زلزال الدولار يقتل الفقراء

27/07/2016 - 1:16:39

  الفقراء الأكثر تضررا من ارتفاع الدولار الفقراء الأكثر تضررا من ارتفاع الدولار

تحقيق: بسمة أبو العزم

«غلو السكر.. غلو الزيت.. بيعتونا عفش البيت».. كافة الشواهد المحيطة بقطاع عريض من الشعب المصري، تشير – بما لايدع مجالا للشك- أن الجميع سيرفع الشعار السابق، فالحكومة التى فشلت – حتى وقتنا الحالى- فى إدارة ملف الأسعار، وتركت المواطنين فى مواجهة غير متكافئة الأطراف مع التجار، ومستوردى السلع، يبدو أنها لا تٌقدر أن الأيام القليلة المقبلة ستشهد البلاد، بسبب سياستها فى إدارة الأزمات، «تسونامى» جديد فى الأسعار، وليس مجرد «موجة مرتفعة»، يعقبها هدوء إلى حين.


إعصار من شأنه أن يهلك الأخضر واليابس، وسط توقعات بأن تكون الزيادة الجديدة التى ستطرأ على غالبية أسعار السلع الأساسية لن تقل عن ٢٥ فى المائة من سعرها الحالى، سواء فيما يتعلق بالسلع التى يتم إنتاجها فى الداخل المصرى أو التى يتم استيرادها من الخارج ولا توجد لها بدائل جيدة فى السوق المحلى، وهو أمر دفع عدد من خبراء الاقتصاد للتعامل معه كونه تهديد قوى لشعبية الرئيس عبد الفتاح السيسي، بعد أن فشلت حكومة المهندس شريف إسماعيل فى فرض وإحكام سيطرتها على الأمر.


بداية قال أحمد شيحة، رئيس شعبة المستوردين بغرفة القاهرة التجارية : كافة السياسات الاقتصادية والإجراءات الأخيرة خاطئة، كما أنها تصب فى صالح ارتفاع الأسعار بداية من القرارات المقيدة للاستيراد، والتى أدت إلى نقص كبير فى السلع المعمرة بالأسواق، وهناك من يقوم بتعطيش الأسواق لرفع الأسعار التى ارتفعت قيمتها خلال الفترة الماضية بنحو ٤٠ بالمائة فعلى سبيل المثال وارداتنا من التكييفات مليون و٨٠٠ ألف وعقب قرارات وزير الصناعة انخفضت إلى ٨٠٠ ألف جهاز، وفى المقابل ارتفعت أسعارها بمعدلات الضعف، فالجهاز الذى كان يتم عرضه للبيع بسعر ثلاثة آلاف و٥٠٠ جنيه وصل سعره حاليًا إلى ستة آلاف جنيه، والأنواع الأكثر قوة بمعدل خمسة أحصنة سعرها ١١ ألف جنيه، ولا يحصل عليها الشخص إلا بالواسطة، والأمر ذاته ينطبق على السيارات فهناك قوائم انتظار وسوق سوداء، وبالطبع بعد تطبيق القيمة المضافة، وإضافة الزيادة الجديدة على سعر الدولار بالسوق السوداء ستتفجر الأسعار.


«شيحة» فى سياق حديثه أوضح أيضا أن « كبار المستوردين وتجار الجملة سيطبقون الزيادات الجديدة خلال أيام على الكميات المخزنة لديهم للحفاظ على ثبات رأس المال حينما يتعاقد على بضائع جديدة بالسعر الأعلي، مبديا تخوفه من تصريحاته الاتحاد الأوربى بشأن رفضه لقرارات تقييد الاستيراد،وتابع قائلا: فإذا طبق مبدأ المعاملة بالمثل فنتعرض وقتها لحصار اقتصادى خطير من شأنه انتهاء كافة السلع من الأسواق خلال أسبوع واحد بما ينذر بكارثة ثورة جياع حقيقية.


فى ذات السياق قال حمدى النجار، رئيس الشعبة العامة للمستوردين بالاتحاد العام للغرف التجارية: هناك حالة ارتباك فى الأسواق، فلا توجد سياسة تسعير واحدة فكل تاجر ومستورد يرفع السعر وفقًا لأهوائه الشخصية وسعر الدولار بالسوق السوداء وقت تعاقده على الشحنات الخاصة به، لذا لا يمكن معرفة المعدل الثابت بالارتفاع، لكنه يتراوح بين ٢٠ و٣٠ بالمائة فنحن نستورد سلعًا بما يعادل خمسة مليارات دولار شهريًا حتى السلع المنتجة محليًا تعتمد على مواد خام مستوردة لذا أسعارها سترتفع، وما يحدث حاليًا حالة فوضى والأمر أصبح خارج السيطرة، فالمستوردون مضطرون للشراء من السوق السوداء لأن تسهيلات السداد حدودها ما بين ٦٠ و٩٠ يومًا ويجب السداد فى المواعيد، وبالطبع أية زيادة يجب تحميلها على المستهلك حتى لا يتعرض المستورد لخسائر فيتوقف عن العمل وتحدث كارثة أكبر لنقص المعروض بالأسواق.


«النجار» أكمل بقوله: من أهم المشكلات التى يعانى منها المستوردون حاليًا المحاسبة ضريبيًا بالسعر الرسمي، وهو ما يشكل فارق ٣٠٪ فى السعر يضطر المستورد تحمله، لذا يجب إتخاذ جادة وسريعة فى محاربة السوق السوداء والقضاء على قوائم انتظار الاعتمادات المستندية، ومن وجهة نظرى أرى أنه لا يوجد حل سريع سوى قيام البنوك بتجميع الدولارات من أسواق الخليج مهما كان السعر.


وفيما يتعلق بالزيادة المتوقعة على السلع الغذائية التى يتم انتاجها محليا، قال محمد شكرى، رئيس غرفة الصناعات الغذائية باتحاد الصناعات : كافة المنتجات سترتفع أسعارها، لكن بنسب مختلفة حسب مكونات السلعة فكافة المواد الخام المستخدمة فى الصناعات الغذائية مستوردة سواء الدقيق أو السكر والزيت واللبن البودرة كذلك اللحوم لإنتاج مصنعات اللحوم.


«شكرى» أضاف قائلا: من المنطقى ارتفاع الأسعار بعد زيادة الدولار، ولكن بعد انتهاء دورة التصنيع الحالية والتى تتراوح مدتها بين ٧٠ و٩٠ يومًا ما بين فتح اعتماد ووصول المواد الخام واستكمال التصنيع وبالتالى موجة الغلاء من المتوقع أن تظهر بعد شهرين من الآن لتطول كافة السلع حتي» ساندوتش المدرسة» فلا يوجد مصنع مواد غذائية يستورد أقل من ٦٠ إلى ٧٠٪ من المواد الخام للإنتاج، لكن لانعدام الضمير واقتصار التجارة المنظمة على ٥ بالمائة فقط من السوق المصرى لن يلتزم البعض بتلك المدة وستشهد الأسواق ارتفاعات لحظية.


« مرعوبة من تزامن ارتفاع سعر صرف الدولار ومناقشة قانون الضريبة على القيمة المضافة” بتلك الكلمات بدأت د.يمن الحماقي، أستاذة الاقتصاد بجامعة عين شمس حديثه، وأكملت قائلة: الحكومة تتحدث بلغة خيالية حيث أنها تؤكد بالورقة والقلم أن الأسعار لن ترتفع بتطبيق الضريبة الجديدة، لكن للأسف الأسواق المصرية لا تتميز بالكفاءة وبها احتكارات وهناك نقص معلومات بشأن الأسواق والاستهلاك لكافة السلع، ولا توجد علاقة قوية بين حلقات الإنتاج والتوزيع بدليل أن الفجوة بين سعر المنتجات الزراعية بأماكن الإنتاج ترتفع بمعدل ثلاثة أضعاف حتى تصل إلى المستهلك.


د. يمن، أوضحت أيضا أن «التجار مستغلون وما يحدث حاليًا فرصة جيدة للمحتكرين للتحكم فى الأسعار والمغالاة فيها بما يعمل على رفع معدلات الفقر، فكيف تفرض الحكومة ضرائب جديدة فى ظل جهاز ضريبى غير كفء، كما أن تحصيل الضرائب فى مصر من أسوأ المؤشرات عالميًا فمن الأولى تحصيل الضرائب المتأخرة فالتوقيت الحالى سيئ وخطير، كما أن تغيير قواعد الاستيراد بالكامل وتطبيق نظام تسجيل الشركات بهيئة الرقابة على الصادرات والواردات بما يشكل تقييدا للاستيراد وارتفاع سعر الدولار لن يمر بالساهل، بل ستشهد مصر موجة تضخمية قوية خلال الأشهر القليلة المقبلة، بما يؤثر على شعبية الرئيس، ومن الآثار السلبية لارتفاع الأسعار انهيار الطبقة الوسطى وانتقال شريحة كبيرة منها إلى طبقة الفقراء، حتى الفقراء ستزيد معاناتهم وينتقل بعضهم إلى مرحلة الفقر المدقع فى ظل معاناتهم مع بطاقات التموين الإلكترونية فقضية الفساد الكبرى لشركة سمارت أكدت أن هناك آلاف الأسر تعانى منذ عدة أشهر للحصول على حقها فى الدعم فى حين يسرق حقهم مسئولون بتلك الشركات، فآليات استهداف المواطن الفقير بها مشاكل فهناك أسر محدودة الدخل لا تستطيع استخراج بطاقة ذكية بسبب انتشار الفساد.


د. يمن الحماقى، لم تتوقف فى حديثها عند حد عرض الأزمة، لكنها قدمت حلول حيث طالبت بالإسراع فى تشكيل مجموعة أزمات تضم عددا من خبراء الاقتصاد والاجتماع والسياسة لتكون بمثابة مجلس استشارى للرئيس لرصد المشاكل، وأن تكون بين يديها وسائل التدخل من رئاسة الجمهورية لوضع حلول فورية لأزمة الأسعار الطاحنة التى ستضرب البلاد.


وعن موقفها من الخطوات التى تتخذها الحكومة للسيطرة على الأمر، قالت: للأسف الحكومة وخاصة المجموعة الاقتصادية همها الوحيد توفير السلع الأساسية للمستهلكين عبر التوسع فى الاستيراد دون الاهتمام بحل المشكلة من جذورها والعمل على زيادة الإنتاج، وأرى أنه يجب حل ملف المصانع المغلقة، فالوضع الاقتصادى حاليًا فى منتهى الخطورة البطالة متزايدة وعجز الموازنة مستمر فى الارتفاع فإذا لم تحسن المجموعة الاقتصادية من أدائها احتمالية وصولنا إلى ثورة جياع مطروحة لكن إذا طالت الأزمة دون حلول.


من جانبه حذر عبدالخالق فاروق، رئيس مركز النيل للدراسات الاقتصادية من الوضع الاقتصادية الكارثى إذا استمر صعود الدولار لمدة عام آخر حيث ستظهر قيود على الحركة المصرفية للعملات وتزيد معدلات التضخم بما يؤثر على القيمة الحقيقية لدخل الفقراء ومدخرات الطبقة الوسطى والتى انخفضت بمعدل ١٥ بالمائة بسبب الدولار.


«عبد الخالق» استطرد قائلا: المجتمع حاليًا فى انتظار نظام ضريبى عادل يأخذ من الأغنياء حائزيى مئات المليارات ليعطى الفقرا فيجب تطبيق نظام ضريبى لتحصيل ما بين ٣٥ إلى ٤٠ بالمائة من أرباح الشركات لإعادة بناء الدولة وهذا النظام مطبق فى الخارج.