«خليل» وأقباط المهجر والبيت الأسود!

27/07/2016 - 1:52:06

  مدحت بشاى مدحت بشاى

بقلم - مدحت بشاى

للزعيم سعد زغلول مقولة تاريخية «لولا وطنية الأقباط لتقبلوا دعوة الأجنبي لحمايتهم، وكانوا يفوزون بالجاه والمناصب بدل النفي والسجن والاعتقال، ولكنهم اختاروا أن يكونوا مصريين معذبين محرومين من المناصب والجاه والمصالح، ويساقون للضرب ويذوقون الموت والظلم، على أن يكونوا محميين بأعدائهم، وأعداء الوطن».


يذكر تاريخ أقباط مصر معارضتهم على لسان الوزيرين القبطيين مكرم عبيد وواصف بطرس غالي عام ١٩٣٨ أنهما قررا دخول مصر بين أعضاء عصبة الأمم (منظمة الأمم المتحدة) بتعهد من الحكومة المصرية يكفل حماية الأقليات تعهدا قد تُحاسب عليه الحكومة أمام هذه المنظمة الدولية، وبذلك رفض الأقباط أن يدخلوا في دائرة الأقليات التي تطلب الحماية من دولة أجنبية.


ومن المعروف أن الأقباط في عام ١٩٤٤ رفضوا الاشتراك في مؤتمر الأقليات الذي نظمته هيئة الأمم المتحدة باعتبار أنهم وإن كانوا أقلية عددية إلا أنهم من نسيج شعب مصر الواحد.


استجابة للنداء الوطني للأمة وللكفاح المسلح ضد القوات البريطانية في قناة السويس وعندما طُلب من العاملين المصريين الامتناع عن العمل في القاعدة البريطانية هجر آلاف العمال والموظفين الأقباط العمل في القاعدة البريطانية رغم المرتبات العالية التي كانوا يحصلون عليها.


تذكر «إيريس حبيب المصرى» فى كتابها (قصة الكنيسة القبطية الجزء الرابع) أن سفير روسيا ذهب لزيارة الأنبا بطرس الجاولى، وكان يصحبه ترجمان يتقدمهما (الياسقجي) وهو شخص كان يسير أمام الكبراء مُعلنا قدومهم مفسحا أمامهم الطريق، ولما دخلوا حوش الدار  البابوية وجدوا رجلا جالساً على الدكة تحيط به النسخ العديدة من الكتب وهو منهمك فى مطالعتها ومقارنتها، فطلبوا إليه أن يوصلهم إلى البابا المرقسى. وأصابهم الذهول حينما علموا أنه هو الذى يخاطبهم ولم يصدقوا فى بادئ الأمر. فسأله السفير عن تجاهله المظاهر الخارجية. أجابه فى وداعة «ليس العبد أفضل من سيده وسيدى كان بسيطا فى ملبسه شظفا فى عيشه». فازداد ذهولاً، ورأى أن يحول مجرى الحديث فسأله: «وما حال الكنيسة؟»، أجابه لفوره: «هى بخير بحمد الله. ومادامت كنيسته فهو وحده الذى يرعاها ولن يتخلى عنها أبداً». فعاد السفير يتساءل: «ألم تفكروا قط فى الحماية؟»، فاستفسر البابا عما يقصد إليه زائره، فلما أفهمه بأنهم على استعداد لوضع الكنيسة تحت رعاية قيصر روسيا الذى له الصولة والجولة والذى جعل من نفسه حامى الأرثوذكس حيثما كانوا، وعندها سأله الأنبا بطرس: «ألا يموت القيصر الذى تصفه كل هذا الوصف؟»، أجابه بالإيجاب. فقال البابا الإسكندرى: «إننا فى حمى ملك لا يموت». فتضاعفت دهشة السفير وأحس بقوة هذا الرجل المتواضع الذى كان مهيبا رغم بساطته، وقال: «حقا لم أقابل من يستحق أن يكون خليفة للسيد المسيح على هذه الأرض غير هذا الرجل الذى لم يخدعه زخرف العالم». وحالما خرج من الدار البابوية ذهب لفوره إلى قصر محمد على وسرد عليه كل ما جرى، فازداد الوالى تقديرا للبابا.


كما تتحدث إيريس المصرى أيضا فى الجزء الخامس من كتابها (قصة الكنيسة القبطية)، عن البابا كيرلس الخامس (١٨٧٤ ١٩٢٧م) البطريرك ال ١١٢ من بطاركة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، والذى جلس على الكرسى البابوى لنحو ٥٣ سنة، عاصر خلالها الخديو إسماعيل (١٨٦٣ ١٨٧٩م) والخديو توفيق (١٨٧٩ ١٨٩٢م) والخديو عباس حلمى الثانى (١٨٩٢ ١٩١٤م) والسلطان حسين كامل (١٩١٤ ١٩١٧م) والملك فؤاد الأول (١٩١٧ ١٩٣٦م ).


تذهب إيريس إلى أن الإنجليز، وعقب الاحتلال البريطانى لمصر عام ١٨٨٢م، قد اتبعوا سياسة (فرق تسد) بين المسلمين والأقباط، ولكن محاولاتهم فشلت أو لنقل أنها على الأقل لم تؤت ثمارها التى توقعوها. لكنهم عاودوا تشجيعهم لمدعى التبشير لعلهم يفلحون. وفى سبيل هذا الهدف قابل القنصل الأمريكى ومعه دكتور يوحنا هوج كبير المبشرين الأمريكيين البابا كيرلس الخامس. وخلال الزيارة زعم هوج أنه يستطيع طمأنة البابا الجليل فقال له إن المدارس الأمريكية لا تعمل أكثر من تعليم الإنجيل لتلاميذها وتلميذاتها. فكانت هذه الكلمات بمثابة الشرارة إذ فجرت ثائرة البابا اليقظ فقال له: «الإنجيل الطاهر! وهل الأمريكان وحدهم هم الذين عندهم الإنجيل؟ ولماذا لا يعلمونه لعبيدهم إذا كان عندهم؟ لماذا يذهب الأخ إلى الحرب ضد أخيه؟»، فى إشارة منه إلى الحرب الأهلية التى اندلعت آنذاك بين سكان الولايات الشمالية وسكان الولايات الجنوبية من أجل الإبقاء على العبودية أو إلغائها.وأضاف البابا قائلا: «لماذا جاءوا إلى مصر بكلماتهم الناعمة الطيبة؟ إن الإنجيل عندنا قبل أن تولد أمريكا فى الوجود. إننا لا نحتاج إليهم ليأتوا ويعلمونا فنحن نعرف الإنجيل أحسن منهم»..وتضيف إيريس: «هنا يجب أن نذكر أن احتداد البابا الوقور ومقاومته لدعاة التبشير لم يكن غير الوسيلة السلبية فى موقفه إذ قد تتبعنا أعماله الإيجابية فيما افتتح من مدارس فى رحلتيه الرعويتين».


لقد قال البابا كيرلس الخامس أيضاً للمندوب السامي البريطاني « ياولدي إن الأقباط والمسلمين في بلدي منذ أقدم العصور يعيشون جنباً إلى جنب، ففي البيت الواحد يتعايشون معاً وفي المصلحة الواحدة يجلسون فى مكاتب مشتركة. وفي غرفة واحدة يأكلون من أرض طيبة، ولن نطلب حماية نحن الأقباط إلا من الله ومن عرش مصر»


« إلا من الله ومن عرش مصر» هي الجملة الأهم التي لم يدرك مدلولاتها « مجدي خليل « ورموز منظمته، ولم يقرأ أيضاً ماحدث من تغيرات في فهم بعض القيادات الكنسية من حيث صلابة الذود عن المبادئ والتمسك بحقوق المواطنة الكاملة، والتحول من إطلاق شعار « أنتم تصمتون والرب يدافع عنكم» في زمن قداسة البابا شنودة الثالث، إلى «لاصلح ولامساومة ولا جلسات عرفية قبل إعمال آليات دولة القانون» في زمن الأسقف الوطني النبيل الأنبا مكاريوس وبمرونة وحكمة وإعمال أيضاً للتعاليم والأدبيات المسيحية، وكأنه يبدأ في تشكيل عصر جديد للكنيسة، و يعضد الموقف قرار قداسة البابا تواضروس الثاني عندما حول عظة الأربعاء الأخير إلى مناسبة تجمع للصلاة الجماعية لتكتمل ملامح رؤية جديدة لكنيستنا العتيدة بطلب الدعم الإلهي ليحل السلام والتفاهم والعيش المشترك بين الناس في بلادي عبر تكليل جهود الكنيسة في سعيها للمطالبة بحقوق المواطن المصري المسيحي الذي أكد الرئيس السيسي على أهمية عودتها ونيل القانون من مجرمي العصر.. لم يقرأ « خليل» إشارات الماضي ولم يستوعب متغيرات الحاضر الإكليروسي الجديد عبر تعاطي الكنيسة مع الأحداث الأخيرة، وهو الذي يدعي أنه الباحث و القارئ الجيد والوطني الأوحد والفاهم لمسار النضال من أجل نيل حقوق الأقباط...وإليه، وإلى كل المخدوعين بدوره ومدى نقاء السريرة وروح الفداء الخليلي والإيثار الإعجازي المنقذ والمخلص أطرح بعض علامات الاستفهام، وأرفق بعض الرسائل التلغرافية بهدوء...


• تحدث « خليل» كثيراً عن خلافه مع الكاتبة « فاطمة ناعوت « وكيف أنها تتاجر بالقضية القبطية، وكيف ساومت على أجرها بشكل استغلالي، فإذ اكان الأمر كذلك لما أكمل راعي المؤتمر الذي دعاها للتحدث إليه الاتفاق إلا إذاكان في احتياج لوجودها المثير والداعم لأهداف المؤتمر، وعليه فرضت شروطها وحصلت على ما أرادت. ويبقى لدى الناس السؤال المُلح : من يمول هذه المؤتمرات بتلك التكاليف الطائلة.. استضافة كاملة لمجموعة من المتحدثين بما فيها نفقات السفر والانتقالات رغم العلم الكامل بعدم جدوى تنظيمها والتاريخ يحكي فشل الكثير منها في تحقيق أي رد فعل سوى التلميع الورنيشي لوجوه تلك المنظمات لعقد مزيد من الفعاليات المربحة. ومنح النجومية لأشاوسها بتوع نضال الكلام ؟!


• ألم يكن من الأجدى حضور أشاوس مؤتمرات الغربة الحزينة لعقد مؤتمرهم على أرض المنيا دعماً لموقف الرائع والمناضل بجد الأنبا مكاريوس وبحضور مسلمي وأقباط الداخل من الباحثين عن حلول ناجعة لمنع تلك الاعتداءات الطائقية المقيتة ؟ّ!


• ألم يكن من الأجدى سعى الخواجه «الخليلي» ورفاقه لتكوين تجمع من الخبراء في القانون وعلوم الاجتماع والسياسة والإعلام من الخارج والداخل من المصريين المسلمين والمسيحيين بأهداف وطنية خالصة لوجه الله والوطن، لتكون مهمة ذلك التجمع تولي الدفاع عن ضحايا قضايا العدوان الطائفي بكل السبل والوسائط المتاحة. وبدعم مهني قانوني محترف وباستخدام كل آليات القوة الناعمة المؤثرة، بالإضافة لاحتواء مشاكل أهالي تلك المناطق المضرورة بنوائب الطائفية اجتماعياً وإنسانياً..


• يقول الكاتب الشاب الرائع « روبير الفارس « في مقال هام له بجريدة «المقال»..يقول «.. أما أقباط المهجر. والذين بالفعل لا أدري ما أعمالهم في الحياة غير إصدار البيانات ورصد الحوادث والقبض مقابل ذلك ــ أتحدق عن بعضهم للدقة ــ فهاهم يعودون للمناداة للوقوف أمام البيت الأبيض، ونسوا تماماً تحالف البيت الأبيض مع الإخوان والسلفيين،، وكأنهم لايرون الذقن الطويلة السوداء الممتدة في شرقنا الممزق للبيت الأبيض، وهل عميت عيونهم عن تجهيز أمريكا للسلفي نادر بكار وترحيبها بالسلفيين الذي رأيته بأم عيني، وعشقها لتحالفات وأكاذيب الإخوان ضد النظام، ماذا سوف يفعل لنا البيت الأبيض يا أقباط التظاهر ؟!....أذكركم بدوركم الجميل - أو دور آبائكم - إبان حرب أكتوبر المجيدة من إمدادات وجمع تبرعات، الأمر الذي يحتاج إلى كتاب مفصل. فلماذا لا نجد من هذا الجيل غير التظاهر... إنني أرفض مظاهرة البيت الأبيض، فكروا في أعمال شاقة أكثر لمواجهة كتل الظلام الضخمة التي باتت تحاصرنا...


• لماذا أمام البيت الأبيض، ألم تتابع ياخليل تصريحات المرشح الرئاسي وما قاله حول التورط الأمريكي ودور هيلاري كلينتون في المنطقة المؤثر ضد مصالح مصر، وأن العلاقات المصرية الأمريكية لازالت متوترة... خياركم يحمل دلالات غير طيبة وقفز على مصالح شخصية، وإلا كان خياركم الأصلح أمام سفارتنا هناك حتى تعلي من شأن الوطن الذي يعاني أزمات مرحلة انتقالية صعبة..


• ألم تلحظ ياخليل أن إخوان النكد الأزلي وأتباعهم يتظاهرون في كل الدنيا بداية من المطابة بعودة مجرم العشيرة، ووصولاً لنشر دعاواهم المريضة الغبية ضد مصالح البلاد والعباد وبشكل منظم ومدعوم مادياً وسياسياً. والحصاد كان الفشل في تحقيق أهداف ؟!


نعم، نجد من يؤكد أن الحساسيات بين المسلمين والمسيحيين في مصر لم تصل إلى حد وجود مايمكن أن يطلق عليه « العزل الديموجرافى « أو انتشار المذابح الجماعية الوحشية عبر القتل على الهوية الدينية، ولكن حتى لاتصل الحالة إلى ذلك ينبغى الاعتراف بوجود الحساسيات والشقاق الثقافى بدلا من التهوين والإقلال من حجم المشكلة...


ونجد أيضاً من يُشير إلى ظهور مايمكن أن يُطلق عليه اضطهاد ثقافي عبر حالة تغييب متعمدة لوجود معرفي ومعلوماتي عن المواطن المسيحي من خلال الإصرار على الاستمرار فى التجهيل بهم وتهميشهم إعلاميا وحضارياً، وهو مايزيد من حدة الشعور بالإقصاء، و ما يعني مايمكن أن يكون بمثابة تأكيد مجتمعي أنه لاغضاضة أن ينال أقباط مصر ما ينالونه من معاملة غير عادلة، ووصف مايرتكب من اعتداءات عليهم في النهاية بالفردية والجنائية و بالتعبير الشعبوي الخايب «مصارين البطن بتتخانق»...


أيضاً، أرى أن إصرار الكنيسة القبطية على رفض توظيف القضية دولياً عبر تاريخها هي حكاية وطنية مشهود لها. ولكن ينقصها أيضاً أن يعلم أولى الأمر في بلادي أن تَطوع البعض من أهالينا غير المحسوبين على الكنيسة في بلاد الفرنجة من أصحاب الجنسيات المشتركة لعمل تظاهرات للمثول أمام بابا الخواجه لتقديم مظلمة اجتماعية وإنسانية بالنيابة عن قطاع من أهل مصر أنه لا ينبغي أن يكون محط اهتمام، فقد تجاوزنا زمن أن يسافر الزعيم مصطفى كامل وصديقه محمد فريد إلى بلاد الفرنجه لفضح أساليب المستعمر المحتل الجاثم على أرضه، وتبني قضايا الوطن في الخارج، بعد أن صار العالم قرية كونية صغيرة، وأنه و «بكبسة زر» يصير العالم عند أطراف الأصابع كما يقولون، ليعلم العالم تفاصيل واقع أي وطن وحال مواطنيه، و حال الديمقراطية وحقوق الإنسان على أرضه... إلخ، وبنفس التفهم الرسالة موجهة لأصجاب مثل تلك المبادرات غير المجدية، وأظن أن محاولات سابقيهم لإجراء خطوات أراها كانت أكثر تواصلاً مع الرأي العام في تلك البلاد على الأقل من حيث الشكل للوصول الأسرع، مثل إلقاء خطابات أمام برلماناتها ومجالس شيوخها وعبر مؤتمرات صحفية دولية، ولكن كل تلك المبادرات هي أيضا لم تقدم أي نماذج ناجحة أو مؤثرة لتجاوز مظالم يعاني منها مواطنوهم!!