عائلات المنيا ياسيادة الرئيس (١-٣)

27/07/2016 - 1:37:35

  عادل سعد عادل سعد

بقلم - عادل سعد

الليل أعمى والرصاص بلا عقل، والأعصاب المقهورة سحقها انتظار الموت، لم يعد الفلاح يحرث أرض حقله نهاراً أو يدرسها ليلاً كما اعتاد. صار يخشى أن تخترق جسده رصاصة شرطة أو إرهاب.


«ارحموا الصعيد شوية إِنتم زرعتم الإرهاب» قالت أم شديد.


البيت فى حارة ضيقة، وبلا لون مثل أغلب بيوت الريف.


«إحنا زى ما أنت شايف لا عندنا مال ولا أرض ولا ملك»


«الولد قعد من غير شغل، أخذ الدبلوم وهو متزوج وعنده عيّل بس ما عندوش شغل، شغّلوه فى الجماعة فى محل فول وطعمية بثلاثة جنيهات يومية، وسافر للجهاد ورجع، بعدها راح مع العسكر للمعتقل، وكان يسب ويشتم وضربوه قدامنا، بعد ما رجع، اختفى من البيت، وساب مراته ورجع لنا جثة، وأخته أخذوها السجن بحجة إن أخوها سافر أفغانستان وبهدلوها»


القرى محصنة بالمدرعات والحواجز الخرسانية، والأطفال حفاة، ينتظرون دورهم فى الالتحاق بالإرهاب.


غطت زوجة شديد وجهها، ومن تحت طرحتها سرت تمتمتها : «والله ما عندنا عيش ناشف وكان عاوز يجيب مرات صاحبه اللى مات فى الجهاد ويتزوجها، وتسكن معي.. أنا خفت.. وقلت له حاضر.. بس أكّلها»


مازلت أتذكر تلك المقابلة مع أم وزوجة ( شديد ) أحد المتطرفين فى أسيوط عقب مصرعه فى الثمانينيات.


سقط شديد فى بيت حصين، ولم يستسلم، إلا بعد قصفه بقذائف الآر بى جى. ولم تكتف الشرطة بقتله، وقامت بالتمثيل بجثمانه فى الشارع، وترُكت الجثة المشوَّهة أياما ليأكلها الذباب والقوارض دون نقلها للمستشفى، أمه لم تستطع التعرف عليه، وخرجت مظاهرات فى الجنازة، تندِّد بالأمن والحاكم الظالم. وكانت الشرطة تطلق رصاصًا طائرًا فى الهواء فوق الرءوس، أمام القسم. خوفًا من اقتحامه.


والآن أتابع ما يحدث فى المنيا، من عنف طائفى ودماء، ولا يبدو فى الأفق البعيد حل قريب، ونحن نجنى غرسا قديما، عندما زرع الأمن فى السبعينيات بتعليمات عليا الجماعات الإسلامية فى قلب الصعيد، لمحاربة الشيوعيين والناصريين، وأطلق أيديهم وسمح لهم بحمل السلاح وتداول المال والتحكم فى رقاب الناس.


تبنى د. عمر عبد الرحمن عميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر فرع أسيوط فكرة الخلافة الإسلامية رافضًا الليبرالية والديمقراطية، لأن البشر يشرعون لبشر، وهذه جاهلية، وهاجم كل من شارك بالانتخابات، واعتبرها إثمًا عظيمًا، وأن جلوس الإسلاميين مع أعضاء مجلس الشعب حرام. وأعلنت الجماعة الإسلامية رفض تعدد الأحزاب، لأنه لا يوجد سوى حزبين: حزب الله وحزب الشيطان.


واستخرج هؤلاء وهم مازالوا طلابا بالجامعة من فقه ابن تيمية عقاب»الطائفة الممتنعة «وأعدوا بحثا مطولا اعتبر الجيش والشرطة والنصارى والأهالى من تلك الفئة لأنهم يمنعون تطبيق شرع الله، وذلك يستوجب قتلهم شرعا، وطلبوا من الشيخ الأعمى أن يصدّق على ذلك. وكان يوقع بخاتمه النحاس، لأنه لا يرى، فأصاب الشيخ الفزع ورفض. وقال إن ابن تيمية أجاز ذلك لمحاربة التتار الكفرة، وظلوا يحاصرونه ويلحون عليه، حتى اشترط أن يضاف للبحث صفحة، توضح أن هذه مجرد فتوى – تحتمل الصواب والخطأ - وليست حكما، فوافقوا وبصم الشيخ بختمه، وكانوا يطبعون البحث ويوزعونه على صغار الشباب، بعد نزع الصفحة الأخيرة ، ليموتوا ويفجّروا أنفسهم فى سبيل الله .


زعماء الصعيد التسعة: كرم زهدي، و الدواليبي، وعاصم عبد الماجد، وناجح إبراهيم، وعلى الشريف، وطلعت فؤاد، ومحمد عصام، وأسامة حافظ، وحمدى عبد الرحمن، اجتمعوا مع خالد الإسلامبولى وطلبوا منه وضع خطة محكمة لاغتيال السادات.


وتحالف تنظيم الجماعة الإسلامية بحرى وقبلي، واتفقوا على إسناد الإمارة للشيخ عمر عبد الرحمن وسافروا للفيوم وعرضوا إمارة التنظيم وفى البداية رفض قبول المنصب وبعد إلحاح عليه وافق وقبل الإمارة.


العميد عمر صلاح، حضر أسيوط من سوهاج ملازم أول، أعجبته المدينة. وتزوج منها، انتقل للعمل فى سوهاج مديرًا لفرق الإطفاء، كان فى نهاية إجازة، ووقفت الزوجة من الدور الثالث لوداعه فى الشرفة مع الطفلين. تحت العمارة أولاد قادمون من قرى الغنايم، من طلبة مدرسة الصنائع المجاورة، نصبوا حجارة، ويلعبون كرة القدم بالجلابيب ويتصايحون. زوجها ظهر ليعبر الطريق نحو السيارة، واستدار ولوحت عندما نظر لأعلى، وقلدها الطفلان، أخرج أحد الأولاد صافرة ونفخ فيها، وصاح آخر: «الحكم وصل ..الحكم وصل»


من تحت الجلابيب خرجت ثلاث بنادق آلية، أطلقت نيرانها بكثافة على ضابط الإطفاء، فسقط جاثيًا.


زوجته خلعت شبابيك شرفات البيت، وألقتها على المهاجمين، فى محاولة يائسة للدفاع عن زوجها وحمايته.


وللحديث بقية .


ومن الطابق الخامس، تدلى صفوت جندى نعيم مقلوبًا، بال على نفسه، فأغرق وجهه، كان يتطوح فى الهواء وجاذبية الأرض تفتح فمها.


قطع الأمن - الذى صنع الجماعة الإسلامية للقضاء على نفوذ الشيوعيين والناصريين - شهر العسل، وتجرأ بإلقاء القبض على أربعة من قيادات الجماعة، ووقفت كتيبة مسلحة من الطلبة كالجوارح، من أصحاب اللحى والأثواب القصيرة البيضاء فى شارع الجامعة بأسيوط، فى مهمة محددة.


كل طالب يُسأل: محمد، وأحمد، وعبد الوهاب، يُسمح لهم بالمرور، وإن كان صليب أو جرجس أو اصطفانوس يُحتجز، وعندما وصل العدد تسعة صحبوهم إلى مبنى المدينة الجامعية المحتل بعناصر الجماعة الإسلامية. وهناك جرى تقييدهم بالحبال المربوطة فى حديد البالكونات، وإنزالهم كالدجاج،واحدًا واحدًا فى الهواء، بعد إبلاغ الأمن بأن إعدام الرهائن من الطلبة الأقباط سيبدأ بعد ساعات إذا لم يتم الإفراج عن الأخوة الأربعة.


نفش الغربان ريشهم الأبيض، ونفذوا تهديدهم وطوحوا بمجدى فونس، كان ترتيب صفوت - الذى سمع صوت ارتطام مجدى – الرابع، لولا مكالمة من الأمن أفادت بالإفراج عن الأخوة، أوقفت التنفيذ.


صفوت لا يبوح بهذه القصة إلا لقريب، صار صيدلانيًّا، ويتبول لا إراديًّا.