حكاية شعب وقناته

23/09/2014 - 10:34:43

بهيجة حسين بهيجة حسين

بقلم - بهيجة حسين

من جيل إلي جيل نتوارث الحكاية.حكاية قناة السويس من أول ضربة فأس في أرضها، ومن أول قطرة عرق ونقطة دم سقطت علي رمالها، حتي طوابير شهادات استثمار قناة السويس الجديدة.حكاية طويلة عاشها الشعب المصري ووزن مراحلها بميزان إحساسه، وخبرته الضاربة في عمق الأرض والحضارة


ومن الثأر القديم والرفض القاطع والانفصال التام الذي يصل للعداء لمن قرروا حفر "الترعة" والقائمين عليها، إلي حمل السلاح دفاعا عنها وحتي تقديم القليل الذي بين الأصابع لاستكمال رحلتها مع شعب يدرك متي يمنح ومتي يمنع ،ومتي يثق ومتي يضرب قلب الغدر والغادر .


بدأت علاقة الشعب المصري ورحلته مع قناة السويس مع أول ضربة فأس بيد فلاح في الصحراء عام 1859 في عهد محمد سعيد باشا وتبدأ ملامح العلاقة في الظهور بإدراك الشعب أن هذه "الترعة" ليست له ولكنها عليه، وأنها تحمل مع الماء قهرا واستغلالا واستعبادا مضافا لما يحمله ويعاني منه .


عشر سنوات هي مدة حفر القناة كُتبت فصولها وحُفرت في الوجدان الشعبي مقرونة بالسخرة والعطش والجوع والمذلة والهوان للخواجة وللوالي العثمانلي.عشر سنوات والصحراء لا ترتوي من عرق الرجال ومع مطلع كل شهر يسوق إليها النخاسون والسماسرة خدم الخواجة والعثمانلي خمسة وعشرين ألف فلاح يلقي بهم في الصحراء القاسية، وبسبب سوء الأوضاع وإنكار حق "الفواعلية " في الرعاية الصحية حصد وباء الكوليرا عام 1865 ووباء الجدري عام 1866 أرواح أبناء البلد الذين حصدت من بينهم في عشر سنوات من الحفر أرواح 125 ألف فلاح مصري شربت رمال الصحراء دماءهم.


وينتهي فصل التغريبة في حفر الترعة ويبدأ فصل افتتاحها في عهد الخديو إسماعيل عام 1869 وقد أقام احتفالات أسطورية، مازلنا وبعد 145 سنة من إقامتها نذكرها ونتحدث عن مظاهر الترف التي صاحبتها والأموال التي أنفقت لدعوة وإقامة ستة آلاف مدعي من ملوك وأمراء وسفراء ووزراء العالم، وعلي رأسهم الإمبراطورة الشهيرة "أوجيني" إمبراطورة فرنسا.أطعمهم خمسمائة طباخ جلبهم الخديو من مارسيليا وجنوة وتريستا.ارتبط هذا الفصل من سيرة حياة القناة والشعب بإسراف الخديو إسماعيل مما اضطره للاقتراض والتفت الديون حول عنقه لتكون ذريعة للتدخل الأجنبي حتي احتلالها من انجلترا.


كان الشعب المصري يدرك أن القناة ليست مملوكة له وأنها العمود الفقري لبقاء الاستعمار جاثما علي أنفاس وطنه، وكان يدرك أن امتيازها الذي منحه سعيد لديلسيبس لمدة 99 عاما يعني أن القبضة الاستعمارية باقية بعدد سنوات الامتياز، ولم يكن الشعب صامتا وكان تحرير القناة أحد مطالب الحركة الوطنية المصرية .وعندما اقترح بطرس غالي رئيس وزراء مصر مد امتياز قناة السويس لمدة أربعين عاما إضافية دفع حياته ثمنا لاقتراحه في عام 1910 .


وتصل ملحمة العلاقة بين الشعب وقناة السويس إلي أعلي مراحلها بعد تأميمها في 1956 .بهذه الخطوة كتب جمال عبد الناصر أول جملة في تنصيبه زعيما للشعب.وخرج الشعب خلفه ليس في معركة استرداد القناة ولكن في معركة الدفاع عنها.فقد أدرك الشعب العريق أن قصته مع القناة انتقلت إلي نقطة الدفاع، وأن الحكاية ليست نزهة، وان الحق الذي عُمد بالدم سيدفع لاسترداده دما، وجاء المستعمر "جاب سلاحه ودباباته وطياراته، واعتدي علشان نسلم.. "ووقع العدوان الثلاثي علي مصر في 1956 وجاء رد الشعب والجيش :" دع سمائي فسمائي محرقة، دع قناتي فمياهي مغرقة ، هذه أرضي أنا وأبي ضحي هنا"وكانت ملحمة المقاومة الشعبية.


تستمر العلاقة والارتباط العضوي بين الشعب وقناته ولم ينقطع الحبل السري بينهما حتي بعد 67 وظل مربوطا في الجسد والإرادة حتي 73 .


وفي لحظة الخطر تنتفض خبرة الشعب العريق وقد استشعر أن هناك خطرا يقترب من قناته. استشعر الخطر في مشروع تنمية إقليم قناة السويس الذي طرحه محمد مرسي في السنة السوداء لحكم الإخوان، وسوف تثبت الدراسات القادمة أن هذا المشروع كان أحد المعاول التي ضربت حكم الإخوان.فقد أدرك الشعب العريق أن مشروع الإخوان ليس مشروعا وطنيا.أدرك تلك الحقيقة دون أن يجلس علي مكتبه ويناقش مع نفسه أو مع غيره وضع المشروع اقتصاديا وسياسيا وكانت أمامه حقيقة وحيدة أن المشروع الإخواني هو احتلال جديد لقناة السويس وأن مرسي سيسلمها لتلك البقعة القزمية المسماة «قطر» .


رفض الشعب وخزن طاقة رفضه حتي إسقاط الإخوان من فوق مقاعد الحكم. وللأمانة لابد أن نسجل رفض وتحذير المستشار طارق البشري للمشروع وهو أحد المحسوبين فكريا علي جماعة الإخوان، ففي مقال له منشور بجريدة الشروق في 10 مايو 2013 بعنوان: " ماذا يعني مشروع إقليم قناة السويس" أوضح أنه يعني:"المشروع في مواده الثلاثين يرفع السلطة المصرية عن هذا الإقليم "ويعني:" استقلال إقليم قناة السويس عن الدولة المصرية "وأنه:" منح رئيس الجمهورية سلطات مطلقة في المنطقة بعيدا عن أي رقابة".


وتصل ملحمة العلاقة بين الشعب المصري وقناته مع فصل من الأمل والثقة بحفر القناة الجديدة ونري فصول الملحمة في طوابير شراء شهادات استثمار قناة السويس وتصل حصيلة الشراء حتي نهاية اليوم السادس من طرحها الخميس إلي 39.5 مليار جنيه، فقد أدرك الشعب العريق بحسه وخبرته أنه يملك هذا المشروع ،وأنه لا بد وأن يحصن ملكيته له بماله وبجنيهاته التي اقتطعها للأيام الصعبة وأراد أن يكتب بيديه وبجنيهاته مستقبل بلده وأولاده.


إنها ملحمة العلاقة بين الشعب وقناة السويس. تلك العلاقة التي نتمني فك شفرتها وإضاءة تركيبتها الاجتماعية والنفسية ونتمني أن تترجم هذه العلاقة إلي أعمال فنية تتوارثها الأجيال القادمة حتي تُذكرنا بالخير، وتذكر أننا تركنا توثيقا لحكاية الشعب الذي يمتلك إرادته وقناته