطفئ نيرانها المتطايرة إلا الجلسات العرفية، وأحكامها الرادعة والسريعة، وأغلبها لا علاقة لها بحوادث الفتنة الطائفية.


ومن هنا أطالب معارضى هذه الجلسات بالمطالبة بسرعة إصدار قانون بناء دور العبادة الموحد، وعلاج جذور الفتنة اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا، والتوقف عن شن الحملات المضادة على المحكمين العرفيين، فهم يقفون حائط صد فى مواجهة اندلاع نيران الخلافات وقت اللزوم، بينما ينشغل المحللون ورواد الفضائيات بإشعالها.. والله أعلم