فقراء مصر عددهم 3.38 مليون مواطن.. منهم 5.22 مليون يعيشون تحت خط الفقر و8.3 مليون مواطن لا يجدون ما يكفيهم من الغذاء لاستمرار الحياة

23/09/2014 - 10:39:30

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتب - عبدالقادر شهيب

رغم أن الفقر هو المشكلة الأولي لمجتمعنا إلا أنه لا يوجد حصر دقيق لعدد الفقراء في بلادنا.. كل ما هو موجود مؤشرات تشي تقريباً بهذا العدد ولا تتضمن هذا الحصر المطلوب لعدد الفقراء لدينا، مثل الدراسة التي أعدها معهد التخطيط عن الألف قرية الأكثر فقراً في بلدنا، أو الدراسات التي أعدتها وزارة التخطيط عن المناطق العشوائية المنتشرة في مدننا المختلفة، وأيضاً مثل البحث الخاص بالدخل والإنفاق والاستهلاك الذي يحافظ الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء علي إعداده منذ عام 58/ 1959 بشكل دوري في البداية كل خمس سنوات، ثم كل سنتين منذ عام 2008/ 2009 وحتي الآن.


طبقاً لهذا البحث الذي أجراه جهاز التعبئة والإحصاء عام 2012/ 2013 فإن نسبة الفقراء في بلدنا تبلغ 3.26% من عدد السكان، أي نحو 5.22 مليون نسمة.. وهؤلاء يقبعون تحت خط الفقر القومي، وهو الخط الذي يمثل تكلفة الحصول علي السلع والخدمات الأساسية للفرد مثل الطعام والسكن والملبس وخدمات التعليم والصحة والمواصلات، وقيمة هذا الخط الإجمالي علي مستوي الجمهورية يبلغ 3920 جنيهاً سنوياً أي بما يعادل 7.226 جنيه شهرياً ، ومن بين هؤلاء فئة أسوأ ظروفاً وحالاً ويعدون الأشد فقراً، وهم الذين يقبعون تحت خط الفقر المدقع، أو خط الفقر الغذائي الذي يمثل تكلفة المعدل علي الغذاء فقط، وهؤلاء اضطروا إلي التغاضي والتنازل عن جزء من الإنفاق الضروري الذي يحتاجونه عن الغذاء لتغطية نفقات غير غذائية ضرورية لا يستطيعون الاستغناء عنها مثل الإنفاق علي المسكن والمواصلات.. وقد بلغت نسبة هؤلاء عام 2012/2013 نحو 4.4% من أفراد المجتمع أي 8.3 مليون نسمة.. بينما تم تقدير خط الفقر الغذائي أو المدقع لإجمالي الجمهورية بنحو 2570 جنيهاً سنوياً للفرد، أي بما يعادل 2.214 جنيه شهرياً.


وهكذا طبقاً لآخر بحث للدخل والإنفاق والاستهلاك قام به جهاز التعبئة والإحصاء 5.22 مليون مواطن ومواطنة لا يقدرون علي توفير الحد الأدني الضروري لاحتياجاتهم الأساسية من الغذاء.. والمسكن والملبس والخدمات الأخري مثل الصحة والتعليم، من بينهم نحو 8.3 مليون مواطن لا يقدرون علي توفير الحد الأدني الضروري لهم من الغذاء.


لكن مع ذلك لدينا مواطنون آخرون يعيشون بالقرب من خط الفقر وهم مهددون بالوقوع والسقوط تحت خط الفقر في أي وقت إذا ما تعرضوا لمفاجآت غير سارة مثل فقدان العاملين منهم أعمالهم أو حدوث ارتفاع طارئ وكبير للأسعار، خاصة أسعار السلع الأساسية.. وحتي إذا لم يسقط هؤلاء تحت خط الفقر فإن حياته تتسم أيضاً بالبؤس مثل أقرانهم الذين يعيشون الآن تحت هذا الخط حيث لا يزيد إنفاقهم إلا قليلاً وأحياناً قليلاً جداً عن إنفاق الواقعين تحت خط الفقر.. فمنهم من لا يتجاوز إنفاقه الأربعة آلاف جنيه سنوياً، وهو رقم يزيد فقط بضع عشرات من الجنيهات سنوياً عن خط الفقر المحدد في دراسة التعبئة والإحصاء والذي تم اعتماده بما ينسجم مع السلوك الاستهلاكي للفقراء وبما يوفر لهم السعرات الحرارية والبروتينات اللازمة للبقاء علي قيد الحياة والقيام بالنشاط الطبيعي.


وبهذا المعني، فإن عدد الفقراء في مصر يصير أكبر من عدد الذين يقبعون تحت خط الفقر، أي أكبر من 5.22 مليون مواطن.. وإذا اعتمدنا علي ذات الدراسة التي يعدها جهاز التعبئة والإحصاء للدخل والإنفاق والاستهلاك باعتبارها الأساس الوحيد الذي يصلح الاعتماد عليه لإحصاء عدد الفقراء سوف نجد تقسيماً بين شرائح إنفاق مختلفة تبدأ بأقل من ثلاثة آلاف جنيه سنوياً وتصل إلي أكثر من 12 ألف جنيه سنوياً، وفي هذا التقسيم بلغت نسبة من تصل قيمة إنفاقهم إلي أربعة آلاف جنيه فأقل وهو رقم قريب جداً من خط الفقر إلي نحو 6.44% من السكان.. وبهذا يمكننا أن نستنتج بشكل تقريبي أن عدد الفقراء في مصر بمن فيهم الذين يقبعون تحت خط الفقر أو الذين يعيشون فوقه بالقرب منه يصل إلي نحو 3.38 مليون نسمة.. وهذا عدد كبير ويشير إلي وجود اختلالات اجتماعية حادة وكبيرة في بلدنا حيث يوجد لدينا كل هؤلاء الفقراء وفي ظل وجود مظاهر صارخة للغني والثراء منتشرة في كل مكان بالبلاد حتي في الريف وتحديداً ريف الصعيد الذي يستأثر بوجود العدد الأكبر من هؤلاء الفقراء.


وأعداد الفقراء بمصر في تزايد مستمر علي مدي أربعة عشر عاماً مضت حيث تشير بيانات جهاز التعبئة والإحصاء ونتائج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك إلي ارتفاع نسبة من يعيشون تحت خط الفقر في مصر من 7.16% عام 99/2000 إلي نسبة 6.19% عام 2004/2005 ثم إلي 6.21% عام 2008/2009% ثم إلي 2.25% عام 2010/2011، وها هي وصلت إلي نسبة 3.26% من السكان في آخر عام أجري فيه هذا البحث وهو عام 2012/2013.


غير أن نتائج البحث تشير إلي ارتفاع في نسبة الفقر المدقع حتي عام 2008/2009 من 9.2% عام 99/2000 إلي 6.3% عام 2004/2005 ثم قفزت إلي 1.6% عام 2008/2009.. إلا أنها بدأت في الانخفاض عام 2010/2011 لتصل إلي 8.4% وتنخفض أكثر في عام 2012/2013 إلي 4.4% وإن كانت هذه النسبة تظل أكبر من نسبة الفقر المدقع عام 99/2000، وهي تساوي قرابة الأربعة ملايين مواطن يعجزون عن توفير ما يحتاجونه من غذاء للبقاء علي قيد الحياة، وهو عار كبير علينا.


وإذا كان الذين ليس لديهم القدرة علي توفير ما يحتاجونه من الغذاء للبقاء علي قيد الحياة قد انخفضت نسبتهم إلي عدد السكان فإن ذلك لا يجب أن يجعلنا نغفل عن ارتفاع أعداد الفقراء بشكل عام سواء الذين يعيشون تحت خط الفقر ويعجزون عن توفير احتياجاتهم الأساسية من غذاء وملبس ومسكن وخدمات صحية وتعليمية، أو من يعيشون بالقرب من هذا الخط ومهددون بالسقوط تحته يوماً بعد الآخر، ولعل هؤلاء هم تحديداً سبب زيادة أعداد الواقعين تحت خط الفقر علي هذا المنوال وبشكل دائم طوال أربعة عشر عاماً مضت لتزداد مشكلة الفقر لدينا حدة ويعد ضرورياً أن نخوض حرباً في مواجهة هذا الفقر الذي يفترس أكثر من 38 مليون مواطن ومواطنة ويهدد أعداداً أخري لا تقل عن نحو 18 مليون مواطن آخر وهؤلاء - طبقاً لبحث جهاز التعبئة والإحصاء يقل إنفاق الواحد السنوي منهم ما بين أربعة وخمسة آلاف جنيه ويمكن تصنيفهم في إطار الفئات الدنيا من الطبقة الوسطي وبهذا المعني يمكننا دون أن نتجاوز حدود الموضوعية أن مشكلة الفقر تؤرق نحو 56 مليون مواطن مصري منهم 38 مليون مواطن تؤرقهم هذه المشكلة أكثر من بينهم 5.22 مليون مواطن لا يقدرون علي الوفاء باحتياجاتهم الأساسية منهم أربعة ملايين يعجزون عن تدبير احتياجاتهم الدنيا من الغذاء.


وطبقاً لدراسة التعبئة والإحصاء فإن أغلب الفقراء في مجتمعنا إما أميين لا يعرفون القراءة والكتابة أو نالوا قسطاً محدوداً من التعليم.. فإن نسبة الأميين بين الذين يعيشون تحت خط الفقر تبلغ 37% بينما تصل نسبة من يقرأون ويكتبون ولكن لديهم شهادة محو أمية إلي نسبة 30%.. أما نسبة الحاصلين علي شهادة جامعية بين الذي يعيشون تحت خط الفقر فهي تبلغ 9% وترتفع هذه النسبة إلي 21% للحاملين لشهادة متوسطة.


أيضاً أغلب الفقراء في مصر ينتمون لأسر كبيرة تضم أفراداً كثيرين.. فإن نحو 67% من الأفراد الذين يعيشون في أسر بها عشرة أفراد فأكثرهم من الفقراء عامي 2012/2013 بينما تنخفض هذه النسبة إلي 38% للأفراد الذين يقيمون في أسر من 6 إلي 7 أفراد، أما الأسر التي يعيشون في أسر بها أقل من أربعة أفراد فإن 7% منهم فقط من الفقراء الذين يعيشون تحت خط الفقر.. وهذا يعني أن نسبة الفقر تزيد مع زيادة حجم الأسر.


وذات الأمر يمكن استنتاجه من نوع العمل الذي يعمل فيه هؤلاء الفقراء، حيث توجد علاقة ارتباط واضحة بين العمل في الحكومة أو قطاع الأعمال وبين مستوي المعيشة.. فإن نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر بين الذين يعملون في الحكومة أو قطاع الأعمال لا تتجاوز 13% بينما ترتفع هذه النسبة بين الذين يعملون في القطاع الخاص لتصل إلي 21%، وترتفع أكثر بين الذين يعملون خارج المنشآت «أي أعمال غير منظمة» لتصل إلي 36%.. وهكذا من بين كل مائة يعملون في الحكومة يوجد منهم 13 فرداً يعيشون تحت خط الفقر ومن بين كل مائة يعملون في القطاع الخاص هناك 21 فرداً يعيشون تحت خط الفقر، أما من بين كل مائة يعملون خارج المنشآت ويمتهنون أعمالاً غير منظمة فهناك 36 فرداً منهم يعيشون تحت خط الفقر.


إذن يمكننا أن نسجل توصيفاً للفقراء في مصر بأنهم الأقل تعليماً، والأكثر انتماء لأسر كبيرة تضم أفراداً كثيرة، وأيضاً الأكثر عملاً خارج الحكومة والقطاع العام وأيضاً القطاع الخاص أو تحديداً خارج المؤسسات وأعمالهم غير منظمة فضلاً عن أن أكثر من ثلثي فقراء مصر لا يحظون أصلاً بأعمال دائمة.


وليس من الصعب بالطبع أن نضع أيدينا علي حجم المعاناة الضخمة والكبيرة التي يعيشها هؤلاء الفقراء، وتحديداً من سقطوا بمرور الوقت تحت خط الفقر وفقدوا القدرة علي تدبير احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والكساء والمسكن والخدمات الصحية والتعليمية.. فهذا ما تجسده أيضاً نتائج بحث الدخل والإنفاق لعامي 2012/2013 الذي يجريه جهاز التعبئة والإحصاء كل سنتين بشكل دوري.


فإن متوسط الإنفاق الكلي للفرد في الحضر لا يتجاوز 620 جنيهاً شهرياً أي ما يساوي 88 دولاراً أمريكياً بينما ينخفض هذا المتوسط في الريف إلي 425 جنيهاً شهرياً، أي ما يساوي 61 دولاراً، وهذا المتوسط منخفض جداً إذا قورن بالمستويات العالمية.


كما أن النسبة الأكبر من الإنفاق تخصص للطعام والشراب وتصل إلي قرابة 38% بينما تنخفض نسبة الإنفاق علي الملابس إلي 4.5% والتعليم والأثاث إلي 4% والثقافة والترفيه إلي 2%.. وهذا يعطي مؤشراً علي انخفاض مستوي المعيشة بشكل عام في البلاد وللنسبة الأكبر من المواطنين.. وهذا ما تؤكده أرقام ونسب توزيع الإنفاق.. حيث يوجد في مجتمعنا نسبة 5.39% من الأسر يقل إنفاقها عن خمسة عشر ألف جنيه سنوياً ونحو 9.59% يقل إنفاقها عن عشرين ألف جنيه سنوياً وفي المقابل هناك فقط نحو 2.6% من الأسر يزيد إنفاقها عن خمسين ألف جنيه سنوياً.. وإذا كان ذلك يكشف حجم الخلل الكبير في توزيع الدخول بمصر فإنه يكشف في ذات الوقت أن قرابة ثلثي عدد المواطنين في مصر إنفاقهم ضعيف.. لذلك لم يكن غريباً أن يسجل بحث التعبئة والإحصاء انخفاض نسبة الذين يحوزون علي سيارة ركوب خاصة إلي 2.6% من الأسر وانخفاض من لديهم أجهزة تكييف إلي 2.8% ومن لديهم فلتر مياه إلي 9.3%، ومن لديهم مكروييف أو شواية إلي 4.3%، ومن يملكون غسالة ملابس أوتوماتيك إلي 7.22% ومن يملكون كمبيوتراً شخصياً إلي 4.37%.


وهذا يعني أن حياة الأغلب الأعم من المواطنين في بلادنا مازالت بسيطة وخالية من الأدوات التي تمكنهم من التمتع بقدر من الرفاهية.. والسبب أن عدداً كبيراً منهم يعانون الفقر بل إن بعضهم يعاني الفقر المدقع، وهناك شريحة تعيش بالقرب من خط الفقر محاصرة بالمخاوف أن تسقط تحته مثلما حدث بالفعل علي مدار السنوات الماضية لأسر عديدة.


وهكذا.. مشكلة الفقر لدينا ليست سهلة وإنما هي مشكلة كبيرة وضخمة لكثرة أعداد الفقراء من ناحية ولتزايدهم المستمر من ناحية أخري ولأن عدداً ليس قليلاً من المواطنين يعيش الآن تحت ضغوط التضخم والبطالة مهدد بأن يسقط في دائرة الفقر.


هنا تصبح الحرب علي الفقر لامناص منها.. إنه واجب يفرضه علينا ليس فقط مقتضيات العدالة الاجتماعية الذي صار واجباً دستورياً بعد إقرار دستورنا الجديد، وإنما هو واجب يفرضه علينا أيضاً تطلعنا لتأسيس دولة ديمقراطية عصرية.. فلا دولة عصرية يتفشي فيها الفقر علي هذا النحو ولا ديمقراطية حقيقية في هذه الدولة إذا استمر الفقر وتزايد علي هذا النحو الذي تشهده بلادنا، بالإضافة إلي ذلك لا نصر حاسم وقريب علي الإرهاب الأسود الذي أطل بوجهه الكئيب علينا إلا بمحاربة الفقر في ذات الوقت