معدومو الدخل.. فقراء الريف أين هم من تحقيق المصور رغم مهنيته العالية؟!

23/09/2014 - 10:41:48

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتب - يوسف القعيد

ما الذى يمكن أن يجمع بين التحقيق الصحفى الضخم: سؤال إلى السيسى: الغلبان ازاى يعيش؟ حال الناس اللى عايشين تحت الأرض. وبين الحوار المهم الذى أجراه المصور مع الدكتور أشرف العربى وزير التخطيط والمتابعة والإصلاح الإدارى. وكان عنوانه: سنواجه الفقر بالمشروعات القومية.


أترك الإجابة على السؤال لذكاء وفطنة القارئ وسأوضحها فى النهاية.


تحقيق الناس التى تعيش تحت خط الفقر. أو الناس اللى تحت بتعبير نعمان عاشور صاحب مسرحية: الناس اللى تحت. ومسرحية الناس اللى فوق. عندما قرر أن يتحدث عن الطبقة الوسطى كتب: عيلة الدوغرى. هذا التحقيق يعيد للأذهان الجمال فى الأداء المهنى الذى يمكن أن يقدمه فن التحقيق الصحفى. وهو الفن الذى انقرض من صحافتنا فى مصر - هنا والآن - وإن كان هناك مبرر لانقراضه من الجريدة اليومية. فإن المجلة الأسبوعية هى المكان الطبيعى للتحقيق الصحفى الكبير الذى كان رائجاً فى صحافة الستينيات والسبعينيات وجزء من الثمانينات.


جهد مبهر وجميل يعيد للعين متعة القراءة. رافقته صور جيدة وكنت أتمنى لو أنها نشرت كلها بالأبيض والأسود. فلا داعى للألوان عندما يكون الكلام عن الذين يعيشون بهذه الظروف القاسية والصعبة والمعقدة. حيث يبدو الاستمرار فى الحياة. مجرد الاستمرار بطولة من النوع النادر. والصور الملونة أصبحت جزءاً من صحافة المجلة الأسبوعية أو الشهرية. لكن أحياناً فإن صور الأبيض والأسود تكون مطلوبة لذاتها. تماماً مثل الأفلام التى يتم تصويرها بالأبيض والأسود لهدف أساسى يعمد إليه المخرج. وهو ما فعله المخرج الفنان محمد فاضل مع فيلمه: ناصر 56.


لكن ما قاله أشرف العربى عن الفقر فى مصر لفت نظرى إلى تقصير وقع فيه المصور عندما قصر تناوله على فقر المدن وتجاهل فقر الريف. قال أشرف العربى أن الفقر فى مصر ظاهرة ريفية فى الأساس. و70% من الفقراء يعيشون فى الريف. خصوصاً فى الألف قرية التى حددتها الدولة بوصفها الأكثر فقراً.


وقال إن مشكلة الفقر فى مصر أن أغلب المواطنين يعيشون حول خط الفقر إما تحته مباشرة أو فوقه مباشرة. فلو زادت الأسعار شيئاً بسيطاً جداً سيقع كل من بالقرب من أعلى خط الفقر إلى أسفله. فلو افترضنا أن معدل الفقر 40 أو 50%، فمصر بها 20 مليون أسرة و50% معدل الفقر سنجد أن هناك عشرة ملايين أسرة فقيرة. فى حين أن هناك 18 مليون أسرة يحصلون على السلع التموينية. وإذا ربطنا الأسر التى تحصل على السلع التموينية بملكية السيارات. سنجد أن هناك ممن يصرف تلك السلع من لديه سيارة أو اثنين وأحياناً ثلاثة.


إذن فالفقر ظاهرة ريفية. كما قال أشرف العربى. ولذلك أتصور أن تحقيق الفقراء كيف يعيشون ومن أين يعيشون وكيف يستمرون فى الحياة. أتمنى أن يكون له جزء ثانٍ فى القرى الأكثر فقراً، النائية والبعيدة التى لا تصلها الكهرباء ولا تدخلها المياه. ويعيش فيها الناس على هامش الدنيا، وهم الفقراء الحقيقيون فى مصر الآن.


هذا الكلام لا يقلل من جهد التحقيق الذى نشره المصور فى العدد الماضى. ففيه إلى جانب المهنية العالية تلك القدرة الفريدة على أن يذوب الفرد على طريقة الكل فى واحد. فما أكثر المحررين الذين اشتركوا فى التحقيق. وما أكثر عدد المصورين الذين قاموا بالتصوير.


لكنى كنت أتمنى أن يكون النصف من عشوائيات المدن. والنصف الآخر من عشوائيات القرى. خاصة القرى التى صنفناها بأنها تعيش تحت خط الفقر. ففيها من يستحقون أن ننظر إليهم وأن نصورهم وأن نكتب عنهم وأن نهتم بهم. فيكفى أنهم يعيشون فى قرى على "شمال السما". ولا يجب أن يضاف لبعدهم إهمالنا لهم وتعاملنا معهم وكأنهم لا وجود لهم.


علينا أن ندرك أن سبل الحياة أضيق فى القرى عنها فى المدن. وأن القدرة على التحايل على المعايش فى المدن أمامها وسائل كثيرة. إذا ما قورنت بالقدرة على التحايل فى القرية المصرية. أيضاً فإن الحياء فى القرية يجعل الفقير ينزوى بفقره ويحاول أن يبعده عن الآخرين بحثاً عن الستر. فلا يوجد التباهى بالفقر الذى ربما وجدناه فى المدينة. هذا على الرغم من أن فقراء المدن فى معظمهم - إن لم يكن كلهم - من الذين هاجروا من القرى إلى المدينة هجرة عشوائية استغلت تراجع الدولة وعدم إدراكها لدورها. وأيضاً حرمان القرى من أبسط وسائل الحياة اليومية.


أعرف أن القرية تعيش على فكرة التكافل الاجتماعى. وهى فكرة تبخرت من حياة المدينة. والتكافل الاجتماعى يقلل كثيراً جداً من إحساس الفقراء بفقرهم فى القرية المصرية. ولكن التكافل الاجتماعى تراجع كثيراً فى القرية. بل والحياء الاجتماعى لم يعد له وجود. والقرية مثل من رقص على السلم. لا وصل أهله إلى المدينة. ولا استطاعوا البقاء فى القرية. وهذا ما يجعل من فكرة الفقر فى القرية فكرة تراجيدية مأساوية تتعدى ما نراه فى أفلام ومسلسلات الميلودراما المصرية.