الأنبا مكاريوس أسقف المنيا وأبوقرقاص: لست متعصباً.. لكننى أعبر عن معاناة الأقباط

27/07/2016 - 2:19:14

كعادته تحدث بلا خوف أو مُجاملة أو رياء، عن مشاكل الأقباط في محافظة المنيا، هو الأنبا مكاريوس أسقف مطرانية المنيا وأبو قرقاص، الذي دائماً ما تثير تصريحاته جدلاً واسعاً داخل الأوساط المُسلمة والمسيحية.


«مكاريوس» أكد أننا نحتاج الآن إلى إعمال القانون في المنيا، ونعاني من عدم وجود مُعالجات سليمة للأحداث في كل مرة، كما نعاني عدم التواجد الفعلى للحكومة داخل القرى، وأكثر من ٨٠٪ من المجتمعات السكانية في القرى والنجوع نعيش فيها كـ»الأسرى والرهائن» لبعض مراكز القوى.


الأنبا «مكاريوس» الذى حاورته «المصور» في حوار جرئ جداً، انتقد المُعالجات الأمنية الخاطئة في التعامل مع الأزمات في المنيا، وقال: «يتم الضغط على الأقباط للتنازل عن حقوقهم، مع التهديد بالانتقام فى حالة عدم التنازل».


«مكاريوس» لا تعجبه الجلسات العُرفية، مؤكدا أنها ليست بديلاً عن الدولة والقانون، لافتا إلى أنه فى كل جلسات الصُلح العرفى السابقة تعرض الأقباط لقبول الصلح بشروط «مُجحفة».


أسقف مطرانية المنيا وأبو قرقاص أشاد بتصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخيرة حول الفتنة الطائفية، قائلاً: تصريحات الرئيس تعكس اهتمامه بالأمر وعدم تجاهله لما يُعانيه الأقباط، فهو إنسان من صفاته النُبل والأخلاق الحميدة ولا يميل لـ»التسكين». نافياً اشتراط الكنيسة لحل أزمة قريتى «الكرم وكوم اللوفى» بناء كنيستين، مؤكدا أن إعمار الكنائس جار؛ لكن بمُعدل أقل مما يتمناه الرئيس السيسي.


بصراحة شديدة.. حدثنا عن رؤيتكم لما يحدث فى المنيا؟


المشاكل الموجودة فى المنيا، هي إرث عمره ٣٠ عاماً، حيث حدث اعتداء على كنيسة «مارى جرجس» وتم قتل ٩ غير المصابين، وأحداث فى التوفيقية بسمالوط، فالمنيا تحتاج لتغيير الثقافة والفكر لأنه يوجد الكثير من الأفكار المتطرفة، فضلا عن عدم قبول الآخر، وفي كل مرة يتم معالجة الأمر بطريقة غير سليمة، مما يترك رسالة سلبية ويشجع الآخرين على تكرار الاعتداءات بأنواعها المُختلفة، فضلاً عن أن عدم مُعاقبة الجناة يُشجع على الجريمة، إلى جانب عدم التواجد الفعلى للحكومة داخل القرى، وأكثر من ٨٠٪ من المجتمعات السكانية في القرى والنجوع نعيش فيها كـ»الأسرى والرهائن» لبعض مراكز القوى داخل القرى، بالإضافة إلى أن العمدة فى القرى عندما يكون إنساناً قوياً وعاقلاً سوف يجنب قريته الكثير، لذلك لابد من اختياره بمعايير واضحة من الكفاءة العالية، ولذلك فإننا نحتاج إلى إعمال القانون، لأن تغيير الثقافة وحده لا يكفى، فبدون قانون رادع وفعال سيكون الأمر مُجرد «دردشة» وكلام، كما أن وجود قانون بدون شرح وتنوير، يجعله نصاً جامداً.


وكيف ترى تصريحات الرئيس السيسي الأخيرة فى هذا الشأن؟


يعجبنى فى الرئيس السيسى أنه صادق وشفاف، ويُحب مواجهة المشاكل والأزمات ولا يميل للتسكين، وكونه يُكرر أكثر من مرة مُعاقبة الجناة مهما كانوا حتى لو رئيس الدولة فهى عبارة غريبة عن أذهاننا.. كما أنه يسأل كثيرا ويسعى كثيراً للوصول للمشكلة، وتصريحات الرئيس تعكس اهتمامه بالأمر وعدم تجاهله لما يعانيه الأقباط، فهو إنسان من صفاته «النُبل والأخلاق الحميدة».


لا أحد يستطيع تحديد أسباب الفتنة، من وجهة نظرك ماهي أسبابها؟، وهل هُناك تواجد للتيارات الإسلامية المتطرفة داخل المنيا؟


لا أستطيع أن أقول ذلك، إنما سبب الفتنة هو عدم المعالجة السليمة، فالمعالجات الخاطئة أزمة، وهذا هو السبب الحقيقى، ولا أستطيع أن ألوم أحدا «بيفكر غلط ويتصرف غلط»، فالمسلمون بشكل عام فى المنيا علاقاتهم طيبة بالمسيحيين؛ لكن يوجد خطر، فالخطاب الدينى لابد أن يتغير، كما يوجد أفكار متوارثة خاطئة لدى بعض المسلمين عن الأقباط، وأيضاً المُعالجات الأمنية الخاطئة، فمثلاً عندما يتم القبض على الجانى فى أى حادثة يتم الضغط على الأقباط للتنازل مع التهديد بالانتقام فى حالة عدم التنازل، ومع الأسف هذا يرضى الحكومة وهذه نقطة خطيرة جدا، وأحياناً الشرطة تقول إنها «مُجهدة»، والمفترض أنه فى حالة تنازل المجنى عليه من أجل التعايش وخوفا من الانتقام، أن ترفض الدولة هذا النوع من التنازل إكراما لهيبتها، فالدولة لابد أن تُحافظ على هيبتها ومؤسساتها، لأنه «ليس من حق أحد أن يُقيم نفسه مُشرعا وقاضيا وجلادا» فهذا هو دور الدولة، ولا يحق لأحد أن يأخذ دورها ويُغير عملا مُخالفا و»يصلحه بيده».


عقب حادثة تعرية السيدة المُسنة بالكرم أطلقت تصريحات حادة أثارت استياء المواطنين فى المنيا؟


الشفافية عامل أساسى جداً من عوامل حل المشاكل ومواجهة الأزمات، لأن التضليل لا يقل خُطورة عن التقصير، فخروج مسئول «يُهون» مما حدث يُثير الغضب ويزيد الاحتقان، بعكس لو خرج وقال أنا «متألم»، وفى البداية على الأقل يقول: «بتابع لكن لا يقول الموضوع بسيط»، وهذا يزيد الإحساس بالألم.. فكلام المسئولين أغضبنى وأغضب الناس.


وهل موضوع سيدة الكرم كان سبباً فى إثارة خلاف بينك وبين اللواء طارق نصر محافظ المنيا واللواء رضا طبلية مدير الأمن حتى خرجت أصوات تُطالب بإقالتهما؟


لا يوجد مشكلة شخصية بينى وبين المحافظ أو مدير الأمن، فالمشكلة ليست فى الشخص الذى يتولى المسئولية، إنما فى التوجهات، ومع ذلك فنحن كثيراً ما نتعامل مع الكرسى وليس القانون.


لكن البعض ردد أنه تم الإبلاغ عما تعرضت له سيدة الكرم بعد الحادثة بـ٤ أيام مما يُنذر بشئ مُدبر، ما تعليقك؟


الحادثة وقعت يوم الجمعة، وتم الإبلاغ عنها يوم الأربعاء، والسبب فى ذلك أن السيدة كانت صامتة بسبب طبيعة الاعتداءات، وكان صمتها احتراماً لها لأن الموضوع يخصها شخصياً؛ إلا أن صبرها نفد ولم تستطع مواصلة الصمت وتكلمت، فضلاً عن أن قضايا التحرش فى المجتمعات الغربية لا تسقط بالتقادم، فالبنت وهى عُمرها ٢٠ عاماً، يمكن أن تذكر أنها تعرضت للتحرش فى الطفولة مثلاً، ويجب أن يكون ذلك عندنا أيضاً في مصر.


بصراحة، هل اشترطتم بناء كنيستين لحل أزمة قريتى الكرم وكوم اللوفى.. وهل هُناك تأخير كما ردد البعض فى إعمار الكنائس والمنشآت التى تم تخريبها عام ٢٠١٣؟


الكنيسة لم تشترط لحل أزمة قريتى «الكرم وكوم اللوفى» بناء كنيستين ومع الأهمية القصوى لبناء الكنائس، فقضيتنا الآن هى إعمال القانون.. وبالنسبة لإعمار الكنائس والمنشآت التى تعرضت للاعتداءات جارى الإعمار، وإن كان بمُعدل أقل مما يتمناه الرئيس السيسي الذى كان يريد الإعمار آخر عام ٢٠١٦؛ لكن سيحتاج الأمر إضافة شهور أخرى.


فقائمة الكنائس التى تم الاعتداء عليها في ١٤ أغسطس عام ٢٠١٣ عقب فض اعتصام «رابعة والنهضة» ١٩ كنيسة على مستوى المحافظة من جميع الطوائف، وتحتاج إما لترميم أو إعادة تشييد، والقائمة لا تشتمل على مُمتلكات الأقباط من منازل ومتاجر؛ لكن هُناك ٥ كنائس تم إعمارها ضمن المرحلة الأولى، وجار إعمار باقى الكنائس والمنشآت ضمن المرحلة الثانية والمرحلة الثالثة.


وهل من حق الكنيسة إصدار بيانات عن المشكلات التي تقع بين المواطنين خاصة عندما تتعلق بمسلمين ومسيحيين؟


المفروض أن يقوم بذلك أجهزة الدولة، وللأسف الشديد الأقباط عندما لا يجدون من يمنحهم حقوقهم من أجهزة الدولة ومؤسساتها يلجأون للكنيسة وهو موضوع قديم، فمثلاً سيدة الكرم لو كانت وجدت الشرطة قد استمعت لها أو تحركت معها بعدما أبلغتها بالواقعة لكان ذلك أفضل. وأخشى ما أخشاه أن نضطر لتكوين مؤسسات موازية لمؤسسات الدولة في كل مسجد أو كنيسة، لتلبية احتياجات الشعب من مأكل ومشرب وملبس وحقوق وغيرها. وأنا شخصياً أرفض أن تقوم الكنيسة بما يجب على الدولة القيام به، فيوجد فرق بين أن تقوم الجمعيات الأهلية وأماكن العبادة بالمساعدة مع الدولة من خلال أنشطتها، وأن تقوم أماكن العبادة بما يجب على الحكومة القيام به. وعلى مدار السنوات الثلاث الأخيرة تقوم البطريركية ويمثلها البابا بإصدار بيانات أيضا فى هذا الاتجاه، وإننا نضطر عندما يلجأ لنا الأقباط القيام بذلك، لأنهم يلجأون لنا فى حالة تعرضهم للظلم، لنكون حلقة وصل بينهم وبين المسئولين.


تُطالب بالمواطنة وعدم التمييز بين المسلمين والمسيحيين.. فلماذا فى بياناتك تقول تعرض المسيحيون ولا تقول تعرض المصريون؟


لو قلت مصريين، فأنا لست منوطاً بالدفاع عن المصريين، طالما أنا رجل دين، فأرجو من مؤسسات الدولة أن تقوم بدورها، وبخصوص البيانات أحياناً يكون من الأفضل أن يكون هناك شخص رمز دينى يبلور رأى الأقباط، أفضل من أن تترك الساحه لأفراد يسيئون التصرف نتيجة الانفعال، وربما يكون هذا بديلاً لصدامات مُحتملة ومواجهات وإقتتال وتدمير. من وجهة نظرك، أليس الخطاب الدينى المسيحى يحتاج لتجديد وهو ما ينادى به المسلمون أيضاً؟


المطالبون بذلك يقولون لنا ماهو الخطاب الدينى الذى فيه تعصب؟، وماهو نوع التعصب الموجود فى الخطاب القبطى؟، يقولون لنا أين سمعوا عبارات فيها تحريض أو تدمير أو رفض وإنكار للآخر؟، فالأمور زادت عن حدها وليس هُناك من يسمح أو يحب اضطهاد الأقباط وظلمهم، ونحن نعبر فقط عن المعاناة والألم، وفى كل مرة نُطالب بالتعايش السلمى والمساواة والعدل بين أفراد الشعب، مثلما قال الرئيس السيسي.


اتهمك كثيرون مؤخراً بأنك مُتعصب وسبب رئيسى فى إثارة الفتنة بالمنيا.. بماذا ترد؟


كونى أُعبر عن آلام الأقباط ومُعاناتهم «مش معنى ذلك إنى مُتعصب»، فأنا أحاول أن أبلور مشاعر الأقباط.. وبادرت وقلت عن الحادثة الأخيرة أنها عادية وليست طائفية، وعندما تقوم الدولة بدورها «مش هنضطر نتكلم»؛ لكن الأقباط يلجأون لنا و»يقولون المسئولون ظلمونا».. فأنا أدعو للتعايش السلمى وأدعو فى كل مرة لإيجاد طريقة للخروج من الأزمة، وأدعوا الأقباط لتقديم أنفسهم نماذج للتسامح، وأحمل كثيرا من المشاعر الطيبة لإخواننا المسلمين لمُحاولتهم الجادة فى التقريب بين وجهات النظر، وفى اتخاذ إجراءات وقائية لمنع حدوث أزمات لوأد أى فتنة فى مهدها.


قانون دور العبادة لم يصدر حتى الآن.. هل حال صدوره قد تُحل أزمات الأقباط؟


لدينا فى المنيا ١٥٠ قرية لا يوجد بها كنائس، ومن حق الأقباط مُمارسة شعائرهم وبناء الكناس، نعلم أنه يوجد مُشكلة فى بناء الكنائس؛ لكن الدولة تتفاهم مع الكنيسة وليس مع الأفراد العاديين الذين يأخذون على عاتقهم هذا.


في نظرك، كيف يتم وأد الفتنة في المنيا؟ أطلب من الدولة أن ترفض اضطرار الطرف المجنى عليه من الأقباط للعدول عن أقواله تحت الضغط والترهيب، وأن تؤكد على ضرورة عقاب الجانى، وإذا حدث ذلك ولو لمرة واحدة وبشكل جاد من شأنه أن يروع الكثيرين لعدم القيام بمثل هذه الاعتداءات، فضلاً عن الاهتمام بمحافظة المنيا لأنها مُهملة من قبل الدولة من عقود طويلة، فالمنيا لها خصوصية ولها أهمية قصوى فى مصر، فأكثر الشخصيات المؤثرة فى مصر فى كل المجالات ينتمون للمنيا؛ لكن مع الأسف هي طاردة لشبابها وهم ينجحون خارجها. فالمنيا بها ٦ ملايين نسمة يزيد عدد الأقباط فيها عن ٢ مليون قبطى وبها ٧ مطرانيات، كما أن المنيا تعانى من مشاكل فى التعليم والصحة والبطالة وفرص العمل وهى أغنى محافظة وأفقر محافظة فى نفس الوقت بها رؤوس أموال كبيرة لم يتم استغلالها بشكل جيد.