أثناسيوس.. عندما يكون المطران قادرا على وأد الفتنة

27/07/2016 - 1:34:37

  على قدر عقلية القيادات الدينية على قدر هدوء الأوضاع على قدر عقلية القيادات الدينية على قدر هدوء الأوضاع

تحليل يكتبه: أحمد أيوب

فى تسعينيات القرن الماضى كانت محافظة بنى سويف وخمسة مراكز من المنيا تجمعها مطرانية واحدة يترأسها الأنبا أثناسيوس، كانت العمليات الإرهابية تتوالى فى محافظة المنيا وكانت التعليمات الأمنية تشديد الحراسات على الكنائس لأنها مستهدفة بالمقام الأول للجماعات الإرهابية، وكانت التكليفات للعمد ومشايخ القرى بالتخلى عن الخفراء ليتولوا حراسة الكنائس، لكن الأنبا أثناسيوس فاجأ الجميع بطلب واضح لمدير أمن المنيا وقتها بأنه لا يحتاج حماية أمنية مشددة على كنائس القرى وأنه يكتفى بأن الكنائس فى تلك القرى فى حماية المسلمين.


كان رهان أثناسيوس صائب لأنه يثق فى الأسر المسلمة ليس من فراغ وإنما نتيجة معاملة امتدت لسنوات قامت على الاحترام، لم يكن يزور قرية إلا وبدأ جولته لبيوت الأسر المسلمة، ولم يكن يسمع عن مشروع إسلامى يقام من مسجد أو مصلى إلا ويسارع بالتبرع للمساهمة، ويطالب المسيحيين فى القرية بالمساهمة مثله، لم يكن ينصب راهبا لكنيسة إلا بعد أن يراجع مع مسئولى القرية وكبارها من المسلمين حتى يطمئن لنجاح الراهب فى مهمته وأنه يحظى بتوافق من أهالى القرية.


كان الأنبا أثناسيوس كثيرالزيارات والتجول بين القرى ولم يكن يتهرب من أى اتصال ومجرد أن يعلم بأزمة أو خلاف فى إحدى المناطق التابعة لمطرانيته يسارع إليه ليجمع الأطراف وينهى الأزمة قبل أن تشتعل.


فى إحدى زياراته لقرية قابله بعض الصبية بألفاظ غيرلائقة كادت تتسبب فى كارثة، لكنه أطفأها سريعا بابتسامة وتحذير لمرافقية من أى تصرف لأنهم أطفال لا يفهمون ما يفعلون.


فى واقعة أخرى تحرش أحد الشباب المسلم بفتاة مسيحية تنتمى لعائلة معروف عنها الاحترام، وكادت الفتنة تنفجر فى القرية لكنه باتصال تليفونى أنهى القضية وطلب من عائلة الفتاة بالانصياع لما سيقرره عمدة القرية الذى يعلم أنه لن يرضيه هذا الأمر، وبالفعل كان العقاب قاسيا نفذته أسرة الشاب بأنفسهم ليكون عبرة لمن يفكر فى مثل هذه الفعلة الحقيرة.


ولهذا كان محل احترام من أغلب مسلمى المنطقة التى تقع فى مطرانيته، وكان بناء الكنائس يتم فى القرى بدعم وتبرع بل وحماية كاملة من العائلات المسلمة حتى لا يتجرأ واحد من المتطرفين على أى تصرف خارج عن حدود الاحترام، ولم تشهد المنطقة خلال فترته أى محاولة للاعتداء على الكنائس رغم أن منطقة جنوب المنيا فى نفس التوقيت تعددت فيها جرائم الاعتداء على الكنائس، ولم تشتعل أزمة، وعندما توفى الأنبا أثناسيوس جمع سرادق عزائه كل الأطياف حزنا عليه.


كان أثناسيوس نموذجا لمطران يعرف كيف يمكن وأد الفتنة فى مهدها وكيف يقيم علاقة بعيدة عن التوتر.


لا أدرى إن كان من قيادات الكنيسة من يتذكر الأنبا أثناسيوس حتى الآن أم لا.. لكن ما أعلمه أن كثير من أهل القرى ممن عاصروه ما زالوا يتذكرونه ويذكرونه بالخير فى كل مناسبة.


وأنا شخصيا أتذكر الأنبا أثناسيوس كلما اشتعلت فتنة أو تفجرت أزمة بين مسلم ومسيحى فى أى مكان فى مصر ووجدت مطران المنطقة يزيد الأزمة بتصريحات مستفزة وتهديدات مستترة بالتصعيد، أو وجدت أحد من يطلقون على أنفسهم الدعاة والأئمة يسكبون الزيت على النار دون أدنى شعور بالمسئولية.


ما أستطيع تأكيده من خلال خبرة سنوات طويلة فى تغطية وتحقيق أحداث الفتنة الطائفية من الكشح بسوهاج وحتى الآن هو أن مستوى الفتنة ومدى اشتعالها يتوقف على طبيعة وشخصية مطران المنطقة ومن حوله من الرهبان، فإن كان يتميز بطبيعة هادئة وقادرا على الاستيعاب فلن تزيد أى مشكلة عن كونها خلافا أو أزمة عابرة، أما إن اتسم بالتطرف والتشدد فيقينا تشتعل الأحداث وتتطور وتتسع دائرتها.


ونفس الأمر على الجانب الآخر، لكنى أركز هنا على الجانب المسيحى لسبب بسيط وهو أن المطارنة يتميزون دائما بالقدرة على السيطرة وتأثيرهم أقوى من المشايخ والأئمة، ولهذا إن كان المطران من هواة افتعال الأزمات وإشعالها فلن تطفأ نيرانها إلا بجهود مضنية.


نعود مرة أخرى لنموذج أثناسيوس لنكتشف أنه بعد وفاته قسمت منطقة مطرانيته إلى ثلاث مطرانيات، والغريب أنه رغم هذا اشتعلت فى المنطقة أحداث فتنة وتكررت الأزمات وتطورت فى بعض الحالات إلى درجات لم تكن المنطقة تعرفها من قبل، وتحديدا فى منطقة سمالوط التى تقريبا لا يمر عام إلا ونجد أزمة أو فتنة جديدة تطل برأسها، وكثيرا ما نشم رائحة قيادات كنسية وإسلامية فى الأمر.


وللإنصاف لم نفقد فى الكنيسة أصحاب الحكمة والعقل فهم متواجدون وبعضهم لا يقل خلقا وخشية على البلد أبدا عن الأنبا أثناسيوس، لكن فى المقابل هناك مطارنة يرفضون مجرد حتى التنازل للمصلحة العامة ويصرون على تصعيد الخلاف والاستقواء بالخارج والتهديد.


ونتيجة لهذه النوعية من القيادات الكنسية أو الإسلامية الذين لا ينظرون لمصلحة البلد ولا يقدرون مدى التفاهم والتعاون عالى المستوى بين شيخ الأزهر وقداسة البابا تواضروس لوأد الفتن، ولا يعتبرون بما يفعله رئيس الدولة من أجل تجنيب مصر وأهلها ويلات الوقيعة التى يسعى إليها المتآمرون عليها، نتيجة هؤلاء نجد مصر مهددة كل يوم بكارثة جديدة سببها أحداث الفتنة التى تتسم فى أغلبها بأن أسبابها تافهة ولم تكن ترقى حتى للتوقف أمامها لكنها تتصاعد بلا داع.


المطارنة يستطيعون إن أرادوا مع الأئمة والدعاة والمشايخ أن يلعبوا الدور الأكبر والأهم فى القضاء على مناخ التعصب والطائفية، لكن هذا لا يحدث إلا من عدد قليل منهم يتحملون مسئولياتهم ويقبلون تحمل غضب بعض الشباب القبطى أو المسلم منهم لحين استيعاب غضبهم، قال لى أحد القساوسة بالمنيا إنه فى بعض الحالات يدرك أنه لو اتخذ موقفا عكس ما يريده الشباب الغاضب سيفقد السيطرة تماما، قال هذا ليؤكد أن جزءا أساسيا من التشدد لدى بعض الرهبان هدفه المزايدة وشراء رضاء الشباب القبطى، لكن فى المقابل يفرض تعصب بعض المشايخ والدعاة وتحريضهم الواضح والعلنى على الأقباط مواجهة التشدد بالتشدد والتطرف بمثله.


وهنا لا يمكن تجاهل أمر مهم وهو مهارة اصطناع الأزمة عند البعض فى الطرفين، وأقصد هنا المتشددين، فبعض شباب المسلمين فى القرى يعتقدون أن إشعال فتنة طائفية ومعركة مع الأقباط سيكون سببا فى منع إقامة أى كنيسة تجنبا للمشاكل، وفى المقابل يلعب بعض الأقباط على وتر تضخيم أى مشكلة لاعتقادهم بأن التصالح دائما ما ينتهى بتعهد الدولة ببناء كنيسة، أو تلبية طلباتهم.


كل هذه الألاعيب الصغيرة والحيل تتم على حساب أمن البلد واستقرارها وربما على جثة ضحايا لا ذنب لهم إلا أنهم خضعوا لعمليات الحشد الخبيثة تحت شعار نصرة الدين.


وإذا كنا نطالب الكنيسة بحسن اختيار مطارنة المناطق والابراشيات، والأوقاف بمراجعة أئمتها ومشايخها وإغلاق المنافذ فى وجه الدعاة المتطرفين، فالأهم حسن تعامل الدولة مع القرى من خلال القيادات الشعبية، فالعمد والمشايخ فقدوا سيطرتهم تماما على الأوضاع نتيجة سوء الاختيارات التى تجاوزت فكرة الكاريزما والشخصيات ذات الثقل، فبشهادة عدد ليس قليلا من القيادات الكنسية عندما يوجد فى تلك القرى عمد ومشايخ قادرون على السيطرة تقل فرص التجاوزات والفتن الطائفية.