مسئولون طائفيون !

27/07/2016 - 1:36:13

بقلم - نجوان عبد اللطيف

»إنت عايزانى .. أضيع مستقبل طالب هندسة مسلم عشان واحدة مسيحية«


كانت كلمات هذا المسئول صادمة جداً بالنسبة لى ولكنها تلخص أزمة أو مشكلة الفتنة الطائفية فى مصر .. إن المسئولين طائفيون وإنهم يتعاملون مع مشاكل الفتنة بروح متعصبة، لايهمهما الحل ولكن يهمه حماية أبناء دينهم.


الحكاية كانت فى الفيوم فى أوائل التسعينيات هذا الطالب المتطرف كان يسير فى إحدى قرى الفيوم يركب دراجة بخارية، لمح سيدة مسيحية ترتدى صليباً فى رقبتها وتسير إلى جانبها صديقتها المسلمة، جذب سلسلة الصليب من رقبتها ورماها على الأرض، انهال عليها بصقاً وشتماً بألفاظ نابية.. لا لشىء إلا لأنها مسيحية وترتدى الصليب


ليس بينهم معرفة سابقة، ولا عداوة بالطبع، إلا عداوته لدينها أو لأى دين غير الإسلام . وعندما قررت السيدة المسيحية أن تحصل على حقها بمعاقبة هذا المتطرف على فعلته، فشلت رغم شهادة صديقتها وأحد الباعة الذى شاهد الواقعة، لأن كل جهات التحقيق تكاتفت على إفساد القضية، بل وقاموا بالإيعاز لأسرة الشاب لإحضار شهود زور ينكرون الواقعة، هذا بخلاف التهديدات التى تعرضت لها أسرة السيدة المسيحية.


حتى المسئولين فى المحافظة وفى المحليات فى القرية تواطئوا لإنقاذ الشاب المسلم المتطرف الجانى ومارسوا كل الضغوط على السيدة التى خشيت أن تتحول إلى جان وهى المجنى عليها . كنت أتفهم أن هناك شاباً متطرفاً ارتبط فى الجامعة فى ذاك الوقت بجماعات متطرفة، أدت إلى انحرافه فكراً وسلوكاً، ولكنى أبداً لم أفهم كيف أن كل هؤلاء المسئولين الذين تعاملوا مع القضية كانوا طائفيين .


بعد فترة وجيزة اندلعت أحداث فتنة طائفية فى الفيوم وقام البعض بحرق كثير من منازل المسيحيين، وأصيب الكثير منهم، لا يهم السبب المباشر لاندلاع الفتنة، ولكن السبب الأهم هو ما جرى فى حادثة السيدة المسيحية وأدراك المتطرفون أن المسئولين طائفيون ومن ثم سيساعدونهم على الإفلات من العقاب، ولن يدفعوا ثمن أفعالهم.


وقد كان هناك مجلس عرفى وترضية إجبارية للمسيحيين بتدخل الشرطة والمحافظة .


شاب مسيحى مهندس ولديه منحل للعسل، وابن أسرة كبيرة من أسر الفيوم حرق منزله وأُعتدى عليه من بين عشرات الأسر المسيحية قال لى: القهر الذى أشعر به الآن يجعلنى أفكر أن أحمل سلاحاً وأضرب به من حرق منزلى ومنازل جيرانى. أريد أن آخذ حقى، ولكن خوفا على مستقبلى لن أفعل.. بل أفكر جيداً فى الهجرة .. أريد أن أعامل على أنى لست مواطناً درجة ثانية .


بعد سنوات ...


فى أحداث طما بمحافظة سوهاج والتى قتل فيها حوالى ١٤ مسيحياً .. كانت الشرارة شجاراً بين مسيحى ومسلم على ثمن علبة سجاير. تطور الشجار وأخرج المسلم سلاحه وصوبه إلى المسيحى الذى كان الأسرع فأطلق عليه النار.. قامت الدنيا ولم تقعد راح المسلمون يضرمون النار فى مساكن الأقباط يقتلون الحلاق المسكين والنجار الطيب، والبقال الذى يقصده الجميع، لأنه لا يغش فى الميزان والطبيب المشهور الذى رفض رفع قيمة كشفه، حتى يعالج الغلابة والذى آوى فى منزله سيدة مسلمة هى وأولادها بعد وفاة زوجها الذى كان يعمل عنده، وتحمل كافة أعبائها المعيشية وأصر على تعليم أبنائها وتحمل كل التكاليف، ومازلت أتذكر صراخ هذه السيدة» ياطبيبى يا آوينى يا مضلل علىّ أنا وأولادى « .. صراخ يدمى القلوب .. لمن لهم قلب .


ومرة أخرى حاول المسئولون إلقاء التهمة على الجماعات الإرهابية.. وكتبت فى ذاك الوقت فى »المصور« .. الجماعات الإسلامية بريئة من أحداث طما وأن القائمين عليها الذين قتلوا ونكلوا بالمسيحيين، مجرد أناس عاديين مسلمين، من سكان البلدة تحركت نوازعهم الطائفية، بسبب شجار عادى بين شخصين بالمصادفة أحدهما مسيحى والآخر مسلم وليس للدين أى علاقة بالشجار .. كان المسئولون يتحدثون عن مرتكبى جرائم القتل بتعاطف غريب أحدهم يقول لى دول مجرد صبية تم التغرير بهم، وآخر يصر على أن الجماعات الإسلامية المتطرفة هى التى دفعت بهؤلاء لارتكاب جرائم القتل ضد المسيحيين .


سنوات كثيرة تمر وأحداث الفتنة مستمرة تختلف التفاصيل ولكن الظروف المحيطة بهذه الأحداث تتشابه، القانون غائب والمجالس العرفية هى الحل، من أجل إنقاذ المسلمين مرتكبى الجرائم، والمسئولون طائفيون ينحازون للمسلمين، يفسدون التحقيقات إذا جرت حتى مع الست سعاد المسيحية التى اعتذر لها الرئيس، ومع ذلك يتم التسويف والمماطلة فى التحقيقات لإفلات مرتكبى الجريمة الشنعاء التى جرت وقائعها فى بلدة الكرم مركز أبو قرقاص المنيا، حيث قامت مجموعة من المسلمين بتجريد السيدة المسنة ٧٠) عاما) من ملابسها انتقاماً، حيث اتهموا ابنها بوجود علاقة بينه وبين زوجة جاره المسلم التى اتهمت زوجها فى محضر رسمى بالتشهير بها، لأنه يريد طلاقها دون أن يدفع مستحقاتها .


هذه الجريمة فى البداية أنكرها كل المسئولين فى البلدة الصغيرة وفى المحافظة، بدءاً من رئيس مباحث المنيا وقال إنها أكاذيب متداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعى وشائعات مغرضة، أما المحافظ فقد نفى الاعتداء على سعاد وتجريدها من ملابسها، وقال باستهانة بعض الشباب غير الواعى ألقى بكارتونتين مشتعلتين على مسيحيين!.


ولولا هشتاج »مصر اتعرت« لكان الموضوع اندثر بالفعل، والأمر الواجب ذكره أن هذه الأسرة المسيحية ذهبت للأمن وطلبت الحماية قبل الواقعة بيوم واحد، لأنها تتلقى تهديدات من الأسرة المسلمة، وللأسف لم يتحرك جهاز الأمن ..


هل حاسب أحد من تلقوا هذه الاستغاثة ولم يفعلوا شيئاً، ومن أنكروا ما حدث للسيدة المسنة؟ بل هناك تسويف ومماطلة فى القضية.


وتأتى آخر الأزمات عندما تجمع عدد من مسلمى أبناء قرية كوم اللوفى مزكز سمالوط المنيا، وأبلغوا الأمن عن قيام أحد الأهالى بتحويل عقار يمتلكه إلى كنيسة، وهو ما استجاب له الأمن وقرر وقف أعمال البناء، هكذا دون تحقيق وتحقق من الأمر، فما كان من بعض المسلمين الذين وجدوا فى ذلك دعماً لهم وتشجيعاً، بالتجمع أمام المنزل وإضرام النار فيه و٣ منازل لأشقاء صاحب العقار .


التهمة التى دفع المواطن المصرى المسيحى ثمنها حرقاً لمنازل عائلته وترويعاً وقهراً أن عدداً من أصدقائه المسيحيين يصلون معه فى المنزل!


أمام المسلمين الذين يمتلكون بين كل زاوية وجامع، زاوية وجامعا آخر، ويفترشون الأرض أياً كانت ليقيموا الصلاة، وفى كل مؤسسة أو عمل يحددون مكاناً للصلاة، ولايجرؤ أحد أن يراجعهم، يستفزهم أن بعض المسيحيين يصلون فى منزل أحدهم دون ميكرفونات أو مكبرات صوت أو تعد على خصوصية أحد .. والمهم أن الأمن يستجيب لرغبات هؤلاء بوقف البناء .


المسئولون طائفيون تلك هى المأساة لم يشأ أحد أن يحقق فى مقتلة ماسبيرو ٢٦) مسيحياً) التى جرت إبان حكم المجلس العسكرى رغم وجود شهود عيان أدلوا بشهاداتهم جهراً فى وسائل الإعلام.. ولكنهم يريدون طمس الحقيقة .


لا أحد يريد إعمال القانون، بل يريدون المجالس العرفية والحل الذى يتم فيه ضغط الطرف الأقوى (المسلمين) على الطرف الضعيف (المسيحيين) ليقبلوا بحلول لا تعيد لهم حقوقهم ولا تعاقب المذنبين .


مجالس عرفية يقرر فيها المسئولون تهجير أسر مسيحية من بيوتها وبلداتها، لأن الطرف المستقوى بالأغلبية وبالمسئولين يريد ذلك .


التهجير الذى يتم بمباركة المحافظين ورجال الأمن المخالف وهو انتهاك صريح لمبادىء حقوق الإنسان فى العالم .


شبح الفتنة الطائفية يلوح بكثرة هذه الأيام ولكن للأسف لا أحد يريد أن يرى الحقيقة ويتعامل معها، لسنا كما ندعى شعباً متعايشاً متحاباً لايفرق بين المسيحى والمسلم .. هناك تفرقة وطائفية، وظائف قيادية لا يحصل عليها المسيحيون، مهما كانت كفاءتهم وليس ببعيد رفض أهالى قنا تعيين المحافظ المسيحى اللواء عماد شحاته. وهناك أقسام بعينها فى كليات الطب لا يسمح للمسيحيين أن يلتحقوا بها، أمور صارت عرفاً ولكنها واقع والوسائل الملتوية لتحقيقها كثيرة، وصور كثيرة لطائفية تسلسلت إلى الشخصية المصرية منذ السبعينات والرئيس المؤمن لبلد مسلمة، والسماح لجماعات الإسلام السياسى بالتواجد فى الجامعات وغيرها، وتأثر المصريين العاملين بالخليج بالأفكار الوهابية التى نقلوها معهم إلى أقاربهم وأصحابهم، ليصبح كثير من المسئولين سواء فى دولاب الدولة أو جهات الأمن طائفيى النزعة، بل إنهم يلجأون لحل المشاكل الطائفية لبعض مشايخ السلفية، الذين يرسخون الأفكار المتطرفة والذين يعادون كل الأديان، ويتعاملون مع غير المسلمين على أنهم درجة ثانية.


وليسأل القائمون على الدولة المصرية أنفسهم ماذا فعلوا فى المحافظ الذى أنكر واقعة الست سعاد، وماذا فعلوا فى رئيس المباحث ورجال الأمن الذين لم »يعيروا استغاثة« أسرة سعادة أى اهتمام؟ وإذا فعلوا بالمحافظ الذى قال على من قاموا بحرق منزل المسيحى وأشقائه، لأنه يصلى هو وأقاربه فيه إنهم أخطأوا التعبير عن رأيهم ! ولا بهؤلاء الذين أوقفوا العمل بالبناء فى المنزل لمجرد بلاغ كاذب من موتورين طائفيين .


ياسادة لا أمل فى إخماد الفتنة الطائفية طالما القانون لا يطبق، والمسئولون لا يُعاقبون على تعصبهم ومساندتهم للجانى لأنهم ببساطة طائفيون .