المفكر الكبير د. مصطفى الفقي: “مبوسة” الشيوخ والقساوسة فى المجالس العرفية.. “مهزلة”!

27/07/2016 - 2:08:30

                    عدسة : ابراهيم بشير عدسة : ابراهيم بشير

حوار أجراه: سليمان عبد العظيم

المفكر السياسي البارز الدكتور مصطفى الفقي أكثر من تحدث في مسألة “الفتنة الطائفية”، لديه حلول لأحداث العنف التي تقع بين المسلمين والمسيحيين من وقت لآخر، طرحها منذ زمن بعيد؛ لكن لم يتم الالتفات إليها من أحد فى الدولة.


“المصور” التقت الدكتور “الفقي” للحديث عن المشهد الحالي، والمخرج من وجهة نظره لجميع الأزمات التي تقع بين الحين والآخر تحت مسمى “الفتنة الطائفية”التي باتت تُهدد استقرار البلد.


“الفقي” ذكر عبارة “هذه هي مصر” في أكثر من موضع فى هذا الحوار الساخن عندما تحدث عن بطولات لشخصيات تاريخية مسيحية ومسلمة؛ لكنه فاجأنا كعادته بقول صادم جداً، إن “مبوسة” المجالس العرفية بين رجال الدين الإسلامي والمسيحي “مهزلة”!.


الدكتور مصطفى الفقي طمأن الأقباط بقوله: “عبد الفتاح السيسي هو الرئيس المصري الوحيد الذي زار مقر الكاتدرائية مرتين في عامين متتاليين، في سابقة لم تحدث في التاريخ.. ويضيف: أنني سمعته بأذني يقول: “ضعوا أنفسكم مكان الأقباط، هم مصريون وأشقائنا ومسئولون منا، ولو أنني كنت في وضعهم وتعرضُت لظلم، لشعرت بما يشعرون به، إنهم جُزء من دمنا ولحمنا”.


العُقوبات الحالية التي يتم تطبيقها على الخارجين عن القانون في أحداث الفتنة الطائفية لا ترضي مفكرنا الكبير الذي طالب بشدة بتغليظ العقوبة، واللجوء إلى القانون، والتوقف عن اللقاءات بين رجال الدين والمشاهد المُضحكة التي تحدث بعد كل حادث فتنة، ثم تتكرر الحوادث الجديدة بعد أشهر قليلة.


“الفقي” يُراهن على أن وحدة البلاد ومتانة العلاقة بين أبناء الوطن الواحد مسألة أساسية، ويؤكد أنه لا يجب أن يلوذ الأقباط بالبطريركية ولا يلوذ المسلمين بالأزهر، فلابد أن يعتصم الجميع بالدولة وبالرئيس السيسي، لأن هذه جهات دينية اختصاصها روحي ولا علاقة لها بالحياة الزمنية أو السلطة الحياتية للناس فلا يجب العبث بتلك الرموز وإبعادها عما هو قائم.


المفكر الكبير جدد دعوته من جديد بفصل الكليات العملية عن الدينية في جامعة الأزهر، وأن تقبل الجامعة المسيحي بجوار المسلم، وتحدث عن مؤامرات خارجية تحاك ضد، مُستغلة التطرف في الدين الإسلامي والمغالاة في المسيحية.. وإلى الحوار.


بادرته .. باعتبارك أكثر من كتبت في المسألة القبطية في مصر، كيف ترى وتقيم ما يحدث الآن من أحداث فتنة طائفية بين الحين والآخر؟


لا يقلقني ولا يزعجني في المشهد القائم؛ إلا الشرخ الذي مُمكن أن يحدث من الفتنة الطائفية، فوحدة البلاد ومتانة العلاقة بين أبناء الوطن الواحد مسألة أساسية، وأنا أطالب دائماً الأغلبية العددية بأن تحنو وتعطف وتهتم وتحتضن الأقلية العددية، في العالم كله لا يستقيم الأمر إلا بهذا، خصوصاً وأننا من مُنطلق واحد ومن أصول واحدة، فالأقباط ليسوا جالية قادمة، ولا المسلمين جالية قادمة، كلهم أبناء هذا الوطن، منهم من اعتنق الإسلام ومنهم من ظل على دينه المسيحية، والأديان في النهاية لله، والإسلام يدعو إلى معاملة أهل الذمة مُعاملة كريمة، وهو الذي قال في القرآن الكريم “لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنُوا الذين قالُوا إنَّا نصارى ذلك بأن منهم قسِّيسين ورُهباناً وأَنهُم لا يستكبرُونَ”، والنبي صلي الله عليه وسلم نفسه مرت أمامه جنازة ليهودي فانتفض واقفاً، فقيل له لمَّا يا رسول الله إن الجنازة ليهودي، قال: “أليست لنفس بشرية”، فالنبي مات ودرعه مرهونة لدى يهودي، واستمع إلى المسيحيين وتحدث معهم، وأكل طعامهم وشرب شرابهم وتزوج منهم، فالذين يأخذون الإسلام كـ”زريعة” في هذا الموضوع واهمون.. وأنا أنادي الأخوة في التيار الإسلامي المتشددين و السلفيين بأن يكفوا عن هذا العبث، لأن سلامة الجسد المصري تعلو على أي شيء، هذه قضية أمن قومي عُليا.


وما الذي تُطالب به إذاً؟


أنا أُطالب بتغليظ العقوبة واللجوء إلى القانون، والتوقف عن الجلسات العُرفية واللقاءات بين رجال الدين الإسلامي والمسيحي، والمشاهد المُضحكة التي تحدث بعد كل حادث فتنة، ثم تتكرر هذه الأحداث بعد أشهر قليلة، لذلك فإن القُبلات المُتبادلة بين المشايخ والقساوسة لن تحل المُشكلة، فالمُشكلة لها أسباب جذرية يجب أن تُحل.


هل وراءها أسباب اقتصادية؟


بالمناسبة هي ليست أسباباً اقتصادية، فالأقباط الذين يمثلون تقريباً ١٠٪ من السكان حوالي من ٩ إلى ١٠ ملايين، يملكون ٣٥٪ من الثروة، وننظر إلى أسماء مثل “نجيب ساويرس وغبور وسامي سعد وثروت باسيلي وغيرهم”، وهنيئاً لهم، لأنهم يعملون ويكدحون ويعمل لديهم مئات الألوف من المسلمين، فهل لا يذهب المسلم مثلاً لطبيب لأنه مسيحي؟، أو يتحاشى مسيحي أن يشتري من محلا لأن صاحبه مسلم، لا طبعاً، فلا يوجد شىء مثل هذا على الإطلاق، ومُعظم المُدرسين في التعليم الذين علمونا كانوا مسيحيين خصوصاً في الرياضيات واللغة الإنجليزية.


فمطلوب إذاً وبشكل قاطع ونهائي تغليظ العقوبة على مرتكبى الأحداث الطائفية، فعندنا في القانون إذا اغتصب شخص فتاة يُعدم، فما بالك بمن يحاول أن يغتصب وطن بالكامل، ويدخل به في مراحل مُعينة من القلق والتوتر والصدام، أمر هام جداً تغليظ العقوبة في الناحية القضائية تجاه من يُمارسون هذه الفتن الطائفية، فضلاً عن أمر هام جداً آخر ويتمثل في ضرورة التوعية من خلال المساجد والكنائس، والتوقف تماماً عن إذكاء روح الخلاف بين طوائف الأمة، فالمساجد والكنائس ودور العبادة لها دور كبير فى إخماد الفتنة الطائفية، التي تحدث داخل الدولة المصرية، لأن الدولة مُستهدفة من جميع الاتجاهات.. وأنا رأيت أنه في مراحل مُعينة كان هُناك من يُحاول إشعال الفتنة، ويجب أن نتنبه لذلك جيداً، لأننا مستهدفون من كل اتجاه، فمصر مستهدفة بكل أبنائها مسلمين ومسيحيين.


في رأيك.. هل عانينا من هذه النعرات الطائفية من قبل في عهود سابقة؟


أولاً, أنا لا أريد لهذه النعرة الطائفية أن تتزايد، فلم نكن نعرفها في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وثانياً, والله لم نكن نعرف أن زميلنا مسيحياً إلا في المناسبات، يأتي عيده أو عيدنا، فنكتشف ذلك ولا يترك ذلك أثراً لدينا أو لديه، أين نحن من ذلك كله الآن؟، لقد تغيرت الأمور، فوالد منير فخري عبد النور الوزير المصري الأسبق، أمين عبد النور ، عندما أراد أن يخطب ابنة أمين باشا غالي شقيق بطرس باشا غالي، استنكف أن يذهب وفي المنزل صور له وهو يصطاد البط مع الإنجليز، وقال له ارفع الصور، لكن غالي: قال لا، فاتفقا على حل وسط، وهو أن تُقلب الصور على وجهها نحو الحائط.. وتعرف من الذي ذهب لخطوبة ابنة أمين باشا غالي، الإمام الأكبر الراحل محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر الشريف الأسبق، “كانوا صعايدة مع بعض”؛ لكن الدين قضية أخرى، الدين لله لماذا لم تحدث مشكلات كبيرة في عهد جمال عبد الناصر؟، لأنه جعل للدين مكانه المُحترم، بالمناسبة هو من أنشأ إذاعة القرآن الكريم، ولكنه في نفس الوقت عزل الدين عن السياسة. وقف مع الهند ضد باكستان المسلمة في كشمير، ووقف مع اليونان ضد تركيا المسلمة في قبرص، ورفض الأحلاف الإسلامية، واتخذ مواقف تشعر المسيحي بأنه مواطن عادي في هذا الوطن، فيجب أن نحترم مبدأ المواطنة وأن نُدرك أننا جميعاً أبناء وطن واحد.


هناك مشاهد نراها عقب كل حادثة طائفية واجتماع مدير أمن المحافظة والمحافظ و”فتح مبوسة بين المتخاصمين” فضلاً عن الجلسات العرفية التي تحدث بين رجال الدين الإسلامي والمسيحي.. في رأيك وأنت خبير ورجل فكر كبير، هل مثل هذه الأشياء “التي ما أنزل الله بها من سلطان” قادرة على حل هذه الأمور المُعقدة؟


كل هذه المشاهد “مهزلة” لا يجب أن تتكرر، ولا يجب أن يلوذ الأقباط بالبطريركية أو يلوذ المسلمين بالأزهر الشريف، يعتصم الجميع بالدولة وبرئيس الدولة، هذه جهات دينية اختصاصها روحي لا علاقة لها بالحياة الزمنية أو السلطة الحياتية للناس، كُنا مصريون أمام القانون، من لديه شكوى يتقدم بها في قصر عابدين لرئيس الجمهورية.. أو لرئيس السلطة التنفيذية.. أو للبرلمان المصري.. أو لدار القضاء العالي.. أو للمجلس القومي لحقوق الإنسان؛ لكن ليس للأزهر الشريف أو الكنيسة على الإطلاق. مصر دولة مدنية عريقة أسس لها محمد على جذوراً قوية في التعليم والصناعة والتجارة والاقتصاد والحياة اليومية، ولا عودة إلى الوراء، الدين لله مصر قلعة الإسلام الشامخة وهي أيضاً مُستقر الكنيسة القبطية العريقة، فلا يجب العبث بهذه الرموز وينبغى إبعادها عما هو قائم في المشهد الآن.. وأنا سعيد أن بابا الكنيسة القبطية البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية رجل يُمثل هذا النمط، ويكفي أنه الذي قال “وطن بلا كنائس خير من كنائس بلا وطن”.. هذه تكفيه طول حياته.


بالنسبة للخطاب الديني.. أعتقد أن هُناك متشددين من جانب المسلمين ومن جانب الأقباط؟


عندك حق الخطاب الديني يحتاج بشدة إلى إصلاح.


هل تقصد الخطاب المسيحي أم الإسلامي؟


أقصد في الناحيتين، فالإسلام واسع، لماذا يتم أخذه إلى “حواري ضيقة” فهُناك اجتهادات خاطئة من جانب بعض السلفيين والمتشددين منها فتاوى غريبة ترفض تهنئة الأقباط بعيدهم رغم أن الله أمر بمودتهم، فالفكر الإسلامي علق به ما يشوبه من عدم السماحة، ويجب تقديم السماحة الموجودة فى التراث الإسلامي للناس لفتح باب التواصل، فضلاً عن أن بعض الاجتهادات باتت تحتاج الآن إلى مناقشة فى ظل ما أتاحه الإسلام مما لا يخالف شرعًا فى الاجتهاد، فى ظل أن الدين أقر أن التفكير فريضة. ولذلك فإن الظروف الصعبة التي تمر بها مصر والمنطقة تتطلب ضرورة تجديد الفكر الإنساني العربي الإسلامي والمسيحي والفكر العقلي وتنقية العقول، وليس تجديد الخطاب الديني فقط، فالشريعة الإسلامية شاملة وملك للبشرية كلها، ويتم تدريسها فى بعض الجامعات الغربية، والتجديد لا يعنى المساس بأصول الشريعة؛ بل تنقية الفكر الإسلامي من أفكار دخيلة وتحليلات غير واقعية ومُحاولات لتشويه الإسلام والالتزام بالاجتهاد ورأى علماء الأمة المُجمع عليه.


دكتور مصطفى .. طالبت من قبل بأن يتم إلحاق المسيحي بجامعة الأزهر الشريف، هل لا زلت عند موقفك ؟


أنا لا زلت أُطالب بإعادة الرونق والهيبة لجامعة الأزهر الشريف بفصل مؤسساتها الدينية عن مؤسساتها الحياتية، الأزهر الشريف العريق بكلياته “اللغة العربية وأصول الدين ومعهما الدعوة والدراسات الإسلامية والعربية وغيرها” يجب أن تكون تحت إشراف المشيخة الأزهرية، وتحت غطاء يشبه المعاهد اللاهوتية والمراكز الإكليريكية لدى المسيحيين، فهي دينية بحتة، أما جامعة الأزهر من “طب وهندسة وزراعة وعلوم وصيدلة” فهي الجامعة الإسلامية المنفصلة، تقبل المسلمين والمسيحيين مع وضع بعض الشروط الخاصة بحفظ بعض الآيات القرآنية للتمييز بينها وبين الجامعات الأخرى؛ لكنها تقبل المسلم بجانب المسيحي جنباً إلى جنب.


وهل بات ملحاً الآن وبشدة تقسيم جامعة الأزهر إلى كليات دينية وأخرى عملية؟


ما ينشب من أحداث فتن طائفة يجعلنى أكثر إصراراً من أي وقت مضى على ما طرحته في العقدين الأخيرين من مطالبة مُلحة بتقسيم جامعة الأزهر بين الكليات الدينية، وهي جوهر الدراسة في الأزهر الشريف على امتداد العالم الإسلامي كله، التي يقابلها الكليات الإكليريكية ومعاهد الدراسات اللاهوتية في العالم المسيحي، بحيث يتاح لنا إعطاء الكليات الدينية كل الاهتمام والرعاية تحت مسمى جامعة الأزهر، ويصبح الخريجون منها قادرين على مواجهة أمراض العصر التي تتستر بالدين، ولا تعرف صحيح الإسلام الحنيف ومبادئه النبيلة وروحه السامية، وحتى نخرج من أزمة التعليم الديني التي دخلنا فيها منذ سنوات.


ويؤسفني أن أقول إنني عندما أرتاد بعض المساجد أجد أن الأئمة يخطئون أخطاء فادحة في خطبة الجمعة، خصوصاً في الجانب اللغوي الذي يتسم لديهم بالضعف، ناهيك عن الأخطاء النحوية فحدث عنها ولا حرج.. فأين هؤلاء من علمائنا الكبار وأئمتنا العظام؟!، أما الكليات العلمية فى جامعة الأزهر فإنني أقترح فصلها تحت مسمى الجامعة الإسلامية، بحيث تقبل أيضا طلاب الثانوية العامة ويكون للأزهر الشريف الإشراف الديني على مقرر واحد فيها يدرسه المتقدمون إليها من مسلمين ومسيحيين، فالتعليم ينبغى أن يكون كالماء والهواء كما قال عميد الأدب العربي طه حسين منذ عشرات السنين، وبينما تكون الدراسة في جامعة الأزهر بكلياتها الدينية العريقة قاصرة على الحاصلين على الثانوية الأزهرية، فإن القبول في الجامعة الإسلامية يكون متاحاً للمسلمين والأقباط، شريطة قبولهم بدراسة مقرر مستمر حول التاريخ الإسلامي وتراثه في خدمة العلم والإنسانية، ويكون لجامعة الأزهر الإشراف على ذلك المقرر الذي يمضي بالتوازي مع العلوم الحديثة في كلياتها المتخصصة.


لكن دخول المسيحي للدراسة في جامعة الأزهر، قد يراه البعض مطلباً غريباً، تعليقك؟


لماذا .. لم يُمنع الأقباط المسلمين من دخول المدارس القبطية، لقد تخرج فيها عبد الخالق ثروت وتخرج فيها أنور السادات وغيرهما، التعليم كـ”الماء والهواء”، وأتساءل هل لو سقط شخص في حادث أمام المستشفى القبطي وكان مسلماً لا نُدخله المستشفى القبطي؟، بالطبع لا، وهل لو وقع حادث لمسيحى أمام مستشفى المواساة الخيرية الإسلامية في العجوزة لا يدخل المستشفى؟، من الذي قال ذلك؟ .. أنا رأيت إحدى الكنائس مُتعاقدة مع صديقي الراحل الدكتور محمد أحمد نور الدين خلافاً لكل الأطباء الأقباط، حيث كان أستاذاً للطب، وكان معنياً بالأطفال رغم أنه أستاذ تشريح، السلع الجيدة تفرض نفسها، ألا يذهب المسلمون لأبرع الأطباء المسيحيين، من هو مجدي يعقوب الذي نعتز به ونُفاخر، من هو بطرس غالي الذي نعتز به ونُفاخر، من هو رمزي يسى، كلما رموز في الطب والسياسة والفن، المصريون سواء، هل هناك فارق بين العالم المصري الدكتور أحمد زويل والدكتور فاروق الباز والدكتور مصطفى السيد، وبين الأعلام القبطية من مصر.. كلهم أعلام مصريون ينتسبون لها ويحملون علمها.


الرئيس السيسي أثار أكثر من مرة مسألة “تجديد الخطاب الديني”.. من وجهة نظرك كيف يتحقق ذلك من منطلق معطيات التعليم الديني بمصر وتطوراته وتأثيراته على الحياة والمجتمع؟


التعليم الديني في مصر تضخم حجماً؛ لكنه انخفض نوعاً، فلم تعد كفاءة الداعية ولا إمكاناته العلمية والثقافية قادرة على مواجهة ظروف العصر ومشكلاته، ولقد أفزعني أن جامعة الأزهر وحدها تضم أكثر من ٦٠٠ ألف طالب، وأن لديها أكثر من ٧٥ كلية في أنحاء الجمهورية، والمُلاحظ هُنا أنه رغم هذا العدد الضخم فإن القُدرة على مواكبة روح العصر وأفكاره وتحدياته والتصدي للغة التشدد والغلو والتعصب وما وراءها من عُنف وإرهاب تبدو غائبة إلى حد كبير، لأن التعليم الديني لا زال تقليدياً رغم كل مُحاولات التحديث وجهود الأئمة الكبار، وعلى رأسهم الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف.


ولو تطرقنا إلى السلم الهرمي للتعليم الأزهري، نجد الطالب يلتحق به حتى الثانوية الأزهرية ثم يتجه المتفوقون والمتميزون إلى الكليات العلمية من “طب وهندسة وصيدلة وعلوم وغيرها”، ويبقى أولئك الذين لم يحصلوا على مجموع يؤهلهم لتلك الكليات، فيتجهون إلى التعليم الديني، وكأن كليات الأزهر الشريف الأصلية أصبحت تستقبل في الأغلب بقايا من الحاصلين على الثانوية الأزهرية، وبذلك انخفضت تلقائياً المستويات العلمية لتلك الكليات التقليدية وهي “أصول الدين والشريعة واللغة العربية والدعوة والدراسات الإسلامية وغيرها”، وذلك لأننا في جامعة الأزهر نستهين بالغرض الأساسي لهذه الجامعة، وهو التعليم الديني ونجعله دون أن نشعر في الدرجة الثانية، بينما هو الهدف الأسمى والغاية التي لا يجب أن تعلو عليها غاية أخرى، ثم نتباكى بعد ذلك على انخفاض مستوى معظم الخريجين، وفقر قدراتهم الفكرية وانخفاض درجة إلمامهم بالمعارف العامة والعلوم الحديثة، بينما كانت كليات الأزهر التقليدية، هي دُرة التعليم الإسلامي في العالم كله، ونتذكر أسماء مثل “الشعراوي والغزالي وسيد سابق ومحمد البهي ومحمود زقزوق وأحمد الطيب وعلي جمعة”, وغيرهم عشرات من الكواكب الساطعة في عالم الدعوة الإسلامية والنجوم الزاهرة في علوم الشريعة والفقه واللغة.


وجمال عبد الناصر عندما أصدر قانون الأزهر بشكله الحالي كان يسعى لوجود الداعية الإسلامي المُتخصص في علوم الدنيا حتى يتمكن من مواجهة الحملات التبشيرية التي غزت إفريقيا في القرن الأخير، ولكن للأسف ذلك الهدف لم يتحقق، وأثبتت التجارب أن العنف والإرهاب أشد خطراً على الإسلام من دخول الوثنيين في ديانة سماوية أخرى، فالإرهاب داء العصر الذي “ينخر كالسوس” في جسد الإسلام الحنيف، ويشوه صورته ويعبث بمكانته وهو ما يستدعي بالضرورة ظهور الداعية الأزهري المُتمكن من الأفكار النقلية والحجج العقلية، الذي يتحدث في ذات الوقت بلغة أجنبية.


وإذا كنا نتحدث عن مبادرة الرئيس السيسي نحو تحرير الخطاب الديني وإطلاقه لخدمة الدين والمجتمع معاً، ولدرء المخاطر عن العالم الإسلامي وشعوبه، فإن الخطوة التي اقترحتها منذ سنوات تظل بداية مطلوبة للدخول في مضمون الخطاب الديني وجوهره وفحواه، فلا تجديد للخطاب الديني بغير داعية مُتمكن ومُستنير ومؤثر.


هناك من يرى أن هناك مؤامرات تتم الآن على مصرهل هذا حقيقى؟


بالتأكيد، هناك مؤامرات تتم، وكل من يُحاول أن يضرب مصر لا يأتيها إلا من هذه النقطة أي الفتنة الطائفية، ويعتبرون أن هذه النقطة “الهشة” أحياناً يُمكن أن يخترقوها في ظل التطرف الحادث في الدين الإسلامي والمُغالاة في المسيحية على الجانب الآخر.. إنني أدعو الجميع إلى أن يؤمنوا أن الوطن أهم وأكبر من كل هذا، فالوطن مُستقر في أعماق الإسلام والمسيحية، ومصر ذُكرت في العهد القديم والعهد الجديد والقرآن الكريم، ولم يُغفل أحد ذكرها أبداً، وفكرة الوطن عند النبي محمد صلي الله عليه وسلم فكرة واضحة وليست “تائهة” مثل ما يدعي “الإخوان”، لأنه عندما أخرج الرسول من مكة نظر إليها، وقال “والله إنك لأحب بلاد الله إلى، وأحب أرض الله إلى، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت”.


دعنى أسألك كيف كانت الأحوال بين المسلمين والأقباط فى الماضى؟


أريد أن أُذكر الجميع بالعبارة البليغة التي قالها اللورد “ألبرت جورسيت” وكان قد أصبح المُعتمد البريطاني بعد “اللورد كرومر”، قال: “لا تتحدثوا عن اختلاف ديني في مصر، ولا صراعات طائفية، إنني لم أر إلا مصريين يذهب بعضهم للكنيسة يوم (الأحد) ويذهب البعض الآخر إلى المسجد يوم (الجمعة)؛ ولكن لا فارق بينهم”، ولذلك اتجه الإنجليز إلى الاعتماد على العناصر الشامية، بعد أن يئسوا من أن يكون الأقباط مُوالين لها، وهل ننسى الجنرال يعقوب أثناء الحملة الفرنسية عندما رفضته الكنيسة وأعلن البابا سحب البركة منه واعتبره خارجاً عن الكنيسة ومات في عرض البحر عائداً معه وألقوا جسده للأسماك، وهل ننسى بطرس الجولي الذي كان بطرك الأقباط في الربع الأول من القرن الخامس عشر عندما جاءه مبعوث القيصر، وقال له: إن “القيصر يريدكم أن تكونوا تحت حمايته باعتبارهم أرثوذكس مثل الكنيسة الروسية”، قال له: قول لي يا جناب القنصل “هل يموت القيصر مثلما يموت الناس أم أنه أبدي سرمدي؟”، قال له: “لا، يعيش ويموت”، فرد عليه قائلاً: “نحن في رعاية الحي الذي لا يموت في رعاية الله، في رعاية الرب”.


هذه هي مصر، مصر التي فجر فيها سينوت حنا نفسه بيده مصر التي تطوع فيها عريان سعد لاغتيال يوسف وهبه حتى لا تحدث فتنة طائفية، وبحيث يكون القاتل والمقتول من دين واحد، وانتزع بذلك فتيل الفتنة الطائفية من البلاد، مصر هي التي قال فيها واصف نجل بطرس غالي “إنني أحل الجميع من دم أبي من أجل الوطنية المصرية”.


فلنتوقف الآن عن الصراع ونُفكر في مستقبل البلاد، هذه هي مصر التي يجب أن تكون، مصر هي التي انتفض فيها بطرس غالي الكبير الذي يتحدثون عن خيانته ظلماً ضد الخديوي عندما عزل الشيخ سليم البشري من مشيخة الأزهر الشريف، ومكرم عبيد كان أحد مفكري حقبة الخمسينيات ووزير مالية مصر الأسبق، وكان رمزاً من رموز الدولة المصرية، وهو قيمة كبيرة فى تاريخ مصر لأنه خرج عن نطاق الطائفية، و”عبيد” هو صاحب الكلمات والعبارات التي تبدو كالحكم المأثورة فى تاريخ الوطن، مثل: “مصر ليست وطن نعيش فيه بل وطن يعيش فينا” التي كان يرددها باستمرار الراحل البابا شنودة الثالث.


الرئيس السيسي ماذا يفعل إذاً حيال تلك الفتن التي تتكرر تحدث من وقت لآخر؟


الرئيس السيسي رجُلُ سمعته بأذني يقول: “ضعوا أنفسكم مكان الأقباط، هم مصريون وأشقائنا ومسئولون منا، ولو أنني كنت في وضعهم وتعرضُت لظلم، لشعرت بما يشعرون به، إنهم جُزء من دمنا ولحمنا”.. هذه العبارات سمعتها بأذني من الرئيس السيسى، لذلك فليطمئن الأقباط, أنه الرئيس الوحيد الذي زار الكاتدرائية المرقسية مرتين في عامين متتاليين، في سابقة لم تحدث في التاريخ المصري.


ولا في عهد جمال عبد الناصر؟


ولا في عهد أي رئيس مصري، حدث في عهد عبد الناصر أنه ذهب لافتتاح الكاتدرائية فقط.


وماذا عن علاقة عبد الناصر وأنور السادات بالأقباط؟


علاقة عبد الناصر بالأقباط هي جزء من علاقته بكل المصريين مسلمين وغير مسلمين، فلقد سعى عبد الناصر إلى تحييد دور الدين في السياسة، واعتباره علاقة روحية خالصة بين الفرد وخالقه دون الزج بالعقيدة الدينية في أتون الصراع السياسي أو الجدل القومي، وعبد الناصر هو الذي ألغى المحاكم الشرعية وحل الوقف الخيري، ومضى في مواجهة حادة مع جماعة الإخوان المسلمين مرتين في عامي ١٩٥٤ و١٩٦٥، وهو الذي قاوم سياسة الحلف الإسلامي خارجياً، وقداسة البابا كيرلس السادس كان جزء لا يتجزأ من نظرته الشاملة للمسألة الدينية، وهى تنطلق من طرح قومي عام لا يستند إلى موقف ديني خالص.


وقد عمل عبد الناصر على الاستفادة بعدد من الرموز القبطية في العمل فى المناصب العليا الوزارية بدءاً من جندي عبد الملك مروراً بكمال رمزي استينو، وصولا إلى كمال هنري أبادير، والبابا شنودة الثالث ذكرأن بداية التقارب بين عبد الناصر والكنيسة القبطية جاء بعد نكسة ١٩٦٧، وفي هذا الإطار يقول البابا شنودة عن الرئيس جمال عبد الناصر «يُفكر في البلد دون تفرقة بين مسلم ومسيحي، فلما قام بالإجراءات الاجتماعية من تمصير وتأميم كان يفكر في البلد لا في الطوائف والأديان كانت سياسته وطنية»، وهذا كان رداً على أن عدداً من أغنياء الأقباط كان قد تعرض للتأميم فى ذلك الوقت.


ورغم وجود خلافات بين البابا شنودة والرئيس أنور السادات علينا أن نستوعب ما ذكره بعض قيادات الجيش من المسيحيين كاللواء فؤاد عزيز غالى قائد معركة القنطرة الذى صار محافظاً لشمال سيناء بعد حرب اكتوبر»أن السادات غير مُقتنع أبداً أن يكون إنشاء الكنائس طبقاً للقرار الهمايوني»، وأن الرئيس اجتمع بالقيادات المسيحية، وعند نهاية الاجتماع قال لممدوح سالم: أرسل فوراً إلى جميع المحافظين باسمي بأني لن أسمح أبدا بالاعتداء على كنيسة في مصر، وأنه سيفصل المحافظ الذي لا يستطيع منع ذلك, جميعاً مسلمون ومسيحيون يعيش هذا الوطن فيهم، ولقد ذكر البابا شنودة «أنى أرفض تماماً فكرة تدخل الأجانب في شئوننا الداخلية تحت أي إدعاء وبأي حجة, وهذا موقف قبطي قديم»، ووقفت الكنيسة ووقف الأقباط حين أرادت بريطانيا التدخل فى شئون مصر تحت ستار حماية الأقليات, فكان الأقباط أول الرافضين للتدخل، وقالوا أنهم في وطنهم ووسط شعبهم لا يحتاجون حماية خارجية، وقالوا أن بعض أقباط المهجر ينشرون كلاماً لا نوافق عليه، ونرى أنه يضر ولا ينفع ويفعلون ذلك دون استشارة الكنيسة .


 



آخر الأخبار