فى الفتنة سقطوا .. ولم ولن تسقط مصر

27/07/2016 - 1:53:48

بقلم - ماجد عطية

لماذا الآن حرق الكنائس والبيوت وقتل الكهنة وتهجير السكان من قراهم..؟


من الممول.. ومن المحرض.. ومن الفاعل..؟


مناخ الفتنة سبق الحرائق بمحاولة «تديين» التبرعات للمستشفيات وسقط السلفيون فى المحاولة.


أكبر مساهم بمبلغ ٣٢ مليون جنيه لمستشفى ٥٧٣٥٧ هو القبطى رؤوف غبور وزوجته الراحلة علا غبور.


٩٥ ٪ من عمليات قلب الأطفال مسلمون.. والقبطى طبيب القلب العالمى مجدى يعقوب بدأ البناء بمدخراته الخاصة.


الأقباط عاتبون على الرئيس السيسى.


دموع البابا تواضروس هزت مشاعر المصريين.


السلفى نادر بكار منحته أمريكا الماجستير وسعى للقاء «ليفنى» وزيرة خارجية إسرائيل السابقة.. وعاد ليقول: «الأقباط كفرة»..


جمال عبدالناصر يتبرع لبناء الكاتدرائية.. والسادات تحالف مع الإخوان والجماعات واغتالوه.. وأبشع أنواع الفتنة ظهرت فى ظل حسنى مبارك.. والسلفيون اليوم يحاولون تشويه حكم السيسى..؟


«لست أعرف شعبًا فى العالم ارتبطت جنسيته بديانته كما الأقباط.. أقباط لأنهم مصريون.. أقباط لأنهم مسيحيون.. مصريون بطول التاريخ وعمق واتساع مساحة الزمن.. مصريون قبل الأديان وإلى آخر الزمان»..


بداية أصلى وزوجتى صباح كل أحد باكرًا ومن نصف قرن فى كنيسة مارجرجس والأنبا أبرام بهليوبوليس بمصر الجديدة.. يحيط بها الآن فى مساحة كيلو متر مربع واحد سبعة مساجد وتسع زوايا.. بعضها وفى مناسبة أعياد كان يهنئ الإخوة الأقباط بعيدهم.. وذات يوم «جمعة»منذ سنوات بعيدة خرج صوت من«الميكروفون».. يدعو على الأقباط: «اللهم خرب بيوتهم.. اللهم شتت شملهم.. اللهم يتم عيالهم»..


لى صديقى كان يصلى هناك سألته ضاحكًا: من هذا ولماذا.. قال: «أنزلناه من على المنبر وعرفنا أنه ليس مصريا، ولكن كيف صعد إلى المنبر هذ ما نحقق فيه»..


كنيستى هذه - لمن لا يعرف - من تصميم أستاذ الفنون الجميلة الراحل «رمسيس ويصا واصف» نجل المناضل الوطنى «ويصا واصف» رفيق الزعيم سعد زغلول فى المنفى وهو أول وآخر رئيس قبطى لمجلس النواب.


د. رمسيس استوحى تصميم الكنيسة من طراز كنيسة «أيا صوفيا «بتركيا التى تحولت بعد ذلك إلى مسجد وأحالها»كمال أتاتورك» إلى متحف لأهمية الأيقونات والرسومات والجداريات التى سبقت فى قيمتها التاريخية والفنية كثيرًا من كنائس العالم.. وكان لى شرف الجلوس إلى رمسيس فى داره عام١٩٥٣ مع أن الصلاة لم تبدأ فى الكنيسة إلا عام ١٩٥٨ بسبب الإجراءات والبناء.. وكنت حينئذ محررًا فى مجلة«روز اليوسف» وتم اختيارى فى سبتمبر ١٩٥٣ ضمن المجموعة التى أعدت لإصدار جريدة الجمهورية والتى صدرت ديسمبر ١٩٥٣.


معلومة أخيرة.. أن الذى قام بكل إجراءات تأسيس هذه الكنيسة قسيس كان ينتمى إلى الكنيسة الإنجيلية هو «القس زكرى النخيلى» تسمى بعد سيامته كاهنًا على الكنيسة باسم«القس زكريا النخيلى».


لا أترك العرض السابق دون أن أسجل أنه لأول مرة يضع رئيس الجمهورية المسلم حجر أساس للكاتدرائية الجديدة بالعباسية.. ويعلن رئيس الجمهورية جمال الناصر حين تبرع بمبلغ مائة ألف جنيه بالإضافة إلى ما يقرب من مائة ألف جنيه أخرى مديونية لشركات المقاولات «قطاع عام» أشار بإلغائها أى مائتى ألف جنيه فى ستينيات القرن الماضى تساوى الآن وفق معدلات التضخم الرسمية أكثر من ٥٠٠ مليون جنيه، وإن كان عبدالناصر قد «حبسنى» مرتين.


وعندما استعان الرئيس محمد أنور السادات بجماعة الإخوان فى صراعه مع قوى الناصرية واليسار بدأت عمليات حرق الكنائس ومع بدايات حبرية البابا شنودة الثالث.. البداية- كما هى اليوم- اشتباه تحويل مبنى جمعية أصدقاء الكتاب المقدس إلى كنيسة محبى المرج مما استدعى الهجوم عليه وحرقه مع حرق عدد من متاجر وبيوت الأقباط فى الحى ذاته..( وإن كان قد طلب فصلى و«فرمى»مرتين لولا الراحلة أمينة السعيد ورفض مكرم محمد أحمد).


وكان رد الفعل موازيًا للفعل الذى يحدث لأول مرة منذ الثورة الوطنية العظمى ١٩١٩.. أن قام كهنة القاهرة بمظاهرة وزيارة للمبنى المحترق وإقامة الصلاة على الأنقاض.. ويعلن البابا شنودة « الصيام ثلاثة أيام» الأمر الذى أثار الرئيس السادات،، ودخلت الأحداث إلى مجلس الشعب، حيث تشكلت لجنة تقصى حقائق برئاسة الراحل الدكتور جمال العطيفى الذى أعد تقريرًا وافيًا مشفوعًا بمسودة اقتراح لمشروع»قانون لتنظيم بناء الكنائس.»


ولنا أن نتصور أن مشروع القانون المقترح عام ١٩٧٢ لايزال يناقش حتى الآن.. الآن مطروح مسودة جديدة لمشروع القانون نوقشت من الأحزاب وراجعها مجلس الدولة.. ولا يعرف إن كان سيصدر أم لا.


المهم أن يصدر بلا « ألغام» كما يرجو قداسة البابا تواضروس الثانى غير أن فترة حكم حسنى مبارك تميزت بصفقات مريبة ضمنت البقاء لهذه التنظيمات المتطرفة ونال الأقباط منهم أكبر عمليات قتل وتدمير للبيوت والكنائس.. وتهميش التمثيل البائس فى المجالس التشريعية كمثل تعيينات مجلس النواب ومجلس الشورى.. ولعلنا نتذكر أحداث المنيا وبنى سويف وأسيوط وسوهاج وآخر الأحداث تفجير المصلين داخل كنيسة القديسين بالإسكندرية.. ولا ننسى الأطباء الذين قتلوا داخل عياداتهم وهم يعالجون مرضاهم كما فى المنيا ولا المزارعين الذين قتلوا داخل حقولهم كما فى «الكشح..» ولعلنا نتذكر عميد الشرطة القبطى الذى قطع إجازته وجاء لواجب العمل نيابة عن إخوانه وزملائه المسلمين فى إجازة عيد الأضحى.. دخلوا عليه وذبحوه وفصلوا رأسه عن جسده وضعوها على«المكتب» فى مديرية مدينة أسيوط.


لا أريد أن أسترسل عن حوار مباشر عام ١٩٩٢ أمام التليفزيون فى دار الهلال عن تدنى تمثيل الأقباط وصرخ فى وجهى.. ولا أنسى تعبيرات وجهه الرافضة وهو يمنحنى وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى بمناسبة تجديد خدمتى بقرار مجلس الشورى والصحافة للسنة العاشرة بعد المعاش عام ١٩٩٧ وبتزكية من نقيب الصحفيين مكرم محمد أحمد.


غير أننى أستأذن لأذكر بحادثتين فى الأربعينيات من القرن الماضى- حرق كنيسة الزقازيق واهتزت الصحافة المصرية كلها للحادث عام ١٩٤٥ وذهب رئيس الوزراء إسماعيل صدقى باشا إلى الدار البطريركية معتذرًا عن الحادث وكان الاتهام منصبًا على «جماعة الإخوان» ورغم أنهم ساندوه فى الحكم بمنشور شهير» واذكر فى الكتاب إسماعيل أنه كان صادق الوعد» .. وقام إسماعيل صدقى بإعلان بناء الكنيسة على نفقة الدولة.


الحادث الثانى عام ١٠٥١ حريق كنيسة السويس فى ظل حكومة الوفد الأخيرة وخرج مصطفى النحاس ليقول: «لتحرق أيديهم هؤلاء الخونة قبل أن يحرقوا الوطن» ..وكتبنا فى مجلة روز اليوسف حيث كنت أعمل»:لا تفتش عن الإنجليز بل فتش عن عملاء الإنجليز».. وأضاف رئيس التحرير إحسان عبدالقدوس العنوان على رأس صفحة الأخبار بالمجلة.


اهتزت مشاعر ملايين الأقباط العشرين الآن وهم يشاهدون دموع البابا تواضروس الثانى تسيل على خديه يحاول إخفاءها بتحركات الصليب الذى فى يده.. وتارة يحاول الاتكاء على»عصا الرعوية» التى فى يده حتى لا يشاهد أحد انسياب الدموع تغرق لحيته.. وهو يرتل بصوت مجلجل يشارك فيه المطارنة والأساقفة والكهنة والشمامسة وجموع المصلين.. قطعة من صلوات القداس:


«شعبك وكنيستك يصرخون إليك: ارحمنا ثم ارحمنا يا الله يا ضابط الكل ارحمنا ارحمنا يا الله مخلصنا.. ارحمنا ثم ارحمنا يا الله»..


كانت الصلاة داخل الكنيسة المعلقة بكل ما تحمله من تاريخ.. وكان يوم الأربعاء هو«يوم صيام»ولم يكن اختيار المكان عفويًا.. ولم تكن اختيارات الصلوات بعيدة عن طلب عون السماء وإعلان صمود الكنيسة عبر التاريخ ويقين الإيمان داخل القلوب والعقول كانت محصلة الأحداث الطائفية تعلن ذاتها فى أرقام.. وخلال العامين الأخيرين:


- حرق قرابة ١٠٠ «مائة » كنيسة منها ٤٣ كنيسة أحرقها الإخوان عقابًا على الأقباط لتأييدهم ثورة يونيه


- إحراق أكثر من مائتى منزل من بيوت الأقباط سواء التى جاورت الكنائس المحترقة أو تلك حرقت وهدمت جراء افتعال خلافات بين جار مسلم وجار مسيحى..


- أكثر من ٤٠ قتيلًا جراء افتعال معارك لم يفتعلها الأقباط بل كانوا ضحاياها..


- لأول مرة تسجل الأحداث قتل كهنة على أبواب الكنائس وعقب أداء الصلاة التى تدعو للمحبة والتسامح..


- ولعلى أسجل هنا حدثًا لم يتكرر لا فى تاريخ مصر بل فى العالم كله..


- تجريد عجوز فى السبعين من العمر من كامل ملابسها الداخلية تحاول أن تغطى عورتها بيديها.. كم يخجل البشر من»المنظر « وكم يسجلون على حضارة مصر هؤلاء المتعصبون مثل هذا الفعل البشع.. وما جنت على أحد..


زوج أراد أن يطلق زوجته ويهرب من « النفقة» فأشاع عنها الفاحشة مع شاب قبطى.. صرخت الزوجة وطلبت عرضها على الطب الشرعى فما استمع لها أحد، ولكن الأقباط والكنيسة وبيوتهم دفعوا «الفاتورة» خراب.. وإهانة.. والزوج لم يقترب منه أحد.


لا أريد الاسترسال فإن لدى «ملفات» كاملة عن كل الأحداث.. وكنت أنوى إصدار كتاب بعنوان «أقباط «٢٠١٦، لكن نصائح بعض الأصدقاء دفعتنى إلى التأجيل آخذًا فى الاعتبار الظروف التى يمر بها الوطن.


من خلال المتابعة.. إذا كان الإخوان متهمين بحرق الكنائس والعدوان على بيوت الأقباط عقب أحداث ٣٠ يونيه.. لكن الأدوات اليوم تحديدًا هم الجماعة السلفية التى تغلغلت فى القرى بمفاهيمها المتطرفة وهم الآن الفاعل الرئيسى فى الأحداث الأخيرة.. والمستفيد الأول هو مخطط تفتيت الوطن.. ولدى خريطة عن مصر «المقسمة» حصلت عليها من «مركز الدراسات الاستراتيجية للقوات المسلحة» يوم كنت شريكًا فى ندوة عن «مخاطر شركات توظيف الأموال»على الوطن عام ١٩٩٢ بدعوة من اللواء الدكتور حسام سويلم مدير المركز واللواء دكتور جمال مظلوم نائب مدير المركز ومديره فيما بعد.. وكان ترشيحى للمشاركة فى هذه الندوة جاء من الدكتور على نجم محافظ البنك المركزى فى ذلك الوقت وكان اختياره لأنى كنت الصحفى الذى فجر وحذر من مخطط هذه الشركات للسيطرة على المقدرات المالية للدولة ليسهل على الاتجاهات الدينية السيطرة السياسية أيضًا.. وتشهد صفحات وأغلفة المصور فى نهاية الثمانينيات من القرن الماضى.


يكفى دليلًا على هذا أن الرئيس عبدالفتاح السيسى يصرح من داخل احتفالات القوات المسلحة أنه لا يفرق بين مسيحى ومسلم وأن القانون يحكم الجميع.. لكن»نادر بكار» القادم من أمريكا بعد أن حرص على لقاء»ليفنى» وزيرة خارجية إسرائيل السابقة- والله أعلم إن كان قد قبل يدها كما الاتيكيت.. أم لا- ليصرح ضد الرئيس فى اليوم التالى مباشرة:


«الأقباط كفرة ولا مساومة على العقيدة» وهذا ليس جديدًا فزعيمه ياسر برهامى ردد هذا الكلام أكثر من مرة.. ولم يعاقبه أحد بقانون ازدراء الأديان.. لكن حكم على أطفال بنى مزار بالحبس ٥ سنوات بهذه التهمة لأنهم حاولوا تقلييد«داعش» التنظيم الإرهابى.


يلاحظ أيضًا- سيدى الرئيس- أن الأجهزة الرسمية لا تتحرك إلا بعد أن تأتى النيران تمامًا على كل محتويات للكنائس والبيوت أيضًا.


كما لاحظ الأقباط رد الفعل السلبى عند القيادات الرسمية.. فرئيس مجلس النواب يمنع النائبة نادية هينرى وبعدها النائبة مارجريت عازر والنائبة سليفيا نبيل من إلقاء بيان عاجل بشأن أحداث الفتنة الأمر الذى دعا محمد أنور السادات رئيس لجنة حقوق الإنسان بالمجلس لإدانة الحكومة وخاصة وزارء الداخلية.


تصور أن رئيس الحكومة شريف إسماعيل لا فض فوه يهون من الأمر فيصرح- بلا خجل-إنها كلها مجرد حوادث فردية ولا تعبر عن فتنة..!


لك يا سيدى عند الأقباط رصيد من الثقة.. من هنا كانوا حزانى لتأخر رد الفعل عندك فما تكلمت إلا بجملة واحدة وبعد مرور شهرين من الأحداث المتوالية المزعجة فى تلاحمها وفى ضحاياها.. فى أنك بالنسبة لهم أمل فى أمن الوطن وتأمين حياة المواطنين.. حتى يتفرغ الجميع لبناء الوطن وتقدمه فى مواجهة التآمر على سلامة المسيرة سواء أعداء ظاهرين أو أعداء خفيين.. وأنت تعرف يقينًا من هم.