الفتنة الطائفية ومخطط إسقاط الرئيس!

27/07/2016 - 2:12:07

تقرير يكتبه: حمدى رزق

من ثوابت ثورة ٣٠ يونيه، خروج الأقباط عن بكرة أبيهم، واندحوا كالسيل العرم فى قلب الجموع المصرية الثائرة تطالب برحيل الإخوان، رحيل الإخوان أو الموت الزؤام، ومن صورة ٣ يوليو يقف بابا الأقباط تواضروس الثانى بقامته المديدة جوار الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر وثلة من ممثلى الشعب المصرى يستمعون إلى بيان ٣ يوليو الذى ألقاه قائد الجيش ومناط أمل المصريين الفريق أول عبدالفتاح السيسى وزير الدفاع حينئذ.


ومن قلب خروج التفويض فى ٢٦ يوليو وهو يوم فارق فى تاريخ ثورة ٣٠ يونيه خرج الأقباط جميعا ليفوضوا من اختاره الشعب المصرى على عينه وبإرادة حرة مستقلة ليدحر الإرهاب، ويؤسس لدولة مصرية مدنية ديمقراطية حديثة، شعارها الأصيل الدين لله والوطن للجميع.


ومن تبعات ثورة الألق الوطنى، حرق كنائس الأقباط بطول البلاد وعرضها فى ليلة سوداء، تضرر الأقباط كثيرا، ولكن خرج بابا المصريين ليصك مقولة رائعة»، وطن بلا كنائس أفضل من كنائس بلا وطن»ليعيد علينا أفضل آيات الوطنية جريا على ما سبق وقال به بطريرك العرب قداسة البابا المتنيح شنودة الثالث، «مصر وطن يعيش فينا، وليس وطنا نعيش فيه»، وحتى ساعته وتاريخه صور السيسى فى قلب الأقباط، صور حبيب الأقباط معلقة هناك فى صدر «المندرة» جنبا إلى جنب صور الآباء والقديسين، يضعونه فى منزلة عالية، يحبونه حب أجدادهم لخالد الذكر جمال عبدالناصر.


ورغم الألم الذى يعتور الأقباط هذه الأيام جراء تفلتات فئة ضالة مضللة، إلا أن الحب القبطى للرئيس لم يتغير، والقلوب لم تتقلب، والعتاب على قدر العشم فى الرئيس، صحيح ياما دقت على رؤوس الأقباط طبول، وظلوا زمنا مستمسكون بحروف وكلمات ومعان وعظة الجبل «أَحِبُّوا أعداءَكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مُبغِضيكم. وصلوا لأجل الذين يسيئُون إليكم ويطردونكم».


ولكن فى عهد حبيب الأقباط، لماذا يستعدونهم، ولماذا يبغضونهم، ولماذا يظل الأقباط يصلون لأجل من يسيئون إليهم قولا وفعلا، ويطردونهم من بيوتهم، مفهوم بغض الإخوان والسلفيين والتابعين للأقباط، ولكن لم يعد مفهوما بالمرة صمت الدولة على ظلم الأقباط، وتصبح الغصة ألما عظيما أن رأس الدولة هو حبيب الأقباط، ومن يزورنهم فى كنيستهم، ويعيد عليهم، ويغبر قدميه إلى البطريريكية كل عام فى موعد مضروب، عيد الميلاد المجيد.


كانوا يأملون خيرا ولا يزالون، وعموم الأقباط من جلدتنا المصرية الأصيلة يكتنفهم حزن عميق، وعتاب صامت، وآمل فى نجاة الوطن مما يخطط بليل لتفتيت صخرته الصلبة، وحدة الهلال والصليب، وكلما ادلهمت بهم الخطوب يبصرون منجاة، من قلب العتمة يفج نور عظيم، ولا يزالون يعلقون جل آمالهم فى رقبة الرئيس، ويأملون فى نخوته خيرا، وفى قلبه مكانا، وفى عقلهم ثمة تدبير لإغاثة الملهوفين الحزانى فى قعور البيوت الطينية، لم يقنطوا من رحمة السماء، ولم يقطعوا حبلا متينا مع إخوة الوطن، ولم يماروا فى عطفة الرئيس على إخوة الوطن، فقط متالمين، مجروحين، وعد الجروح يا ألم.


التفرقة واجبة بين أقباط الوطن والأقباط النافرين والهاربين من حضن الوطن، ليس كل أقباط المهجر على شاكلة هؤلاء المرجفين، أقباط المهجر هم أقباط الوطن يحبون الوطن، ويترنمون دوما، «بلادي وإن جارت عليّ عزيـزة وأهلي وإن ضنّـوا عليّ كرام»، أقباط المهجر الذين وجفت قلوبهم من قسوة حرائق الكنائس ليلة فض رابعة، دعوا لمصر، لم يلعنوها، هؤلاء أهلنا فى المهجر وهم من يتسابقون للحفاوة بالرئيس إن حل ضيفا عليهم.


أما النفر الشارد فهذه قضية أخرى لا تنفصل عن السطور التالية فى مخطط إسقاط الرئيس، عجبا هذا النفر يعرف جيدا قسوة الظرف المصرى، كنت آمل ألا يتداعى إلى التظاهر أمام البيت الأبيض، وأن تظاهروا فمعلنين على العالم قبح الإرهاب الإخواني البغيض، وألا يكونوا مخلب قط، عجبت فعلا من فيديو لقسيس هارب من حكم بالإعدام، يناول الرئيس بفاحش القول لا يفترق أبدا عن الإخوان، فاحشون، ولا يختلف عن شيوخ السلفية، متطرفون مرجفون، يريدونها نارا وقودها الناس والحجارة، كالشياطين يبخون من أفواههم نار الفتنة لتحرق وطنا.


***


إذا عدنا إلى خطة «التمكين» وما تلاها من وثيقة «فتح مصر» جماعة الإخوان عنيت بعمدية النص التنظيمي بتهميش الأقباط، والتضييق عليهم، وحصارهم فى كنائسهم، وشهدنا تطبيقات مجرمة لهذا المانيفستو الإجرامى فى حصار الكاتدرائية المرقسية فى العباسية وإقامة الصلاة قبالتها، والدعاء على كهنتها، والتفحش فى إهانة بابا الأقباط، وهو ما لم يصدر عن مصرى مسلم غير ملون ولا محزب فى تاريخ الكنيسة الذى هو فى قلب تاريخ مصر، رافدا من روافد النهر الكبير.


وإذا عدنا ل»خطة الانقلاب» على الرئيس فى عامه الثالث التى نشرناها هنا على غلاف «المصور» سنجد خيطا رفيعا بات واضحا جليا يربط بين ما يجرى للأقباط فى الصعيد وخطة الانقلاب التى تحدد لها العام الثالث من ولاية الرئيس، ومعلوم سيجرى التصعيد، واستغلال الأجواء المحتقنة، وتأليب البشر، وكلما أطفأت النار أشعلوها حتى تصير فتنة تعصف بالوطن.


على عينك يا تاجر، جربوا الحصار الاقتصادى ولم يفلح فى كسر إرادة المصريين، المواطنون مستعدون لمضغ الزلط ولا تسقط مصر فى غيابات الجب، ضربوا السياحة، ومنعوا المعونات، وتآمروا على التحويلات، وجففوا المنابع الدولارية، ومصر لاتزال على قدميها واقفة شاخصة ترقب مكائدهم وخططهم وتتكسر مؤمراتهم على جدار الكرامة الوطنية.


وفشل مخططهم التخريبى، فخخوا المنشآت، ونسفوا الأبراج والمحولات، وفجروا مديريات الأمن، واغتالوا النائب العام، وسفكوا دماء شباب الجيش والشرطة، وخططوا لعزل سيناء، وإقامة إمارة داعشية ذات إعلام سوداء، ولم يزد كل هذا المصريين إلا جسارة فى دحر العدوان.


وخابت حربهم النفسية لتحطيم معنويات الشعب المصرى، فى اليوم الواحد يشنون حربا بآلاف الشائعات والمرويات، يعاونهم للأسف فريق من النشطاء الفيسبوكيين العابثين يشيرونها تشييرا نكاية فى النظام، وبلغت الحرب النفسية ذروتها إلى إلقاء الاتهامات جزافا فى حق الرئيس، الغريب أنهم يتهمون الرئيس بمولاة الأقباط، وينحدرون بالمعركة إلى أسفل سافلين بالطعن فى إيمان الرئيس، ويعالجهم الرئيس بضحكة الواثق من شعبه فى حفل تخريج دفعات جديدة من خير جنود الأرض، الضحكة التى لم تتحملها أعصاب هذا القس العابس، من العبوس، المطرود من جنة الوطن.


فشلوا تباعا من تفجير الطائرة الروسية مرورا بمقتل الباحث الإيطالي ريجينى، إلى مسلسل حرق مصر بطول البلاد وعرضها، يحصدون الخيبة فى كل جولة، الله يحفظ كنانته من كل شر ببركة الأنبياء والأولياء والقدسيين، والعام الثالث يمضى حافلا بالإنجازات والمشروعات، والرئيس يمضى بالسفينة العتيقة بعون الله وبتضحيات الشعب الصابر، هالهم اكتمال البناء، واستكمال المشروع الوطنى.


*** 


خلال ال ٣٠ شهراً الماضية تكالبت على مصر الأكلة تكالبها على قصعتها، فنقبوا عن ثغرة يدخلون بها بين المصريين، بحثوا فى أضابيرهم عن منفذ لضرب وحدة المصريين خلف الرئيس، اجتهدوا كثيرا فى أقبية الاستخبارات المعادية، وكلفوا غلمانهم بالخطة البديلة، إشعال الفتنة الطائفية، وهى خطر لو تعلمون شره عظيم، والنار التى تحرق أوطانا من مستصغر الشرر.


طابورهم الخامس يبنى على تلال من الفتاوى الطائفية الموغلة فى القدم والمستخرجة من الكتب الصفراء، يقول بها فقهاء السلفية، وفريق يضرم النار فى الحطب الجاف بافتعال المشادات الطائفية، وفريق ينفخ فى النار على فيس بوك وتويتر حتى يرى لها أوار، ومسئولون بيرقراطيون لا يفقهون فى فقه المواطنة، ولا يتحلون بالحيطة والحذر، ومتنفذون يتقاعسون عن تطبيق القانون، وأصحاب هوى يستهويهم جلسات الصلح العرفى على أنغام «تسلم الأيادى»، عجبا أغنية ثورة ٣٠ يونيو تصدح فى جلسات الصلح العرفية وكأنها انتصار!.


وبيت عائلة دينه وديدنه نفاق المعتدين، ومحافظين يعمهون فى جهلهم، ويلتقطون الصور التذكارية مع البيضة المباركة، أعتقد أن البيضة المنقوشة فسدت على مكتب أحدهم وهو لايزال قائما يتملئ فى المعجزة والنار تتسلل من تحت قدميه لتحرق الأخضر واليابس، وشيوخ وأئمة متلهين فى حفظ وتسميع الخطبة الموحدة، وكهنة وقسس مغرمون باللقب «أسد يهوذا»، والأقباط يهجرون، وتحرق بيوتهم، وتعرى نساؤهم، ينزفون من كرامتهم الوطنية.


لا أستثنى منهم أحدا، كلهم مدانين بالجرم الكبير، الرئيس يوجه توجيها وهؤلاء صم بكم عمى، الرئيس يحذر تحذيرا وهؤلاء يضعون أصابعهم فى آذانهم، الرئيس يتوعد بالقصاص وهؤلاء يتكالبون لتوفير صكوك البراءة للمجرمين، ويتسابقون إلى جلسات الصلح لمنع إنفاذ القانون على المعتدين، وللأسف يعاونهم فى غيهم نواب أقباط موالسون، يخشون من مغبة الانصياع للقانون، ويدارون سوءات هؤلاء المجرمين.


تسخين الأجواء القبطية نسق من أنساق إسقاط مصر ٣٠ يونيو، وخطة الإسقاط فى العام الثالث بإشعال الفتنة الطائفية، والأرض مبللة بالغضب، والسلفيون نشطون، والبسطاء مدفوعون بلا تعقل أو تبصر، والفضائيات تصب البنزين على النار، والصحافة تحفل بما يشعل الأوار. 


وليس ثمة قانون يجرم التمييز والاضطهاد، متأخر جداً فى أجندة برلمان الثورة، ولم تصنف بعد الجرائم الطائفية على أنها جرائم طائفية، تخضع للقانون الجنائي، قاتل ومقتول، جانى ومجنى عليه خلوا من الأسباب والدوافع الطائفية، وكانها جرائم عادية، هذه جرائم كارثية، جرائم متسلسلة، كل جريمة منها تؤسس لجريمة مماثلة، منع بناء كنيسة فى قرية بالعنف، يتبعها جرائم فى قرى مجاورة، والقطط المشتعلة تتنقل بين حقول الغضب تشعل أعواد الحطب الجافة من روح التسامح الديني.


***


لا تنفصل خطة إسقاط الرئيس فى عامه الثالث عن هذا الذى يجرى من تصعيد طائفى فى الصعيد، وأخشى أن ينتقل إلى بحرى لاحقا، الجرائم الطائفية بتسمع وتخرق حاجز الصوت فى سائر القطر بفعل السوشيال ميديا، وإن لم تثمر هذه الأحداث فتنة طائفية تطيح بالرئيس، أقلها حرمان السيسى من الدعم القبطى الذى ميز ولايته الأولى.


 مخطط استخبارتى معلوم ولدى جهاز المخابرات المصرى تفاصيله، فى المخابرات المصرية رجال وطنيون يقودهم وطنى محترم (اللواء خالد فوزى) يبصر عاقبة الأمور، وسبق أن حذر فى تقارير معتبرة من هذا المخطط المرصود، الهدف سلخ المجموع القبطى من المجموع الوطنى من حول الرئيس، حرمان السيسى من ماء محبة الأقباط، وتحويل صلوات الأقباط من أجل مصر إلى لعنات يصكها قسيس هارب، لا يختلف هذا عن ذاك سلفى حانق، وإخوانى ناقم، جميعا بعلم وبدهاء ينفذون مخطط الإسقاط الذى كشفنا حلقاته أخيرا فى مجلة الوحدة الوطنية «المصور الغراء».


لعل تكليف اللواء أحمد جمال الدين مستشار الرئيس للشئون الأمنية بهذا الملف من قبل الرئيس يؤشر على استشعار الرئاسة الخطر الطائفى الزاحف من تحت الأرجل من الصعيد، وتحديدا اللواء جمال الدين له خبرة هائلة فى هذا الملف باعتبار سابق تقلده منصب وزير الداخلية إبان ثورة ٣٠ يونيو، وعلى صلة بالقيادات الكنسية، وعلاقته بالبابا تواضروس وسائر الآباء الكهنة ليس فيها موانع ولا كوابح ولا خبايا ومصدر ثقة الكنيسة.


للأسف هذه خطوة أولى تأخرت كثيرا، ولكن أن تأتي متأخراً خير من ألا تأت أبدا.


فض مغاليق هذا الملف فى هذا الظرف الدقيق الذى يمر به الوطن يحمل كثيرا من الحكمة، هذا الملف العتيق الذى يعود إلى سبعينيات القرن الماضى منذ أحداث الخانكة ١٩٧١ آن أوانه، ولابد من إعانة اللواء جمال الدين على مهمته باستصحاب النافذين سياسيا وحزبيا وأكاديميا ومجتمعيا فى هذا الملف، للخروج بورقة مصيرية ملزمة للكافة، وتجنيب القيادات الدينية التى قامت على هذا الملف طويلا دون تقدم يذكر، والوصول بأعمال اللجنة إلى قاع الريف الصعيدى، لبحث أسباب الفتنة، ولحصارها أولا، وتجفيف منابعها، استخراج أم القيح من الجرح الصعيدى!.


لايمكن أن يظل بناء الكنائس هكذا خفية، ويستحيل أن يتم البناء فى غفلة، وأن يهدم البناء فى زفة، وتهليل وتكبير، وكأنها غزوة، لماذا لا تحدد الكنائس الثلاث، أرثوذكسية وبروتستانتية وكاثوليكية حاجتها الملحة والحقيقية والواقعية من الكنائس أولا، ويصدر بها ويخصص لها قرار جمهورى، ينفذ وبتكليف رئاسى للقوات المسلحة، فإذا ما انتهى البناء، واكتفت الحاجة، يسرع مجلس النواب فى إصدار قانون بناء الكنائس، ليكون ملزما للكافة، ويغلظ العقوبات على من يتجاوز على الجانبين، ويطبق القانون بمواده القاطعة وتمتنع جلسات تبويس اللحى العرفية، بناء الكنائس ليس رهنا بالتراضى هذا حق، وليس وقفا على ترضيات هذا حق، وليس موقوفا على دراسات أمنية، ولا على هوى محافظ أو تقدير مدير أمن.


***


ثابت أن الرئيس السادات سأل البابا شنودة ذات مرة، كم تحتاج من كنائس فى السنة، فقال عشرين كنيسة، فقال «ومن عندى أربعين»، وبدا فعلا فى تخصيص أراض لبناء الكنائس فى المدن الجديدة، ورحل السادات وتبعه البابا شنودة بعد عقدين ونيف، ولم يتجسد الوعد الرئاسى على الأرض إلا فيما ندر وبعيدا عن الوادى والدلتا، موقف دال والرئيس بالإشارة يفهم.