المزاج القبطى حين يتراوح.. هل تأثرت شعبية الرئيس بين الأقباط

27/07/2016 - 2:01:42

د. سامح فوزى

توالى الأحداث الطائفية فى الأسابيع الماضية حمل بين طياته سؤالا، طٌرح على استحياء فى البداية، ثم ألقى مباشرة هو: هل لا يزال الأقباط على سابق تأييدهم الكامل للرئيس عبد الفتاح السيسي؟ ما شعبيته فى وسطهم الآن؟ هل كما كانت مرتفعة، أم اعتراها نقصان؟


سؤال قاس لكن الصراحة تحتم طرحه، لأنه قد يكشف المأزق الذى يعيشه الأقباط، بل المصريين المؤمنين بالدولة المدنية الحديثة، مسلمين وأقباطا.. فقد وقفوا جميعا موقفا صلدا فى مواجهة محاولات تديين الدولة، واختطافها لصالح فصيل سياسى يرفع لافتة الدين، وهم يرون الآن الأمور مختلطة، مضطربة على طريق بناء الدولة الوطنية المدنية الحديثة.. الوقوف فى المنتصف مقلق، ويثير هواجس كثيرة.. دولة مرتبكة تحيط بها الأزمات، وتيار إسلامى معاند يقتات على أزمات الدولة، وينفخ فيها، ويزايد عليها. سمع الأقباط، كما يروى العديد من شهود العيان عقب أحداث المنيا تعبيرا على ألسنة العامة «الدولة لن تنفعكم».. السؤال من روج له، ووضعه على ألسنة الناس؟ يشمت فيهم الإخوان المسلمون «أليس هذا النظام الذى تريدونه، وتجنون المغانم الآن»، كلام متواصل ممنهج على «الفيس بوك»، بينما يريد وكلاء الطائفية فى الداخل والخارج الذين خمدت أصواتهم فى السنوات الماضية استعادة نشاطهم، وكأن المجتمع على موعد فى ظل الأزمات الاقتصادية على مواجهات طائفية، صغيرة، ممتابعة، منتشرة تمزق الجسد الاجتماعى، وتشعل الحرائق التى تقتات على الغلاء، وسوء أداء مؤسسات الدولة، واضطراب البيئة الإقليمية.


هل لا يوجد لدى القائمين على الأمور فى مختلف المناحى “الوعي” و”الإدراك” الكافيين لما يحدث من توترات طائفية، وتأثيراتها السلبية؟ هل لا يدركون أنها مثل «السوس» الذى ينخر فى عظام العلاقة بين الأقباط، وهم من القطاعات الشعبية التى دعمت ٣٠ يونيه ٢٠١٣م والنظام القائم، الذى أزاح الإخوان من حكم البلاد؟ ما المصلحة فى فتح جبهة توترات دينية تتحرك فى طول البلاد وعرضها مثل الرمال المتحركة، تغرق فى براثنها مؤسسات الدولة، وتقف عاجزة أو متواطئة أمام حلها؟


الأقباط ورؤساء مصر


لم يكن الأقباط فى خصومة مع نظام الرئيس جمال عبد الناصر، ويذكر له أن بٌنيت الكاتدرائية المرقسية فى عهده، وعلاقته الوثيقة بالبابا كيرلس السادس، واهتمامه بالمد الوطنى والقومى، وخفوت صوت الإسلام السياسى الذى ينادى بذمية الأقباط، لا مواطنتهم، وتشكلت طبقة وسطى من المسلمين والأقباط فى عهده، لكن كانت هناك جماعات من الأقباط تناصبه الخصومة، من الساسة الذين فقدوا مراكزهم، والرأسمالية القبطية التى تضررت بشدة من سياسات التأميم، وبعض النخب المتعلمة، التى آثرت الهجرة إلى الولايات المتحدة وأوربا فى عهده.


أما الرئيس أنور السادات فقد كانت له تجربة مختلفة، فهو رئيس «دولة العلم والإيمان»، والتى اختتمها بالتأكيد على انه «رئيس مسلم لدولة إسلامية»، وفى عهده تحقق الانفتاح الاقتصادى، الذى استعادت من خلاله بعض النخب الاقتصادية القبطية وضعها الاقتصادي، فى حين اصطدمت سياساته التى تقوم على إذكاء المد الدينى فى المجتمع مع الأقباط، واليسار، وقطاعات من المثقفين، خاصة بعد إبرام اتفاقية «كامب دفيد»، والتحفظ على البابا شنودة فى دير الأنبا بيشوى رهن الإقامة الجبرية قبل أيام من انتهاء حكمه باغتياله على يد عناصر تنتمى إلى الإسلام السياسي.


تولى الرئيس حسنى مبارك مقاليد الأمور فى مجتمع مضطرب، سعى إلى تبريد الأجواء، وتجميد الأوضاع القائمة دون التصدى للمشكلات، واجه الإسلام الراديكالى، وسمح للقوى الإسلامية الأخرى مثل الإخوان المسلمين والسلفيين بالتمدد الاجتماعى والثقافى والسياسى دون عقبات فى غالب الأحيان.


استهدف الإرهاب الأقباط مثلما استهدف المسلمين، ودخل فى أواخر حكمه التيارات الإسلامية السلفية على الخط فى مواجهة مباشرة مع الأقباط فى عدد من المواقع أبرزها الأخوات التى أِشيع إسلامهن، مثل وفاء قسطنطين وكاميليا شحاتة، وغيرهن. لم يتجه مبارك طيلة حكمه لحل مشكلات الأقباط الموروثة، بل سعى للتخفيف منها، مثل منح عيد الميلاد عطلة رسمية، تخفيف الإجراءات المتعلقة بترميم وليس بناء الكنائس، بعض النقاش الإعلامى المفتوح عن مشكلات الأقباط.. وفى كل الأحيان لم يكن الأقباط، إلا نفرا قليلا سواء فى وسط المعارضة السياسية أو الحراك الشبابى القبطى، من المعارضين لنظام حسنى مبارك، ولكن مع توالى الأحداث الطائفية، خاصة التى ختمت عهده فى مطلع يناير ٢٠١١م فى كنيسة القديسين، تحول شعور الأقباط سلبيا تجاهه.


سارت الأمور فى أعقاب ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١م عكس ما تمنته قطاعات واسعة من المجتمع، مسلمين وأقباط، فقد تغلب التيار الإسلامى فى انتخابات برلمانية ثم رئاسية، ورغم محاولاته الشكلية طمأنة الأقباط، إلا أن تدهور أوضاع الأقباط على مستوى المجتمع كانت ملحوظة.


وكان لتحالف نظام الرئيس محمد مرسى مع السلفية الجهادية تأثيرا كبيرا على عدم قدرته ضبط ايقاع العلاقات مع الأقباط، وتقيده الشديد بمواقف حلفائه، ناهيك عن المرجعية المتشددة التى ينطلق منها شخصيا. بالطبع كان الأقباط فى قلب القوى التى انتفضت ضد حكم الإخوان المسلمين فى ٣٠ يونيه ٢٠١٣م، وهو الذى أوغر صدر الحركة الإسلامية تجاههم، أمتدت يد التخريب والحريق لعشرات الكنائس والمنشآت المسيحية نتيجة لفض اعتصام رابعة والنهضة، وساد خطاب سلبى تجاه الأقباط، لم يخفف من وطأته سوى شعور المسيحيين عامة بالخلاص من حكم دينى كان يمكن فى حالة تغلبه أن يفتئت بشدة على حقوقهم، ووضعيتهم كمواطنين، لولا أطيح به، وشعروا أن عهدا جديدا بدأ، ولاسيما أن الخطاب الدينى المتشدد توارى إلى حين، والحديث عن الشأن الطائفى خفت، زار الرئيس المؤقت المستشار عدلى منصور الكاتدرائية مهنئا بأول عيد ميلاد عقب الثورة، وأيد الأقباط فى الداخل والخارج ثورة ٣٠ يونيه ٢٠١٣م، وما تمخض عنها من نظام، ليس أملا فى مكاسب أو لجنى مغانم، بقدر ما كان التأييد نابعا من رغبتهم فى ايجاد مجال يعيشون فيه مواطنين متساوين فى وطن يفتح ذراعه لكل مكوناته دون إقصاء.


الرئيس السيسى والأقباط


زار الرئيس عبد الفتاح السيسى الكاتدرائية مرشحا رئاسيا عشية احتفال الأقباط بعيد القيامة المجيد عام ٢٠١٤م، ثم مهنئا بعيدى الميلاد لعامين على التوالى، وزارها كذلك معزيا فى شهداء مصر من الأقباط العاملين فى ليبيا، ولم يفعلها إلا بعد دك مواقع الإرهابيين فى ليبيا فى أول خروج لقوات مصرية خارج حدودها فى عهده، وأمر ببناء كنيسة تخلد ذكراهم فى موطنهم فى محافظة إلمنيا. الرئيس عبد الفتاح السيسى يتحدث دائما عن المواطنة، والحقوق المتساوية للمواطنين، وحكم القانون، وعدم التفرقة بين أبناء الوطن الواحد، ولكن الواقع، والسياسة، والممارسات الإدارية، والثقافة السائدة تفرق، وتقسم، وتميز، وتنال من حقوق مواطنين مختلفين فى المعتقد الديني. شعبية الرئيس عبد الفتاح السيسى وسط الأقباط كانت مرتفعة للغاية فى العام الأول لحكمه، واستمرت مع توالى الإشارات الإيجابية، التى تصدر عنه تجاه الأقباط، والتماسك الاجتماعي، والمواطنة، بلغت ذروتها فى الدستور الجديد الذى نص على صدور قانون لتنظيم بناء الكنائس فى السنة الأولى لانعقاد مجلس النواب، ثم انتخاب عدد كبير من الأقباط تعدى الثلاثين نائبا فى سابقة لم تحدث من قبل، ولكن يبدو أن الأقباط كانوا على موعد مع شعور سلبى يغزو علاقتهم بالرئيس إلى حد أن كاتبا قبطيا فى صحيفة «وطنى” دعا الرئيس السيسى إلى التريث والتفكير قبل زيارة الكاتدرائية فى عيد الميلاد القادم، وهى بالتأكيد مبالغة قاسية، لكنها تعكس تحولات الشعور والمزاج فى أوساط الأقباط، الذين تنامى الاحتقان فى وسطهم، وارتفع صوت الأنين والشكوى، نشطت مرة أخرى تكوينات أقباط المهجر التى خفت بريقها فى أعقاب ثورة ٢٠١١م، ثم انتعشت ضد حكم الإخوان المسلمين ومؤازرة للتحول فى ٣٠ يونيو ٢٠١٣م، وكذلك حركات شبابية قبطية مثل شباب ماسبيرو لم يكن لها حضور فى العامين الماضيين، وكذلك شخصيات تعيش فى الخارج لها خطابها الزاعق الذى عادت الناس تتذكرهم، وتتذكر خطابهم فى مشهد لا يختلف كثيرا عما كنا نراه فى عهد حسنى مبارك، لكن الحال تغير، ولم يعد كما كان، وأغلب الظن أنه لن يعود إلى سابق عهده.


بدأ الحديث النقدى من جانب الأقباط على وزارة المهندس شريف إسماعيل التى أكتفى فيها بوزيرة قبطية، فى وزارة دولة، وليست وزارة أساسية، وهو ما جعل الأقباط يشكون من غياب الحضور السياسى الملائم، رافق ذلك حديث من جانب البعض عن التعيينات فى وزارات أو النيابة أو مواقع مختلفة يصدر بها قرار جمهورى، يقل فيها عدد الأقباط.. وضاعف من الشعور بالغضب حدوث أحداث طائفية متفرقة، تكاثرت وتلاحقت فى المنيا خلال الفترة الماضية، لم يختلف فيها أداء السلطة عن العهد السابق الذى ضج منه الأقباط مثل الإصرار على جلسات الصلح العرفى فى الأحداث الطائفية التى يقع فيها اعتداء على ممتلكات وأفراد مسيحيين مما يحول دون حصولهم على حقوقهم خاصة مع عدم تطبيق القانون الرادع على المعتدى أو المخالف، والانصياع أمام آراء السلفيين تجاه الأقباط مثلما حدث فى العدول عن تعيين مديرة مسيحية لإحدى المدارس أو الالتزام باشتراطات معينة وضعها السلفيون فى بعض الحالات أمام بناء كنيسة أو ترميمها واستمرار ترويج خطابات تطعن فى العقيدة المسيحية دون اتخاذ إجراءات قانونية أمام مرتكبها، فى حين تكثر حالات ازدراء الأديان فى المحاكم التى يكون طرفها مسيحيون يتهمون بالإساءة للإسلام، وصدرت بشأنهم أحكام مشددة، مثل الأطفال الذين حكم عليهم بالسجن فى قضية إزدراء أديان. واللافت أن هناك شعورا تسرب لدى الأقباط مفادة أن الدولة غير قادرة أو غير راغبة فى حمايتهم، مما يجعلهم لقمة سائغة أو موضوعا لاعتداء المتطرفين دون ردع من جانب مؤسسات الدولة.


تحولات مغايرة


هناك احتقان لا ريب فى أوساط المسيحيين، وبالتأكيد تتأثر شعبية الرئيس عبد الفتاح السيسى من ذلك خاصة وسط الأقباط الذين يشكلون جمهورا مؤيدا له، دون مشروطية، هم يؤيدون ويساندون دولة مدنية، غير دينية، ويدعمون رئيسا يتبنى خطاب المواطنة، ويرفض التمييز. وسؤال حالهم، والذى يشغل بال كل المهتمين بالشأن العام: لماذا الأقباط؟ هم مؤيدون للرئيس هل هناك من يريد أن يفسد علاقته بهم؟ هل هناك داخل أجهزة الدولة من يأخذ على عاتقه هذه المسألة سواء بوحى من أفكاره أو بدافع من الإخوان أو السلفيين أو أى فصيل آخر؟


مواقع التواصل الاجتماعى ساحة مهمة لاختبار الأفكار، ورصد حالات التحول الذهنى والشعوري.


عندما قال الرئيس عبد الفتاح السيسى “لا فرق بين مسلم ومسيحى.. والجميع متساوون فى الحقوق والواجبات»، رد على «الفيس بوك» أحد المخرجين الأقباط «سيدى فخامة الرئيس السيسى نوايا طيبة وواقع مر»، وآخر يقول «الهجوم على بيوت الأقباط بحجة بناء كنيسة وراءه جهة أمنية مسؤلة حتى يخرج قانون بناء الكنائس كما تريده الدولة وليس كما يريده الأقباط»، هكذا عبر أحدهم عن رأيه الذى يرى فيه خصومة مع الدولة، التى تريد شيئا والأقباط يريدون شيئا آخر، أليست هذه الدولة التى خرج الأقباط فى الفترة الماضية متظاهرين، ومضحين، وباذلين من أجل حمايتها، ودعمها، لماذا صارت فى مخيلتهم تريد لهم شيئا غير الذى يريدونه لأنفسهم.


وثالث يقول «هل المظاهرات التى يقوم بها الأقباط فى أمريكا حلال لدعم النظام، بينما هى حرام لوقف الاعتداء الممنهج ضد الأقباط»، هذا المصطلح الذى كان كثيرا ما نراه فى أدبيات المتحدثين عن الشأن القبطى من زاوية نظر قبطية، ترى فى الدولة كيانا ملحقا بقوى إسلامية توظفه على هواها للإجهاز على الأقباط أو فى أحسن الأحوال تحجيم حضورهم.


وكم كان لافتا أن يجد هذا المصطلح سبيلا لتدوينة كتبها سياسى قبطي، وعضو برلمان هو الدكتور عماد جاد على موقع الفيس بوك الذى قال إن مؤسسات الدولة تواصل مخطط التنكيل بالأقباط، معبرا عن حزنه واكتئابه من عدم قدرته على التعبير عن الأحداث الطائفية تحت قبة البرلمان، وحواراته مع المسئولين الذين يسمع منهم كلاما معسولا، بينما الواقع يمضى فى اتجاه مغاير.


تضامنت معه نائبة قبطية أخرى هى الدكتورة سوزى ناشد، وقبلهما نائبة يعرف عنه المواجهة والحركة الدؤوبة هى نادية هنرى التى دخلت مجلس الشورى مرتدية لافتة تحمل عبارة «نريد رئيسا جديدا”، وواصلت دعم حركة «تمرد” بينما كانت عضوة فى مجلس الشورى، لم تستطع أن تلقى بيانا عاجلا فى برلمان الثورة حول ما حدث فى المنيا، وهى التى كانت تشاغب فى برلمان الإخوان. ووسط كل ذلك يمطر رواد مواقع التواصل الاجتماعى، مسلمين ومسيحيين، صفحاتهم بسيل من الانتقادات لما يحدث فى إلمنيا وغيرها، وتخاذل، وعدم قدره الدولة على فرض القانون، ومعاقبة المعتدى.


بالتأكيد هناك عطب ما أصاب العلاقة بين الرئيس عبد الفتاح السيسى والأقباط، وهو عطب مردة ارتفاع توقعات الأقباط، ورهانهم الدائم على الرئيس، وتوقعهم أن يجدوا فى عهده الأمن والمساواة.


هناك بالتأكيد من يريد أن يفسد علاقته معهم أيًا كان، قوى إسلامية معارضة، أو نيران صديقة من جهاز الدولة ذاته، صادرة من عناصر متعصبة أو لا تريد التغيير، وأيضًا سوء إدارة من القيادات المحلية.. النتيجة واحدة، الناس تريد تدخل الرئيس.. فى الخبرة المصرية، لا تعرف الناس سوى الرئيس، تؤيده حينا، وتغضب منه أحيانا، تراهن عليه، وتحمله كل المسئولية، تتوقع منه الكثير، ولا تتسامح مع تقصير، وفى كل الأحوال سواء كانت أطراف متطرفة خلف المشهد أم لا، فهى أول من يجنى مكاسب انخفاض شعبية الرئيس السيسى وسط الأقباط، بل أكاد أقول تأثر شعبيته وسط أنصار الدولة المدنية، سواء كانوا أقباطا أو مسلمين، الذين يريدون دولة حديثة لا تمسك العصى من المنتصف، ولا تجامل تطرفا فى الفكر، أو ترتبك فى مسيرة تحقيقها المواطنة الكاملة.


هل تنتبه الدولة إلى ما يحدث؟ أم لا زالت تفكر بالمنطق القديم؟