الأقباط والسيسى والمواطنة

27/07/2016 - 2:02:37

بقلم - جمال أسعد

فى الاحتفال بتخريج دفعات للكليات والمعاهد العسكرية يوم الخميس الماضى ٢١/٧ تحدث الرئيس السيسى تعليقاً على تكاثر وازدياد وتكرار الأحداث الطائفية التى تحدث ولا زالت، خاصة فى المنيا وبنى سويف والعامرية بالإسكندرية.


وهنا لا نتحدث عن المشاكل التى تحدث بين المصريين سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين فيما يخص المشاكل الحياتية التى تحدث طوال الوقت بين مصرى ومصرى أياً كانت الديانة، ولكن نقصد تلك المشاكل والأحداث والاعتداءات التى تحدث بين مسلمين ومسيحيين بخصوص أسباب تمت إلى الدين أو الطائفة مثل بناء الكنائس أو الاعتداء بسبب الدين، قال السيسى: «إنه من العيب أن نتحدث عن مسلم ومسيحى فى أى مشكلة، حيث إن القانون هو الفيصل والذى يفصل بين المصريين بداية من رئيس الجمهورية حتى أى مواطن، فالمسيحيون لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وأنه على الجميع أن يشعر بخطورة المشاكل المحيطة بنا لكى نتشارك جميعاً فى حلها»، وبالرغم من تلك التأكيدات الرئاسية فهى لا تمثل وجهة نظر خاصة له يمكن أن تتغير بتغير الأحوال أو بتعديل الأمزجة ولكنها وجهة نظر ورؤية تتطابق مع الدستور وتؤكد القانون وتعلن المساواة، فالدستور فى مادته ٥٣ يقول «المواطنون لدى القانون سواء وهم متساوون فى الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين أو العقيدة أو الجنس أو الأصل أو العرق أو اللون أو اللغة أو الإعاقة أو المستوى الاجتماعى أو الانتماء السياسى أو الجغرافى أو لأى سبب آخر».


«التمييز والحض على الكراهية جريمة يعاقب عليها القانون» كما أكدت المادة ٦٤ على «حرية الاعتقاد مطلقة وحرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة لأصحاب الأديان السماوية حق ينظمه القانون»، كما أنه بالطبع لا يوجد قانون يخالف هذه المواد الدستورية، بحيث يفرق بين مواطن وآخر على أى أساس وإلا أصبح هذا القانون غير دستورى.


إذن فما هى المشكلة؟، المشكلة بل الإشكالية هى أن العلاقات المصرية الإسلامية المسيحية بين المسلمين وبين المسيحيين ومنذ دخول الإسلام إلى مصر فى القرن السابع الميلادى لم تخضع لا لدستور أو لقانون فلم يكن هناك فى ذاك الوقت هذه الأشياء ولا تلك المسميات، بل كانت الدول تدار والشعوب تحكم من خلال رؤية الحاكم الخاصة وثقافته الذاتية وتأثير المحيطين به والأهم تأثير عوامل القوى ومصادر السلطة على قرار الحاكم، لما كانت طبيعة الحكم منذ الفتح هى طبيعة دينية إسلامية منذ الدولة الراشدة مروراً بالأموية، فالعباسية وصولاً إلى العثمانية، لهذا لم يكن هناك نظام حكم يلتزم بقواعد محددة تجاه محكوميه غير الرؤية الدينية التى تأثرت وتتأثر بمنظومة الفكر الدينى السائدة فى كل عصر ولكل خلافة وما يخص الدولة وحسب قناعة الحاكم، ذلك لأن الفكر الدينى هو الفكر البشرى والاجتهاد الإنسانى فى تفسير النص الإلهى، فلما جاء الإسلام إلى مصر وكانت قد اعتنقت المسيحية كان بطبيعة الأشياء ومع معطيات الواقع المعاش أن يعتنق المصريون المسيحيون الإسلام ولذا فقد أصبح فى مصر مسلمون من الفاتحين ومن المصريين مع مصريين مسيحيين تمسكوا بمسيحيتهم، هنا تعامل الحكام مع من تمسكوا بدينهم معاملة الأغيار أو فى أحسن الأحوال معاملة أهل الكتاب.


ولكن كانت المعاملة فى كل الأحوال من منظور فكر دينى منه ما يتوافق مع صحيح الدين ومع مقاصد الدين العليا مثل قصة موقف عمر بن الخطاب مع ابن عمرو بن العاص الذى اعتدى على أحد المصريين غير المسلمين وكانت مقولته الخالدة «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً»، وكان هناك أيضاً من يتعامل مع فكر دينى واجتهادات لا علاقة لها بالإسلام وبسماحته، ولكنها رؤى خاصة واجتهادات ذاتية تتوافق فى الغالب مع التركيبة النفسية أو مع الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية لكل حاكم ومدى تأثير أصحاب المشورة عليه، فكم شاهدت مصر وكم عانى الأقباط من معاملة بعض الحكام الذين كانوا يحكمون باسم الإسلام وهم لا علاقة لهم بالإسلام، ولكن يمكن أن نقول بكل موضوعية إن تلك المعاملة كانت لها مبرراتها حينذاك على اعتبار أن لكل زمان اجتهاده ولكل عصر فتاواه حسب ظروف الواقع، فلتكن الجزية مقبولة عندما لم يكن الأقباط محاربين فى جيوش مصر، ولكن هل الآن يمكن الحديث عن الجزية ونحن فى ظل نظام عالمى ومحلى يشارك فيه الجميع بلا استثناء فى الدفاع عنه وفى صنع تقدمه ورقيه، كان يمكن الحديث حينذاك عن وجود الكنائس أو بنائها أو ترميمها وهل يمكن استحداث كنائس من عدمه وذلك فى ظل نظام وظرف دولة إسلامية ممتدة وحاكمة وقادرة وتتعامل مع فكر دينى يحكمه فقه الواقع، فهل الآن هذا الواقع يجعلنا نمارس نفس السلوك ونتبنى نفس الاجتهادات؟، هل يمكن الآن أن نتحدث عن فقه وفتاوى ابن تيمية عندما كانت الدولة الإسلامية تعانى من عنت وقسوة المغول والتتار، حيث إن تلك الفتاوى كانت لمواجهة هؤلاء، فهل كل غير مسلم هم مغول وتتار؟ هذه هى الإشكالية وهى فى من يعتقد ويؤمن ويمارس هذه الأفكار وتلك الفتاوى على أنها هى الفكر الدينى الصحيح والتى لا يجب التنازل عنه، حيث إن ممارسة هذا الفكر وتلك الأفعال ضد غير المسلم هى الإسلام، ولذا وعلى ذلك فالإشكالية الأولى والحالية والتى نشاهدها فى المنيا هى تأثر الشباب المسلم والمواطن المسلم غير المتعمق فى دينه بهذه الأفكار السلفية التى تسقط الواقع ولا تعيشه بل تعود إلى الماضى وتريد أن تستنسخه، مع العلم أن الإمام الشافعى كانت له فتاوى عندما كان فى العراق غيرها عندما حضر إلى مصر وذلك تمشياً مع فقه الواقع الذى يجعل الدين صالحاً لكل زمان ولكل مكان، ولأن المنيا لها ظروفها الخاصة، حيث إن بها نسبة كبيرة من الأقباط غير كثير من المحافظات، كما أن المنيا هى مفرخة الكوادر والقيادات التى شكلت الإسلام السياسى بكل فصائله منذ سبعينيات القرن الماضى، الشىء الذى جعل هناك أثارا وتأثيرا ونتائج لهذا الفكر ولتلك السلوكيات، وأن هذا لا يعنى أن كل من يمارس ذلك السلوك ويأتى بهذه الأفعال هو من كوادر التيار الإسلامى أو يؤمن بهذا الفكر عن دراسة أو معرفة، ولكنه التأثر العام الذى يشكل السلوك فيصبح سلوكاً طائفياً لا يقبل الآخر الدينى وعدم القبول هذا الذى يترجم إلى ممارسات وحوادث طائفية فيعطى صاحبه الإحساس بالذاتية، بل راحة الضمير بأنه يؤدى دوراً دينياً سيكون مقابله الجنة وما فيها، وإلا ماذا يضير المسلم الذى يعرف إسلامه من بناء كنيسة أو تحويل منزل إلى كنيسة فى حالة عدم وجود كنيسة فى القرية أو المنطقة؟ وهل الإسلام يقول ذلك؟ وهل يوجد نص قرآنى يجيز ويدفع إلى ذلك السلوك؟ ولكنه الفكر غير الصحيح الذى يستغل الدين فى غير موضعه والعقيدة فى غير مكانها، وإذا كان هؤلاء ومن لقنهم هذا الفكر يعتبرون هذا يصب فى صالح الدين والعقيدة ألا يدركوا أن الآخر من حقه أيضاً أن يمارس عقيدته التى أرادها له الله؟ وهل فوض الله البشر فى الحفاظ على العقيدة وجعلهم رافضين للتعددية التى أرادها الله سبحانه وتعالى؟ وإذا كان الأقباط يخالفون القانون فى بناء الكنائس فمن من حقه تطبيق القانون؟ هل أصبح هؤلاء هم أدوات الدولة فى ذلك؟ لا شك أن هذا هو السبب الأهم الآن فى تكاثر تلك الحوادث، ولكن أيضاً من المهم أن لا نسقط المناخ الطائفى الذى يفرز سلوكاً طائفياً طوال الوقت ذلك السلوك الذى يهيئ الأرضية لتلك الحوادث ولهذه الاعتداءات، فالمناخ الطائفى وكم قلنا وحذرنا على مدى عقود ثلاثة عن هذا المناخ الذى تكاثرت وتعددت الآن مصادر بقائه.


فالفكر الدينى المتجمد الإسلامى والمسيحى ونظام التعليم وتعدديته الخطيرة والإعلام وسلوكياته الخاطئة خاصة أن كثيراً من القنوات الفضائية الدينية هنا وهناك، غياب دور الأحزاب ومنظمات العمل الأهلى وانعدام الدور الثقافى لكل مؤسسات وزارة الثقافة، فكم تحدث الجميع وطوال الوقت عن الحلول التى تقضى على هذا المناخ وذلك السلوك الطائفى ولكن من يسمع ومن يستجيب؟ الكلام كثير والفعل معدوم، يقولون بيت العائلة، وهل بيت العائلة هذا يكون دوره بعد وقوع الأحداث الطائفية أم قبلها وطوال الوقت من خلال المعايشة والتعايش والتواصل والزيارات والحوارات والندوات والأنشطة المشتركة بين المسلمين والمسيحيين، فالحل الأهم والطريق السليم هو كسر الحواجز وفك العزلة بهذه الأنشطة المشتركة «اللى ما يعرفك يجهلك»، فعلى بيت العائلة أن يعمل بشعار «الوقاية خير من العلاج»، وهنا نأتى إلى قضية كم ناقشناها وعانينا من تبيينها وهى استملاح واستحسان أن تقوم الكنيسة بغير دورها الروحى وهذا الاستحسان محبب إلى الكنيسة وتريده لأنها تريد الزعامة الروحية وغير الروحية والنظام أيضاً يريد ذلك متصوراً بالخطأ أن دور الكنيسة هذا سيزيح عنه بعض الهموم، والكل لا يعلم أن هذا الاستملاح قد أصبح هو بيت الداء لكل الأمراض الطائفية، وجدنا البابا يكرر كثيراً مقولة أن الكنيسة دورها روحى واجتماعى، والمشكلة فى دورها الاجتماعى هذا، فالكنيسة يا سادة قد أصبحت بالفعل للمواطن المسيحى بديلاً متخيلاً للدولة، فالشاب يمارس الدين والسياسة والرياضة والتمثيل والقراءة والأنشطة والمسابقات وحل المشاكل الاجتماعية والأخطر قد أصبحت الكنيسة الآن بديلاً اقتصادياً عن الخارج ففى الكنيسة الآن كل ما تتخيل ولا تتخيل من السلع الاستهلاكية والمعمرة وكل ما تريده تجده فى الكنيسة حتى الكوافير أصبح فى الكنيسة، فقد أصبحت الكنيسة بديلاً لكل ما يريد الشاب ولا يحتاج إلى خارجها شيئاً، ولذا فقد أصبحت الهجرة إلى الكنيسة غاية المنى والارتباط بها ميزة لا يجدها غير المسيحى، كما أن هذه الهجرة وتلك العزلة تجعل المسيحى لا علاقة له بغير المسيحى ولا علاقة له بالمسلم إلا فيما ندر، فماذا تكون النتيجة؟ خاصة عندما يكون هناك قس ورجل دين طائفى متشنج لابد أن يتأثر الشباب بهذا التطرف حتى ولو كان سلبياً والأهم أن هذه العزلة جعلت الكنيسة تتصور أنها المسئول عن الأقباط فى كل شىء، ولذا شاهدنا أسقف المنيا المتحدث الرسمى والمسئول الأول والمدافع المغوار عن الأقباط وكأنه هو الدولة وهم الرعايا، الشىء الذى يكرس الطائفية، ويؤكد العزلة وينمى الغرز، وهنا كيف نتحدث عن حقوق المواطنة؟ وأين المواطنة والكنيسة تتحدث بغير حق عن حقوق أقباط وليس مواطنين مصريين فلا حل طائفى لمشاكل طائفية على أرضية طائفية، ولا حقوق مواطنة لأفراد يتنازلون طوعاً عن مواطنتهم، الدستور والقانون ومحاسبة المخطئ تحصيل حاصل ولكن فى ظلال الطرح الطائفى والعزلة الطائفية لا أحد يستطيع تفعيل دستور أو تطبيق قانون، فعلى السيسى أن يتابع أجهزته بتطبيق القانون وعلى الجميع أداء دوره بضمير وطنى بعيداً عن الاستقطاب الدينى والطائفى، فهذا مقبرة للوطن وللمواطنين والطريق السهل للتدخل الأجنبى الذى يسعى إليه المأجورون المتأمركون أتباع منظمات حروق الأوطان، حمى الله مصر وشعبها من هذه الفتن.