الفتنة الطائفية مستمرة إلا إذا!

27/07/2016 - 1:55:11

بقلم - عبدالقادر شهيب

“الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها!.. هذا هو ما نردد دوماً فى أعقاب كل حادث من أحداث الفتنة الطائفية البغيضة.. لكن هذا هو تحديدا خطأنا الفادح الذى دفعنا ثمنه كثيراً.. لقد عرفنا أن الفتنة موجودة ولم تفعل شيئاً، وتركناها نائمة على أمل ألا تستيقظ، وحينما استيقظت مجدداً بقسوة عدنا مرة أخرى نلعن من أيقظها.. نعم من أيقظ الفتنة يستحق اللعنة، بل ما هو أكثر من اللعنة، ولكن يجب أن نلوم أنفسنا أولاً لأننا فى كل مرة تستيقظ فيها الفتنة النائمة لم نفعل شيئاً للتخلص منها، رغم أننا نعرف أن هناك دوماً من يحاول إيقاظها لتفترس وحدتنا الوطنية”.


بهذه الكلمات افتتحت مقالى فى مجلة “المصور؛ (عدد ٢٨ أكتوبر) ٢٠٠٥ فى أعقاب أحداث محرم بك بالإسكندرية.. والآن وبعد مرور نحو أحد عشر عاماً أرى أن هذه الكلمات مازالت تصلح لكى أفتتح بها مقالى الجديد حول الفتنة الطائفية.. بل إننى رجعت كل ما كتبت سواء فى مجلة المصور أو مجلة روز اليوسف حول أحداث فتنة طائفية ووجدت للأسف الشديد أنها مازالت تصلح لإعادة نشرها مجددا بعد تغيير وقائع الأحداث فقط.. والسبب أننا يقينا نتعامل مع الفتنة الطائفية بأسلوب واحد وطريقة واحدة يستهدف فقط تبريدها أو إبقاءها نائمة وليست مستيقظة أو مشتعلة ولم نحاول بإخلاص الإجهاز على هذه الفتنة بالتخلص من أسباب وجودها.. لذلك كانت تطل علينا هذه الفتنة يوما بعد آخر ولأسباب مباشرة تبدو تافهة ولا تبرر حدوث صدامات دامية أو أعمال عنف تسفر عن تخريب ممتلكات وحرق منشآت بل وقتل وجرح مواطنين ومواطنات.


نحن نقول ونردد القول الآن باستمرار إننا كلنا مصريون لا فرق بيننا، ونحن متساوون فى الحقوق والواجبات رغم اختلاف انتماءاتنا الدينية، بل وأيضاً الاجتماعية والعرقية والجنسية والجغرافية وكذلك اختلاف الجنس.. ولكن فى الحقيقة ليس هذا ما يؤمن به البعض منا.. بل على العكس أنه لا يؤمنون بهذه المساواة التى يتعين أن تكون سمة أساسية لمجتمعنا باعتبار أن المواطنة أحد أعمدة هذا المجتمع التى يقرها دستورنا.


تلك هى المشكلة الحقيقية وأصل العداء الطائفى والسبب الأساسى لكل أحداث الصدامات ذات الطابع الدينى وكل النزاعات الطائفية.. وهذا ما تنطق به كل حوادث الفتنة الطائفية والصدامات الدينية الخمسة التى وقعت مؤخراً (واحدة فى بنى سويف والباقى فى المنيا(.. فكلها باستثناء حادثة واحدة كان سببها المباشر رفضنا من بعض الشباب والصبية المسلمين استخدام مبنى كنيسة أو بالأصح مشروع كنيسة بعد ترويج شائعات بذلك، أما الحادثة الأخرى الباقية فكان سببها شائعة حول علاقة بين رجل مسيحى وسيدة مسلمة.. ولو كان ثمة اقتناع حقيقى وليس شكليا لدى هؤلاء الذين شاركوا فى هذه الصدامات الطائفية والدينية بأننا متساوون وكلنا مواطنون لنا ذات الحقوق وذات الواجبات لما وقعت مثل هذه الحوادث أساسا.


نعم هناك من يحرض ويطلق الشائعات كما حدث فى كل هذه الحوادث.. ولكن أيضاً هناك من يستجيب لهذه الشائعات ومستعد لتصديقها .. بل ومستعد لأن يلجأ إلى استخدام العنف.. لأن عقله لا يقبل بقيم المواطنة والمساواة والعيش المشترك واحترام الآخر، خاصة إذا كان الآخر الدينى المختلف عنه.. إن عقولاً تربت لسنوات طويلة على التمييز ورفض العيش المشترك من خلال تعليمها أن تناول أكل الآخر الدينى حرام وتقديم التهنئة له فى أعياده الدينية حرام أيضاً والسماح له ببناء كنائسه حرام، ولذلك هذه العقول جاهزة لأن تصدق أية شائعة ولأن يقاوم أصحابها ممارسة الآخر الدينى شعائره الدينية.. ولذلك ينتفض أصحابها بين الحين والآخر يمارسون عنفا ضد الآخر الديني.


إذن المشكلة الأساسية ليست فى المحرض على الفتنة الطائفية والصدامات الدينية.. إنما هذه المشكلة الأساسية والأكبر تتمثل فى جاهزية عقول كثيرة للاستجابة لهذا التحريض من خلال ممارسة العنف والانخراط فى صدامات دينية وطائفية.. وهذه الآفة أصيب بها مجتمعنا على مدى عقود عديدة اخترق خلالها المتطرفون دينيا هذا المجتمع وسيطروا على عدد من مؤسسات، خاصة تلك المؤسسات التعليمية والثقافية والتربوية وأيضاً المؤسسات التابعة للمجتمع المدني.


نحن على مدى عقود عديدة تربى أولادنا على التمييز وليست المساواة والمواطنة.. ونربيهم على نبذ الآخر بشكل عام والدينى بشكل خاص ورفضه وليس القبول به واحترامه.. ولذلك اختفت فى أرجاء عديدة شتى من مجتمعنا تلك المظاهر الجميلة التى كنا ومازلنا نتغنى بها حول العلاقة الطيبة التى تجمع بين المسلمين والمسيحيين والتعاون الدائم بينهم، بل وصعوبة التفرقة بينهم إلا فقط داخل المساجد وداخل الكنائس.. لكن حالنا ومنذ سنوات اختلف.. وصار التمييز قائماً بين أطفالنا على أساس الدين ناهيك على أسس أخرى فى مقدمتها الأساسى الاجتماعى أو الطبقي.. هناك تخندق اجتماعى الآن على أساس دينى تشكل عبر العقود الماضية، وهو الذى يخلق حاجزا يعوق عودة التعاون والتآلف والتآخى الذى نتغنى به بين المسلمين والمسيحيين.


ولا أنكر أن الظروف الاقتصادية الصعبة لها تأثيرها فى هذا الأمر، لأنها أسهمت أيضاً فى الأمية والجهل وهما معوقان كبيران لنشر قيم المواطنة والمساواة والعيش المشترك واحترام الآخر.. ولكن الأخطر من الأوضاع الاقتصادية الصعبة والفقر هو سيطرة التطرف الدينى على العقول، خاصة عقول البسطاء.. ولنتذكر أن محافظة المنيا التى استأثرت بمعظم حوادث الفتنة الطائفية مؤخراً ليست هى المحافظة الأكثر فقرا فى مصر، بل يسبقها محافظتا أسيوط وسوهاج.. إذن التطرف الدينى يسبق الفقر كسبب أساسى لهذه الصدامات الطائفية والدينية.


تلك هى المشكلة الأساسية التى يتعين علينا إيجاد حل ناجع ودائم لها حتى نحمى مجتمعنا من الفتنة الطائفية التى تطل برأسها علينا بين الحين والآخر وتهدد تماسكنا الاجتماعى ووحدتنا الوطنية، فى وقت نحن أحوج فيه بشدة لهذا التماسك وهذه الوحدة كضرورة فى الحرب التى نخوضها الآن دفاعا عن كيان دولتنا الوطنية وحفاظا على هويتنا الوطنية.


وهذا التطرف الدينى موجود وتفشى بدرجات ليس فى عقول مواطنين بسطاء هم دوما وقود تلك الصدامات الطائفية والدينية، وإنما هو موجود أيضاً لدى بعض من هم فى مواقع المسئولية، وهو ما يهز قناعتهم بقيم المواطنة والمساواة والعيش المشترك واحترام الآخر ويجعلهم لا يتصرفون بشكل سليم فى مواجهة أية أحداث فتنة طائفية أو صدام ديني.. فنجد منهم من يتباطأ فى مواجهة بوادر هذه الصدامات لإحباطها فى المهد وإطفاء نيران الفتنة الطائفية قبل أن تشتعل، ومن يهون من أى حادث فتنة طائفية أو ربما إنكار حدوثه على الشكل الذى جرى فى الحقيقة فعلاً، وأيضاً من يقاوم تطبيق القانون على من خرق هذا القانون ومارس عنفا خلال الصدامات الطائفية والدينية.. وهذا أمر لا يصعب علينا رصده خلال تعامل بعض المسئولين فى محافظة المنيا تحديداً أحداث الفتنة الطائفية التى شهدتها قرى هذه المحافظة.


وهكذا يتعين أن نركز جهودنا على القضاء على أسباب العلة والمرض لنتخلص من هذه العلة ونبرأ من هذا المرض بدلا من أن نكتفى بعلاج أعراض هذا المرض فقط كما نفعل حالياً، وهو ما يجعلنا معرضين دوما لتزايد حدة هذا المرض الذى يهدد وحدتنا الوطنية التى يتعين أن نشد عليها بالنواجذ ولا نفرط فيها حتى لا نمكن فينا من يتربصون منا ويتآمرون علينا ويريدون تقويض كيان دولتنا الوطنية.


ومن حسن الحظ أننا الآن نحظى بإرادة سياسية لتحقيق ذلك.. فالرئيس السيسى هو الذى بادر بالدعوة لتصحيح وتطوير الخطاب الدينى وكرر دعوته عدة مرات.. وهو أيضاً الذى بادر بالقول وترجم ذلك بالسلوك بأنه ينبغى الكف عن تصنيف المصريين والتمييز بينهم على أساس الدين.. فنحن كلنا مسلمون ومسيحيون مصريون.. وهذا ما أكده مجددا فى كلمته على هامش الاحتفال بتخريج دفعة جديدة من طلبة الكلية الحربية والكلية الفنية العسكرية، حينما قال : (لا فرق بين مسلم ومسيحى فى مصر.. الجميع متساوون فى الحقوق والواجبات.. ينبغى أن نمارس هذا المنطق فى تصرفاتنا ولا يقتصر على مجرد القول فقط.. نحن جميعا شركاء فى هذا الوطن، ولا يليق مرة أخرى أن هذا مصرى مسلم وهذا مصرى مسيحي.. هذا مصرى له ما لنا وعليه ما علينا.. وأننا فى دولة قانون ومن يخطئ يحاسب من رئيس الجمهورية إلى أى مواطن).


إذن الإرادة السياسية لمواجهة داء الفتنة الطائفية وداء التطرف الدينى موجودة ومتوفرة والحمدلله.. وبذلك نكون قد قطعنا نصف الطريق للتخلص من الفتنة الطائفية.. لكن النصف الباقى هو الأكثر مشقة وصعوبة، لأنه يتعلق بإعادة صياغة عقول سكنها التطرف الدينى سنوات طويلة وعشش فى أرجائها واستولى عليها ويحرك أصحابها فى اتجاه ممارسة عنف ويدفعها لخوض صدامات طائفية ودينية تحاول عناصر فى الخارج استثمارها الآن فى إطار ممارسة الضغوط على الدولة المصرية، وتترك آثاراً غائرة فى نفوس عدد متزايد من المسيحيين تسبب لهم ضيقا فى الحاضر وقلقا على المستقبل، وبالتالى تهدد وحدتنا الوطنية.


وهذا يحتاج لجهد ثقافى وإعلامى وتعليمى معا ومتواصل ولا يتوقف لنزع التطرف الدينى من العقول التى سيطر عليها.. وبالتالى سوف يحتاج لوقت ليس بالقصير.. ولكن الآن يتعين أن تكون الدولة صارمة مع كل المسئولين فيها حتى تتخلص من هؤلاء المسئولين الذين أصابهم ولو بدرجة محدودة داء التطرف الديني، وحتى لا يتباطأ مسئول فى مواجهة مقدمات أية فتنة طائفية أو يتحايل من أجل عدم تطبيق القانون على كل من أخطأ وخالف القانون ومارس عنفا طائفياً أو دينياً.


كلام الرئيس السيسى يجب أن تتبناه الحكومة وتطبقه عمليا على أرض الواقع حتى تخمد نيران الفتنة كلما حاول البعض إشعالها ريثما ننجز حربنا ضد التطرف الدينى ونجهز نهائياً على أسباب هذه الفتنة.