أحشاء مصر تلتهب فى صعيد مصر!!

27/07/2016 - 1:50:35

بقلم - د. مينا بديع عبد الملك

فى ٢٤ يوليو ١٩٦٥ قام الرئيس جمال عبد الناصر والبابا كيرلس السادس بوضع حجر أساس الكاتدرائية المرقسية الكبرى بالعباسية – القاهرة، وفى الكلمة التى ألقاها الأنبا أنطونيوس مطران سوهاج والمنشاة وسكرتير المجمع المقدس قال – من بين ما قاله – (إننا حينما نبنى كنيسة، فإننا نبنى مصنعاً لإعداد مواطن صالح)، وهنا قبل أن أوجه كلمتى لإخوتى المسلمين وإخوتى المسيحيين، أود أن أسأل الآباء المطارنة والأساقفة والكهنة إن كانوا يدركون حقيقة معنى هذه الكلمة؟ ولو أدركوا معناها فعلاً لسطروا العديد من المقالات فى الجرائد والصحف لأبناء مصر من مسلمين ومسيحيين لتوعيتهم بأهمية بناء الكنيسة بدلاً من الدخول فى مناقشات قانونية وتشريعية لن تأتى بأى ثمار سواء فى المستقبل القريب أو البعيد وسنظل ندور فى حلقة مُفّرغة!!


لكن للأسف الشديد أن المجموعة التى تحيط بالبطريرك – وهو الذى اختارهم – لا تجيد الحديث ولا تجيد الكتابة ولا تجيد التعامل مع الناس وثقافتهم العامة وحتى الكنسية ضحلة جداً من هنا تأتى التصريحات سطحية للغاية ومصدر تعجب من المفكرين والكُتاب والباحثين عن الحقيقة. أيُعقل أن نسمع الأنبا يوليوس – وهو شاب صغير السن من دير القديس مينا بمريوط – وهو أسقف على منطقة مصر القديمة – نسمعه يوم الأربعاء ٢٠ يوليو ٢٠١٦ يقول فى وجود البطريرك بكنيسة السيدة العذراء بمصر القديمة الشهيرة باسم «الكنيسة المُعلقة» فى ترحيبه بالبطريرك يقول: (نحن ضيوف عند البابا) !! يا للهول. ألا يُدرك هذا الأسقف وغيره من الأساقفة الذين كانوا متواجدين أننا بداخل الكنيسة أى موجودون فى بيت الرب، وأننا جميعنا متواجدون فى حضرة الرب نفسه، ونشكره لأنه قبلنا أن نتواجد فى بيته. عاوز أعرف: (ضيوف عند مين بالضبط)؟ وفى نفس اليوم نقرأ كلمة أرسلها الأنبا رافائيل سكرتير مجمع أساقفة الكنيسة القبطية للبطريرك يقول فيها بالنص: (علمتنا – أى البطريرك - دروساً كثيرة اليوم .. أن الصلاة هى الحل والملجأ، المحبة لا تسقط أبداً)!! وأختتم تدوينه على «الـ «Face Book بقوله: (كما علمتنا الاحتمال والصبر وطول البال)!! أريد أن أعرف: (لماذا ذهب هذا الأسقف إلى الرهبنة؟ أليس من أجل حياة الصلاة التى هى الحل والملجأ فى الشدائد؟ لماذا يقيم القداسات والصلوات اليومية أليس من أجل النجاة من الضيقات؟ بعد كل هذا العمر يعلم لأول مرة أن الصلاة هى الحل والملجأ؟ ألم يطالع كتاب بستان الرهبان من قبل ليعرف كيف سلك آباء البرية إزاء الضيقات والتجارب التى كانت تعترض حياتهم؟ ألم يسمع عن البابا كيرلس السادس – وهو يقيم فى نفس مقر إقامته بالأزبكية – أن الصلاة هى كانت مصدر تعزيته اليومية فى حياته؟ ألم يقف أمام الشعب فى كنيسته وكنائس أخرى ليؤكد لهم أن الصلاة هى ملجاء المؤمنين فى الشدائد والضيقات؟ أعتقد أن هذا نفاق رخيص جداً!!). ثم يوجد فرق يا نيافة الأسقف بين من يصمت ليتكلم الله، ومن يصمت لغياب الأيدولوجيات!! الفرق كبير جداً.


فى أسباب أحداث صعيد مصر


أربعة عوامل تتضافر فى أحداث المنيا التى لن تتوقف، وهى: الحكومة العاجزة عن تفعيل القانون على الخارجين عليه، السلفيون البغضاء الذين يضمرون الشر للمسيحيين فى أنحاء صعيد مصر ومن قبلها بالإسكندرية، رجال الدين المسيحى الذين بدون قدوة حقيقية، ثم الإعلام المصرى سواء بالإذاعة أو التليفزيون أو الإعلام المقروء.


(أ) الإعلام المصرى:


لماذا لا تخصص الجرائد القومية كجرائد «الأهرام» و «الأخبار» و «الجمهورية» صفحة أسبوعية تحت عنوان «الحضارة القبطية» وتقدم مفاهيم صحيحة لدور الكنيسة كمدرسة للوطنية الصادقة ويحررها مفكرون دون رجال الدين المسيحى، يقدمون خلالها الصورة الحقيقية للكنيسة بعيداً عن الأمور العقائدية (على غرار صفحة الفكر الدينى الإسلامى التى تُخصص أسبوعياً). لماذا لا تخصص المجلات القومية كمجلات «المصور» و «آخر ساعة» و «أكتوبر» صفحتين أسبوعياً حول الدور الوطنى للكنيسة وأثرها فى الحضارة الغربية؟ لقد هلك الشعب بسبب عدم المعرفة. الشعب البسيط والمُنقاد وراء الخرافات والشائعات لديه معلومات غير صحيحة ومفاهيم خاطئة عن الكنيسة وعملها. وللأسف أنهم يظنون أن الكنيسة مكان للفساد واللهو، مع أن الكنيسة هى بيت الله، وأن الصلوات التى تُقدم يومياً من أجل كل إنسان يحيا على أرض مصر بل ومن أجل مصر نفسها.


(ب) الدور السلفى فى صعيد مصر:


تشبع الأزهر بالفكر السلفى حتى أن بنيته – كما يقول د. جابر عصفور وزير الثقافة الأسبق – أصبحت مُعارضة لتجديد الخطاب الدينى، فالغالب على دراسات الأزهر هو تقديس كل ما هو مطبوع فى كتب صفراء. وعلى الرغم من أن السيد الرئيس السيسى طلب من فضيلة شيخ الأزهر ضرورة تجديد الخطاب الدينى منذ نحو سنتين، إلا أن المناهج لم تتغير وهى تُنتج مفكرا داعشى الهوى!! فالأفكار المتطرفة السلفية تمنع بناء الكنائس فى مصر حتى لو بأمر الحاكم!!


ففى خلال شهر مايو تم حرق الخيمة التى كان يصلى بها الأقباط فى قرية الإسماعيلية بالمنيا، وهى الخيمة التى كان مُصرح للصلاة بها نظراً لرفض الحكومة إعطاء تصريح ببناء كنيسة!! وفى نفس الشهر قام أكثر من ٣٠٠ مسلم بالهجوم على منازل الأقباط بقرية «الكرم» بالمنيا مما تسبب فى حرق ٧ منازل كما تمت إهانة سيدة قبطية مُسنة فى شوارع القرية. وبعد أن تم القبض على بعض المتهمين – بصورة عشوائية – تم الإفراج عنهم، وكأن شئيئا لم يحُدث فى القرية!! مجرد انتشار شائعة أن أحد المنازل سوف يتحول إلى كنيسة (لا أعرف كيف؟) يتم الهجوم على المنزل وعلى صاحبه، كما حدث فى عزبة «الذهب» ولم يتحرك الأمن!! وحدث أيضاً بعزبة «فرج الله» بسمالوط عندما قام مجموعة من الغوغاء بحرق حضانة بزعم محاولة تحويلها إلى كنيسة، وهجوم مئات المتعصبين على منازل الأقباط فى قرية «أبو يعقوب» بالمنيا وحرق خمسة منازل بحجة محاولة الأقباط بناء كنيسة بدون ترخيص (وكأن بناء كنيسة شئ ممنوع أو جريمة نكراء!!) وفى أمثال هذه الحالات يتم الضغط على الأقباط لقبول الجلسات العُرفية وذلك من الدولة وبيت (كُشك) العائلة الذى له دور سيئ فى استقرار الأحوال الأمنية بداخل الوطن. ذلك البيت الذى يضم بعض رجال الأزهر ورجال الكنيسة!! ثم الهجوم على عائلة اثنين من الكهنة بالمنيا، ومقتل شقيق أحدهما وإصابة ثلاثة آخرين بطعنات نافذة، ومازال المُسلسل مستمراً فى وسط غياب الأمن بالمحافظة وتواطؤ السيد المحافظ!!


(ج) غياب القدوة عند رجال الدين المسيحى:


للأسف الشديد أن ضعف الشخصية وغياب الثقافة العامة وأيضاً الثقافة الكنسية الحقيقية وراء حدوث المشاكل والاحتكاكات الطائفية. والقصة التى طالما ذكرتها من قبل، فى عام ١٩٦٥ تم إغلاق كنيسة مارجرجس بمنطقة حلوان – بسبب شكوى من زوجة أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة – قام الأنبا صموئيل أسقف الخدمات العامة بإقامة الصلاة فى الطريق العام أمام باب الكنيسة المُغلق يحيط به الكهنة وشعب المنطقة، كما قام البطريرك الشجاع البابا كيرلس السادس البطريرك ١١٦ باصطحاب وفدا من المطارنة وتوجهوا إلى منزل الرئيس جمال عبد الناصر فى منشية البكرى وعرضوا عليه المشكلة (أنظروا إلى عينى البابا كيرلس السادس فى مقابلته مع الرئيسين عبد الناصر والسادات لتعرفوا قوة شخصيته، من خلال الصورتين المرفقتين). ولم يكن الرئيس يعلم بتلك الواقعة، وعلى الفور قرر فتح الكنيسة، كما طلب من البابا كيرلس بأهمية بناء أكبر كاتدرائية فى الشرق وكان ذلك يوم ٩ مايو ١٩٦٥. فكانت شخصية البابا البطريرك مصدر إعجاب من الرئيس جمال عبد الناصر. أيضاً حدث أن أديب مصر العظيم الأستاذ توفيق الحكيم لم يفهم نصاً بالإنجيل للقديس لوقا فقال فى نفسه: (غمرتنى الدهشة وقلت لابد لذلك من تفسير. فمن يفسر لى حتى يطمئن قلبى؟ وصرت اسأل من أعرف من أخوتنا المسيحيين المثقفين، فلم أجد عندهم ما يُريح نفسى .. أما فيما يخص بالمسيحيين فمن اسأل غير كبيرهم الذى أحمل له التقدير الكبير لعلمه الواسع وإيمانه العميق .. البابا شنوده). وفعلاً قام البابا شنوده الثالث بالرد على استفسار الأستاذ توفيق الحكيم فى نحو خمسة صفحات. لذلك الشخصية – فى أمثال تلك المواقف – مطلوبة بالإضافة إلى الثقافة العامة والثقافة الكنسية، وهنا تنتهى المشاكل بل ويسود الأمن.


أعود إلى نقطة التعليم فى الكنيسة .. أكاد أقول إن التعليم سطحى جداً أو غائب، لماذا لا نُعّلم الشعب من فوق المنابر «وطنية الكنيسة» فى الصلوات اليومية التى نرفعها فى الكنائس؟ الكنيسة تهتم بالفصول الزراعية الثلاثة، وفى كل فصل من الفصول تردد الكنيسة صلوات عن أحتياجات الفلاح وتمنياته وترفعها إلى إله الكون ومدبره والمعتنى به. فتردد الكنيسة الصلوات الآتية: (أصعد المياه كمقدارها – كنعمتك فرح وجه الأرض ليرو احرثها، لتكثر أثمارها، أعدها للزرع والحصاد، ودبر حياتنا كما يليق). وأيضاً الكنيسة لا تنسى المحتاجين والفقراء – بدون استثناء – فتقول فى صلواتها: (بارك رأس السنة بصلاحك من أجل الفقراء، من أجل الأرملة، واليتيم، والغريب، والضيف، من أجلنا كلنا .. لأن عيون الكل تترجاك، لأنك أنت الذى تعطيهم طعامهم فى الوقت المناسب، أصنع معنا حسب صلاحك يا معطياً طعاماً لكل ذى جسد). ثم إذ أن الكنيسة تعلم أن تعظم المعيشة ووفرة المال أمور تتضمن تفاوتاً بين البشر وحرصاً من الغنى على أن يظل غنياً، مع احتياج أخيه إلى أقل القليل – لهذا تطلب الكنيسة من الله أن يمنح الجميع القناعة والرضا والفرح، فتقول فى صلواتها: (املأ قلوبنا فرحاً ونعيماً .. لكى إذ يكون لنا الكفاف فى كل شئ كل حين نزداد فى كل عمل صالح). وفى ثلاث مرات فى السنة تصلى الكنيسة صلاة تُسمى «صلاة اللقان» واللقان عبارة عن وعاء كبير يًملأ بماء النيل فى عيد الغطاس (١٩/٢٠ يناير)، عيد خميس العهد (قبل عيد القيامة بثلاثة أيام)، وعيد الآباء الرسل (١٢ يوليو) وفيه تصلى الكنيسة على ماء النيل الذى يحمل أحد أسماء أنهار الجنة «جيحون» التى وردت فى السفر التكوين لموسى النبى فتقول: (نهر جيحون – أى النيل – املأه من بركاتك، فرّح وجه الأرض، جددها دفعة أخرى. اصعد نهر النيل كمقداره .. بقاع مصر املأها من الخير، وليكثر حرثها وتتبارك ثمارها .. لتفرح كل بلاد مصر .. والأرض تتهلل بفرح من جودك ..). وفى صلوات أسبوع الآلام المحيية تصلى الكنيسة وتقول: (يالله تراءف على العالم بعين الرحمة والرأفة .. وبارك فى غلات الأرض .. ونيل مصر باركه فى هذا العام وكل عام وفرّح وجه الأرض ..). وفى نهاية كل قداس، وقبل أن ينصرف المصلون، يرش الكاهن ماء النيل الذى صارت فيه بركة بالصلاة عليه – يرشها على المصلين، الذين يحرصون على أن تصل لكل واحد منهم قطرات من هذا الماء المبارك. ويكون هذا خاتمة الصلوات – يخرجون بعدها إلى الحياة الإجتماعية ليكونوا ملحاً للأرض، ونوراً للعالم.


أود مخلصاً أن أشير على الآباء المطارنة والأساقفة والكهنة بمطالعة الكتب الآتية: مدرسة حُب الوطن (للدكتور وليم سليمان)، مصر فى طقوس كنيستها (للدكتور وليم سليمان)، المسيحية والإسلام على أرض مصر (للدكتور وليم سليمان)، المسيحى فى المجتمع (للأب متى المسكين)، المسيحى فى الأسرة (للأب متى المسكين)، الخطاب الدينى فى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية (للدكتور جورج حبيب بباوى).


وأرجو من المسئولين عن ملف بناء الكنائس أن يقدموا لأعضاء البرلمان والمسئولين دور الكنيسة الوطنى فى إعداد المواطن الصالح، وهذا كفيل بحل جميع المشاكل المتراكمة إن كنا لدينا وعى حقيقى بدور الكنيسة. كما أطالب بضرورة سحب ملف بناء الكنائس من أسقف طنطا لما سبق ما سببه من مشاكل عديدة فى لجنة الدستور التى كان يرأسها السيد عمرو موسى، والمشاكل والتجاوزات التى حدثت فى انتخابات البطريركية فى عام ٢٠١٢!!


(د) دور الدولة فى القضاء على المشاكل والاحتكاكات:


طالما ردد الرئيس السيسى فى مناسبات مختلفة الآتى: (مصر دولة قانون ومن يُخطئ يُحاسب، الوحدة الوطنية ضمانة الوجود .. والمسلمون والمسيحيون شركاء الوطن دون تفرقة) لكن يا سيادة الرئيس .. القانون غير مُفّعل على الإطلاق، والمذنبون يتجولون بحريتهم فى أنحاء البلاد برعاية من الأمن، وغياب من القضاء، وبمباركة من بعض المحافظين!! لا أفهم كيف يُترك محافظ المنيا فى منصبه دون محاسبته قضائياً؟ أين وزير الحكم المحلى؟ وأين وزير العدل؟ وأين وزير الداخلية؟ إجهاض الجرائم بجلسات مصالحة زائفة هو عمل ضد أمن الوطن. أتذكر فى أثناء فترة الرئيس السادات كان للجماعات المتطرفة دور سيئ فى أسيوط، من هنا كان الرئيس السادات يسند محافظة أسيوط لأحد رجال الشرطة الأقوياء ومنهم اللواء زكى بدر، واللواء نبوى إسماعيل وغيرهما، وكان وزير الداخلية بعد ذلك يتم اختياره من محافظى أسيوط. اليوم فى أسيوط لا توجد بؤرة فساد واحدة ولا تجاوز أمنى واحد إذ تم استئصال جذور التطرف فى أسيوط.


الكنيسة ستظل – دائماً أبداً – مدرسة الوطنية الصادقة.