المنيا: محافظة التطرف والعنف والمبادرات الشبابية المنسية

27/07/2016 - 2:06:07

سليمان شفيق

يتواصل العنف الطائفى فى المنيا بوتيرة تنبئ بالخطر، بعد فض الاعتصامات الإرهابية فى رابعة والنهضة، بلغت خسائر الوطن فى المنيا ٨٠٪ من محاكم وأقسام ومؤسسات الدولة، وتم التمثيل بأجساد ضباط وأفراد الشرطة فى سمالوط ومطاى، جنبا إلى جنب من استحواذ المنيا على ٧٠٪ من الكنائس التى حرقت ونهبت او اتلف بعض منها على مستوى الوطن، وبعد ذلك وحتى الآن بلغت احداث العنف الطائفى (وفق تقديرات الباحث إسحق إبراهيم ٧٧ حادثا من يناير ٢٠١٤ وحتى الآن) بمعدل حادث كل ١٢ يوما تقريبا!!


الغريب أنه ولا حادثة من تلك الحوادث انتهت قانونا أمام القضاء، بل من يرجع إلى صفحة المحافظة يرى أن الحلول العرفية كانت السائدة، وللأسف يحضرها ممثلون للتنفيذيين والشرطة وبيت العائلة مما جعل المجرمين يفلتون من العقاب وهيبة الدولة تتراجع.


المنيا التى لايعرفها احد تضم اكبر تجمع مسيحى فى الشرق الاوسط (المنيا حوالى ٦ملايين مواطن ٣٥٪ منهم مسيحيون، يشكلون أكثر من ٥٠٪ من الطبقة الوسطى والمهنيين، وترتفع حيازات المسيحيين وممتلكاتهم من الثروة المنياوية إلى اكثر من ٣٥٪، ولمن لا يعرف نشأت أفكار التكفير القطبية على يد شكرى مصطفى فى جبال أبو قرقاص منذ نهاية الستينيات من القرن الماضى، وتمت إدانة جماعته التكفير والهجرة باغتيال الشيخ الذهبى وزير الأوقاف عام ١٩٧٨م فى محاكمة عسكرية وانتهت بحكم الإعدام شنقاً لخمسة من المتهمين وكان منهم شكرى مصطفى، بعد أن كان الذهبى قد انتقد فى إحدى المناسبات فكر جماعة شكرى مصطفى بسبب إحساسه بخطورة هذا الفكر وعظم مخالفته للعقيدة الإسلامية.


منذ ١٩٧٧ وحتى الآن مرت المنيا بثلاث مراحل : ١٩٧٧ـ ١٩٨١وكانت الجماعة متسيدة الإرهاب بالصعيد، وبعد مقتل الرئيس السادات تقهقرت الجماعة من أسيوط إلى المنيا كون قادتها الاكثر عنفا، حينذاك من المنيا، عاصم عبد الماجد، كرم زهدى، فؤاد الدواليبى وآخرين، وتمت إعادة التأسيس الثانى للجماعة فى المنيا وسيطروا عبر مسجد الرحمن بجنوب المدينة وكانوا يطبقون الحدود «عينى عينك» ويفرضون الجزية حتى ١٩٩٠، لتبدأ المرحلة الثالثة من ١٩٩٠ حتى المراجعات.


فى تسعينيات القرن الماضى بدأ الاخوان المسلمين يستقطبون بعض قادة الجماعة مثل محيى الدين أحمد عيسى والمهندس أبو العلا ماضى الخ، لتبدأ مرحلة الإخوان حتى صفقة ٢٠٠٥ بين نظام مبارك والتى اعترف بها (العادلى ـ عاكف)، وليظهر نجم سعد الكتاتنى ويصير نائب الدائرة، وصولا لثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، وتحالف الإخوان والسلفيين والجماعة وحصولهم على ٨٠٪ تقريبا من الأصوات، وحيازة المجرم محمد مرسى على ٧٨٪ من أصوات الناخبين فى المنيا، وتوغلهم واستيلائهم على الكثير من المناصب والنقابات الخ وحتى الآن.


أعتقد أنه لا يوجد من بعد محمد على، حاكم مصرى، سوى السيسى الذى استلم دولة ذات مكانة فى قرون وسطية ومتخلفة، ما تبقى من دولة مبارك وولده، كانت مملوكية، مكنت الفساد وثقافة الكراهية، ذلك العصر الدامى دفع الأقباط سنوياً، «أكثر من ٥ قتلى، ٢٧ جريحا، ٣ اعتداءات على كنائس، ونهب وحرق وإتلاف ممتلكات ٤٦ قبطياً»، والمدهش أنه لا تعويضات دفعت، ولا قدم متهمون للمحاكمة «باستثناء الكشح والكمونى فى نجع حمادى»، وهكذا كانت تبنى الكنائس بدماء الشهداء والجرحى ودموع المصلين، وتم ابتكار الحلول العرفية، ولم يكن أمام الأقباط سوى التصالح من أجل الصلاة وحقن الدماء، وبالتأكيد أنه أن كان الرئيس السابق السادات قد شرعن لوجود الجماعة غير المشروع على هامش المجتمع المدنى، فإن عصر الرئيس السابق مبارك قد أدى لتمكين الجماعة سياسيا عن طريق عقد الصفقات المتبادلة بين النظام والجماعة مثل صفقة دخول ٨٨ عضوا من جماعة الإخوان فى البرلمان المصرى ٢٠٠٥، التى اعترف بها قيادات جماعة الإخوان فى أكثر من حوار معلن، وعلى الصعيد الاقتصادى ووفق قضايا غسيل الأموال فقط، بلغت الأموال المغسولة مليارات، ووفق تقديرات للباحث سيطر الإخوان على ٥٥٪ من تجارة العملة، و٢١٪ من تجارة التجزئة، وعلى صعيد المجتمع الأهلى ارتفعت نسبة الجمعيات والمؤسسات الأهلية الإخوانية فى عصر مبارك من ٢٪ إلى ١٢٪ من العدد الكلى للجمعيات فى مصر، علما بأن الجمعيات الإسلامية، وفق تقديرات التضامن الاجتماعى ٢١٪، والمسيحية ٩٪، علما بأن القانون لا يسمح بالعمل فى الدين أو فى السياسة! ويضاف إلى ذلك أن الجمعيات الدينية الإسلامية حصلت على أكثر من ٢٨٪ من التمويلات الأجنبية الممنوحة للجمعيات فى التسعينيات من القرن الماضى وفى المنيا فقط ٣٠٪ من جمعيات الإخوان ومعاهد السلفيين، وإن كان الاخوان قد استحوذوا على الوظائف الحيوية فإن منابر ومعاهد السلفيين خلقت ثقافة تكفير الاقباط وفتاوى عدم جواز بناء الكنائس فى ديار الاسلام.. بدون تلك الخلفية لانستطيع أن ندرك لماذا المنيا .


الفجوة الكبرى بين دولة القانون ودولة الدينيين:


فجأة تحولت وسائل التواصل الاجتماعى الفيس إلى ساحة لتسخين الأقباط، ومحاولة دفعهم للخروج من تحالف ٣٠ يونيه، وأدان كثيرون الكنيسة، واعتبروا أن بياناتها والدير فيها شبهة تواطؤ مع الحكومة! بالطبع هناك أسباب موضوعية لفقدان الثقة من قبل قطاع من الأقباط، منها مثلا: أحداث الكرم وما ارتبط بالإفراج عن المتهم الأول فى الأحداث، الذى نسب إليه «تعرية السيدة»، والافراج عن كل المتهمين، وحرق أربعة منازل باللوفى فى سمالوط بالمنيا بعد شائعة بناء كنيسة.. إلخ. حدث ضغط على الضحايا فى العامرية واللوفى لإجراء مصالحة بعيدا عن القانون، وبالفعل تمت الجلسة العرفية فى العامرية، ورغم أن من ضمن الضحايا فى اللوفى الاعتداء على ضابط شرطة، وتحطيم سيارة الشرطة، فإنه للأسف وفى المصرى اليوم بتاريخ ١/٧ نشرت: «من جانبه، كلف المحافظ اللواء طارق نصر، بيت العائلة بالتحرك والانتقال للقرية ولقاء الجانبين، واحتواء وتهدئة الموقف وإنهاء الأزمة.. فيما أعلن الشيخ محمود جمعة، أمين عام بيت العائلة، الانتقال إلى القرية، ولقاء العمدة حاتم أبوزين، وبعض الأهالى لعرض المشكلة والحلول المقترحة لإعادة الاستقرار». تصوروا المحافظ ممثل السلطة التنفيذية يوكل لـ«بيت العائلة» القيام بالحلول العرفية بديلا لدولة القانون!! فى الوقت الذى أصدرت فيه مطرانية سمالوط بيانا رفضت فيه الحلول العرفية، وجددت فيه مطالبها بالموافقة على طلبها المقدم من ٢٠٠٧ ببناء كنيسة فى القرية. حدث ذلك فى وقت تحارب فيه دولة السيسى على كل الجبهات حماس وجند الله شمالا، وأنصار بيت المقدس من سيناء وحتى القاهرة وداعش غربا، والإخوان شرقا وجنوبا، وتدفع القوات المسلحة والشرطة والأقباط الشهداء يوما بعد يوم، ونحاول إعادة بناء النظام السياسى الذى اهترأ فى الثلاثين عاما الماضية، وبصراحة هناك فجوة بين الحداثة ودولة القانون التى يدعو اليها الرئيس السيسى وبين القوى القديمة وأفكار التكفير التى اخترقت مكونات ممثلى الاجهزة التنفيذية المحلية، وهيمنة هؤلاء على مقاليد المؤسسات التحتية فى المنيا من عمد ومشايخ ونواب وضباط من صغار الرتب، وسط فراغ حقيقى فى الجامعة والجمعيات الاهلية، وغياب شبه تام للاحزاب والقوى السياسية الامر الذى لم يجد فيه المسيحيون سوى الكنيسة ونيافة الانبا مكاريوس لتمثيلهم والدفاع عنهم، وبالطبع قبل الرجل المهمة مرغما لانه على سبيل المثال فى واقعة سيدة الكرم ذهب اهالى القرية من المسيحيين إلى مركز شرطة ابوقرقاص للتحذير فلم يسمعهم احد، وبعد الاحداث ظل الامر طى الانكار حتى تدخل الرئيس السيسى وادلى بتصريحه الشهير حول ضرورة تطبيق القانون ومايشبه الاعتذار للسيدة سعاد، فتحركت الاجهزة ثم تحت ضغوط القوى القديمة والمتطرفين تجرى محاولات لتفريغ القضية من مضمونها، وليس ادل على ذلك من أن المتهمين المفرج عنهم فى احداث الكرم هتفوا ضد الدولة والرئيس!!


ما العمل ؟


هناك مبادرات شبابية منياوية تتصدى للتطرف والإرهاب والفساد، لا احد يعرفها، تعرفت عليهم فى الحملات الانتخابية لمجلس النواب، وكتبت عنهم اكثر من مرة دون اى ردود افعال، مثلا مؤسسة «حلم جيل» بالمنيا التى التف حولها المسلمون والمسيحيون، البنات والشبان، من فئات مجتمعية مختلفة، فلاحون وعمال وطلبة ومثقفون ومهمشون حول المرشح جون بشرى فى حملته الانتخابية، يقودهم معه إسلام عاطف فولى وجورج الكفورى وبشوى إسحق ومروة ناصر، ومن رحم التحدى وبإخصاب من الحلم ولدت فكرة تأسيس مؤسسة «حلم جيل» لاستكمال المسيرة من أجل تأهيل الشباب للمشاركة بالعمل السياسى وإعداد قيادة شبابية


وكانت المؤسسة نظمت مؤتمرا من ستة شهور.. حول كيفية مناهضة التطرف والفساد تحت رعاية اللواء أحمد جمال الدين مستشار الرئيس لشؤون الأمن ومكافحة الإرهاب.


وفى مبادرة اخرى منذ شهر قامت تلك المؤسسات مع مؤسسة «خطوة للمستقبل» بتدريب اكثر من خمسين شابا وشابة مسلمين ومسيحيين، حول كيفية معرفة «الانذار المبكر» للاحتقان الطائفى، وتمت معرفة: أبرز المشكلات التى تؤدى إلى التوترات والاعتداءات الطائفية، ومنها:


- تراجع التعليم، ومناهجه التى تحتوى على نصوص تكفر الآخر وتحتقره، مع غياب الرقابة على أداء المدرسين، مما يشجع على بث التعصب بين النشء خصوصا فى المدارس الفنية.


- غياب الوعى، وعدم تواجد دور لمؤسسات تنمية الثقافة، أدى لنشر الأفكار المتطرفة والتى تستغل الجهل بالآخر للتحريض ضده والتقليل من شأنه.


- البطالة وعدم وجود فرص عمل، وهو ما يسهل تجنيد الجماعات المتطرفة للشباب فى ظل حاجة الشباب للمال والمكانة فى المجتمع لاسيما فى ظل تهميش الشباب، ووجود عائلات محددة مسيطرة على المناصب القيادية فى المحافظة.


- عدم وجود مجالات مشتركة للتفاعل الاجتماعى بين الطرفين، وهو ما يشجع الانعزالية والتمييز لدى المسيحيين، ويزيد من مخاوفهم من الاندماج.


- الأفكار المغلوطة السائدة عن عدم المساواة بين المسيحيين والمسلمين، نتيجة أفكار دينية مغلوطة وبعضها نتيجة وضع اجتماعى تاريخى، ومازالت لها أصداء بين بسطاء المسلمين خصوصا فى الريف.


وتم عمل تدريب تأهيلى لـ(٥٠) شابا لتدريبهم على (آليات رصد المشكلة


وآليات فض النزاع ) وتم تكوين فريق عمل للإنذار المبكر.


بالطبع لم يهتم احد بهذه المبادرات، ولا بهؤلاء الشباب، لامن الحكومة والوزارات المختصة ولا من الاحزاب ثم يحدثونك عن التطرف فى المنيا!!


كما يوجد التطرف فى أوساط بعينها، يوجد هؤلاء الشباب وتلك المبادرات المنسية، هل تهتم وسائل الاعلام المختلفة بتلك الطاقات التى تشكل طاقة نور فى المنيا؟ هل يمكن تبنى هذا الملف من وزارة الشباب والمسئولين على المشروع الرئاسى للشباب ؟