مصر بين قمتين إفريقية وعربية قضـــــايا واحــــــــدة

27/07/2016 - 1:13:44

بقلم - أ.د. السيد فيفل

إذ ذكرنا من قبل أن مصر العربية هي مصر الإفريقية هي مصر الإسلامية وهي مصر المتوسطية، وهي مصر الشرق الأوسطية، إنها آخر الأمر وطن تسمح له الجغرافيا ويخوله التاريخ الحركة على مجالات وأقاليم جيوسياسية متنوعة، وهو مطالب بأن يركز فيها جميعا، وأن يكون فيها رقما مهما، لا يغتني بواحد عن الآخر، بل يزيده التنوع قوة فقط لو علم القائمون على الأمر كيف يديرون الحركة على الدوائر كلها. وكيف لا يغفلون بإقليم عن إقليم، وكيف يكون العطاء في كل اتجاه داعما للاتجاه الآخر، والحقيقة أنه ليس اتجاها آخر، إنه نفس الدور بزوايا مختلفة.


ولأنها هي هي مصر الإفريقية والعربية ......فإن البعض يظن أن بوسعه أن يرسم دوائر متقاطعة، كدوائر «بنزينة التعاون» الثلاثية، ولكنها في الواقع دوائر متطابقة إحداها فوق الأخرى أو تحت الأخرى، إن نظرت إليها من كل جانب رأيتها جميعا كأن هناك إنسانا يقف أمامك وأنت تعلم مكان اليد والقلب والعقل والمخ وتعلم أن له ضميرا وتحس له بهوية، ولقد سبق أن ذكرت أن هذه الدوائر المتطابقة لو أصابت رصاصة إحداها فإنها جميعا تصاب بنفس الثقب، ومن ثم فلا حياة لدائرة منها بغير الأخرى، وبمعنى آخر فإن إصابة أي منها تصيبها جميعا.


وإذا كان الأمر كذلك فلا غرابة أن نتناول مصر بين قمتين، بل إن الغرابة ألا نفعل ذلك. والواقع أن الظروف الراهنة تشهد تدليلا واضحا على هذه الحقائق، ولهذا فإن من المهم أن ننظر بعين فاحصة إلى القضايا التي تناولتها القمة الإفريقية وتلك التي تتناولها القمة العربية بعد قليل. وأول القضايا التي تشغلنا هي أن المملكة المغربية تقدمت للقمة الإفريقية لتستعيد عضويتها التي كانت قد جمدتها إبان دخول الجمهورية العربية الصحراوية إلى منظمة الوحدة الإفريقية- الاتحاد الإفريقي الآن- وهذا الأمر لابد أنه سوف ينظر في القمة العربية أيضا، ولا يملك المرء إلا أن يتوقع جهودا للمصالحة بين المغرب والجزائر تنهي هذا الوضع المأساوي الذي عاشه الشعبان والذي سبق أن كتبنا عنه من قبل –عبر هذا المنبر- ندعو الطرفين إلى الدخول في مراجعة تتيح لهما التقاط الأنفاس وتسمح لهما باستكمال العمل التعاوني في إطار الاتحاد المغاربي، ناهيك عن التوقف عن الاستنزاف المتبادل لمقومات الشعبين ومقدراتهما نتيجة لجمود الموقف على نحو لم يمكِّن أي طرف من تعديل مجريات الأمور أكثر مما وصلت إليه.


المسألة الأخرى أن القمة الإفريقية نظرت لمسألة التغلغل الإسرائيلي نظرة واقعية تقوم على الالتزام بالمبادئ التي أقرها القانون الدولي فيما يخص حقوق الشعب الفلسطيني، وأيضا فيما يخص التعاون مع إسرائيل كقوة احتلال، ومن ثم فلم ينفع نتن-ياهو ما قام به من استعراض ودعايات وإعلام بدا فيها مبهرا كممثل سينمائي وسيم، لكن حقيقته أنه يتداعى تحت وطأة سرطان الجلد، والمهم في هذه السانحة أن العرب اكتشفوا وجها إفريقيا أصيلا لا ينبغي لهم إلا أن يتطلعوا إليه وأن يتفاعلوا معه وأن يبادلوه تفاعلا خلاقا، بدلا من توجيه الاتهامات وكيل السباب على نحو متخلف، ولقد أثبتت إفريقيا أنها كقارة جامعة قد يعوزها المال لكن لا تعوزها المبادئ، وقد تفقد الخبرة التكنولوجية لكنها تملك القدرة الأخلاقية. إن في إفريقيا روح أخوة جديرة بالمحافظة عليها، ومع هذا ففيها أيضا فرص التعاون التجاري والتنمية الصناعية والتوسع الزراعي،....الخ، لكن ذلك لمن أراد تواصل الأشقاء وليس التبعية للقوى الغربية التي دأبت على استغلالنا ومع ذلك يعجب المرء إذ يجد أموال العرب لا تتجه إلا إلى بنوكهم، وهي أولى أن يتم استثمارها حيث يعيش العرب حياة واحدة مع إخوتهم الأفارقة.


القمة الإفريقية أيضا كانت على موعد مع أشياء كثيرة يفتقدها العرب تقدم فيها إفريقيا يوما بعد يوما دروسا للعقول الجامدة والضمائر الباردة، فإفريقيا تعلم أن المرأة الإفريقية تضطلع بالعبء الأكبر من العمل الزراعي والرعوي، وتقوم على تربية الأولاد وتعليمهم وتعلم نفسها، بل إنها تسبق الرجل في هذا الصدد-التعليم- على نحو ملفت. فأبت شهامة الرجال إلا أن يتخذ برلمانهم ثم مفوضية الاتحاد الإفريقي التوصيات والقرارات اللازمة لتمكين المرأة.


وبينما يتغزل بعض المتابعين في المكانة السامقة التي وصلت إليها المرأة المصرية لأن عدد النائبات في البرلمان قد وصل إلى تسعين سيدة، يعني أقل من نسبة ١: ٥ بين الأعضاء، بينما أدنى البرلمانات الإفريقية غير العربية تتراوح فيها النسبة بين ٣٢٪ و٥٢٪، والمذهل أنك لو راجعت قوائم كبار المسئولين في الدول الإفريقية فإنك ستدهش عندما تجد عدة رئيسات إفريقيات وعدة رئيسات للبرلمانات، وستجد وكيلات للبرلمانات الإفريقية، ورئيسات كثر للجان البرلمانية، والأهم من ذلك أنك سوف تجد الجدية والفاعلية والاحترام.


ولم تكن القضايا التي تخص المرأة في الاتحاد الإفريقي تدور فقط حول الخفاض الفرعوني (ختان الإناث)، ولا حول تمكين المرأة من التعليم وإنقاذ الفتيات الصغيرات من العمل وإنقاذهن من الموت في المناجم، أو الاحتراق تحت الشمس في المزارع، أو الاستغلال الذي يمارسه بعض الأزواج للزوجات بينما يجلس هو في البيت مشغولا بالمكيفات والمخدرات متمثلا دور الأسد الإفريقي الذي يدعي أنه يحمي إناثه، وهن يطعمنه، ويصدن له الفرائس ويقدمنها له قبل أن يطعمن، وإذا غضب عليهن قتل صغارهن. لقد أوقفت إفريقيا هذا كله وانطلقت تبحث عن المعاملة الإنسانية المتساوية وترفض أحكام «الجندر» الجائرة، وتطلب الكرامة لكل نسائها وبناتها متمسكة بالثوابت الإنسانية التي حاول البعض أن يدور حولها ويطوقها في أطر «سلفاوية-وهابية» هي إلى بيئة الرعاة أقرب منها لأي شيء آخر، وليس لها بالإسلام الحنيف صلة تذكر، بل إن المرأة الإفريقية وقد توسدت موقع الرئيس نجحت في أحيان كثيرة في وأد الصراعات وإخماد الفتن ومنع انتشار السلاح، وكيف لا وهي أكبر المتضررين من العنف في البيت والحقل وميدان القتال. وهي مثل أختها في القاهرة وقفت للمفهوم القاصر للإسلام، سواء الذي مثله الدواعش أم إخوان القرضاوي وأردوغان، وهو النمط الذي تأباه الشريعة الغراء.


ومن عجب أنك تجد في جامعة القاهرة من يبني مسجدا للذكور وآخر للإناث، بينما أن المسجد الحرام والمسجد النبوي وثالثهما الأقصى (رد الله غربته) لم تعرف مصلى منفصلا بحسب «الجندر».


إن مصر وأمتها العربية يجب أن يتعلموا من إفريقيا هذا الدرس، فضحايا داعش من النساء في الشام والعراق وفي ليبيا وفي سيناء يعانون نفس المعاناة التي نراها في شمال ووسط نيجيريا حيث بوكو حرام، إن المعركة الحضارية بشأن المرأة هي معركة واحدة، وهي لا تستشرف الطريق إلى المستقبل فقط، ولكنها أيضا تصحح النظرة إلى الإسلام الحنيف، وتمسح الغشاوة عن أعين المضللين.


التعليم أيضا والتطوير التكنولوجي وميكنة البرامج والتعليم الإلكتروني وسيلة هامة تبحثها إفريقيا لعلاج نقص الإمكانيات وتقلص عدد الفصول والمدرسين ومواجهة مشكلة التكدس في الفصول الدراسية، كل ذلك تعمل إفريقيا بهمة من أجل مواجهته، وهو يوشك أن يفجر عالم المعرفة الإفريقي بطاقات هائلة، وأن يمد القارة بحلول إبداعية للمشاكل التعليمية التقليدية، وأن يجعل إفريقيا قارة واعدة على طريق العلم والتكنولوجيا، اتصالا بتجارب شاهدها الأفارقة في الصين، وفي إندونيسيا، وفي ماليزيا، حيث كان البون غير شاسع بين هذه الدول وإفريقيا، ومن ثم فإن المرء يراجع الدول التي زارها عبد الفتاح السيسي في آسيا فيجد أثرا من الإدراك الإفريقي قد تحقق للرجل. كما أن إفريقيا باتت تعمل على توحيد لغاتها الإفريقية الكبرى عبر الدول بحيث يسهل التفاعل بين دول السواحيلي فون في الشرق والهوسا فون في الغرب واللغات البانتوية في الجنوب، فعلى العرب أن يتساءلوا :»وأين العرب فون؟ ماذا فعل العرب بلغتهم؟»، وهي لغة القرآن، وهي موضع احترام وتقديس من ٥٣٪ من سكان القارة الإفريقية، والاهتمام بها من قبل الدول العربية، سواء في داخل هذه الدول أو عبر حدودها إلى إفريقيا، يعطيهم دورا حضاريا ويكسبهم اتصالا محمودا وممدوحا من أشقائهم الأفارقة، كما أنه يفتح الباب للدول العربية للظهور على المسرح الدولي باعتبارهم كتلة لغوية لها امتداد خارج حدودها على النحو الذى نراه في فرنسا أو أسبانيا أو البرتغال أو الولايات المتحدة.


يا أيها العرب التائهون في إفريقيا ملاذكم، وفي لغتكم رسالتكم ووجودكم الحضاري.


وفي القمة الإفريقية، وبعدما عرض نتنياهو نفسه مخلصا لإفريقيا من الإرهاب التي يعد هو أحد أركانه وداعميه، اتضحت الصورة للقادة الأفارقة أنهم وحدهم المطالبون بالتعاون من أجل انتهاج سياسة موحدة لمكافحة الإرهاب والانتصار عليه، وذلك عبر آليات إفريقية ناجعة جاء على رأسها تفعيل دور مجلس الأمن والسلم الإفريقي، ولاشك أن وجود مصر فيه سوف يعطي زخما لهذا الاتجاه الإفريقي المتصاعد. ولقد باتت الرابطة بين الإرهاب في الشرق الأوسط وفي قلب القارة الإفريقية واضحة بفضل هذه الإعلانات المختلفة من أطراف إرهابية على أرض إفريقيا باتت تدعو للخليفة المدعى أبو بكر البغدادي، صديق الأمريكان، والذي يتلقى رجاله العلاج في تل أبيب ويتقاضون رواتبهم من بترول يبيعونه لأردوغان من ثروات الشعب العراقي والشعب السوري.


ولقد جاء انطلاق الإرهابيين من الشام والعراق إلى ليبيا ليبدأوا محاولة للتواصل عبر الصحراء الإفريقية مع بوكو حرام في نيجيريا وما حولها من دول، ومن ثم فإن المواجهة العربية الإفريقية تصبح ضرورة قصوى لأمن العرب والأفارقة، أو أمن الأفارقة والعرب، أو أمن العرب الأفارقة.


ولقد بدا الترابط بين مصير المنطقتين العربية والإفريقية واضحا حينما تكرر التقاء المسئولين المصريين بنظرائهم من جنوب السودان، الذي تبدو فرص انضمامه إلى جامعة الدول العربية مرشحة بقوة بحيث يمكن أن تكون موضوعا حيويا على جدول أعمال القادة العرب في نواكشوط، وهذا يعني باختصار أن أولئك الأشقاء الذين بات الإعلاميون العرب ليل نهار يصفونهم بالعمالة لإسرائيل، وبسب العرب والتطاول عليهم، والإدعاء بأنهم تجار رقيق، وأنهم يعملون وفق مخططات خارجية، يثبتون لنا خواء هذه الأفكار لصالح إيمانهم بالرابطة مع العرب، وإننا نحن الذين يجب أن نتغير أو أن نغير ما بأنفسنا، وأن ندرك أن مصلحتنا ومصلحتهم ليست حتى مصلحة مشتركة، إنما هي مصلحة واحدة، وأنهم يدركوننا أكثر مما ندركهم، ويعلموننا أكثر مما نعلمهم، وأنهم ينتظروننا ولا نذهب، ويأتون إلينا فلا نقابلهم. إن علينا أن نلوم أنفسنا لوما شديدا، كما أن علينا أن نتقدم إليهم برسائل التواصل المادي والمعنوي إن لم يكن بأن هذا حقهم، فليكن لأن هذا اعتذارنا لهم.


ولقد شهد العرب بعيون رءوسهم عقاب نتنيناهو للمسئول الكبير في جنوب السودان لأنه ذكره بحقوق الشعب الفلسطيني فكاد أن يقتله بعد أقل من ٢٤ ساعة من اللقاء معه، وأن يتم هذا الحدث في عاصمته جوبا، وما هذا عن المتآمرين ببعيد، وقد سبق لهم أن تخلصوا من رجل وحدة السودان الدكتور جون جارانج.


أيها العرب توقفوا طويلا للتأمل وتواصلوا سريعا مع أشقائكم، إنهم أقرب إليكم مما تعتقدون، قد تكون وجوههم سوداء لكن قلوبهم بيضاء، ولهم نفس القلب ونفس اللسان ونفس الأسنان ونفس الأعصاب والشرايين ونفس الدماء، وفيهم رسالة التواصل والأخوة من بعد تقصير طويل.


في القمة الإفريقية أيضا التقى الرئيس عبد الفتاح السيسي مع رئيس الوزراء الإثيوبي ديسالين استمرار التفاعل بشأن سد النهضة في ظروف تبدو فيها إثيوبيا –رغم كل الحديث الواثق والطنطنة الإعلامية- أعجز من أن تشغل السد بعدما فاتها الموعد، وهي تحاول دون جدوى. وإذا كانت مياهنا قد جفت في بعض أفرع نهرنا، فإن موجة من الجفاف تضرب أقاليم عديدة لديهم، وهم يذوقون ما تحفزهم بعض الدول إلى فرضه علينا، وما تحدثهم به نفوسهم في نفس الوقت، ولا شك أن الإصرار على التعاون معهم يعطي لهم الثقة التي حرص اتفاق الخرطوم الإطاري على المطالبة بهم، ولكنه في نفس الوقت إشارة إلى أن من ضربه العطش لن يصبر طويلا.


ولاشك أن أمر المياه لا يبحث فقط بين الدولتين المصرية والإثيوبية، لكنه أيضا مسألة مقررة على جدول الحوار بين مصر والسودان أو بالأحرى بين مصر ودولتي السودان، وبوسع الدول الأربع أن تعمل معا وأن تتعاون وأن تعيش معا، أو على حد قول ديسالين: أن نسبح معا، بدلا من أن نغرق معا. وفي هذا الصدد فإن الصبر الطويل الذي يتسم به أداء الدولة المصرية لا يمنعها من اتخاذ كافة الإجراءات على كافة الأصعدة القانونية والدبلوماسية والدولية لحفظ حقوقها وحقوق شعوبها بدءا من توجيه اتهام بالإبادة الجماعية والتعطيش لملايين الفلاحين إلى توجيه اتهام بالتآمر على بقاء الشعب المصري، ولا نتخيل أن مسئولا في أثيوبيا يمكن أن يغفل أن ٩٠ مليونا بالداخل المصري وأكثر من عشرة ملايين بالخارج يغفلون عن ذلك، وهم يتعجبون ما الذي جرى للأشقاء الذين قاتل خمسة آلاف مصري من أجل استقلالهم في الحرب الإيطالية الإثيوبية منذ ثمانين عاما، والذين كنا نستقبل قادتهم من نعومة أظفارنا في الميادين مرحبين سواء كانوا أباطرة أم رؤساء أم جنرالات.


ولاشك أن السودان بصفة خاصة يتحمل مسئولية كبيرة إزاء ما تقوم به إثيوبيا بحكم أنه انخرط في تصور الدفاع عن سد النهضة باتفاق أمني مشترك، وبحكم أنه استقبل قوات إثيوبية داخل أراضيه، وعلى حدوده مع أشقائه في الجنوب، وهو يعلم ماذا فعلت هذه القوات في الصومال وماذا تفعل الآن أيضا. وإذا كان الرئيس السيسي قد التقى شقيقه عمر البشير في القمة الإفريقية فإنه سوف يلتقيه أيضا في القمة العربية، وعلى أرض إفريقيا أيضا في نواكشوط، ويتوقع أنه سيكون مع أخيه في توثيق عرى التواصل بين المغرب والجزائر، وأن الانخراط في العمل العربي المشترك لمواجهة التغلغل الإسرائيلي لا يترك له خيارا آخر غير خيار العمل العربي المشترك والعمل العربي الإفريقي المشترك، وإلا فماذا يقول البشير لشقيقه عبد الفتاح السيسي؟ أما آن للكلام الطويل والاتفاقات المتكررة أن ترى النور؟ ألم يأن لطرق التواصل أن تفتح، وللتفاعل أن يتحقق، وللرابطة بين الشعبين أن تنطلق دون قيود؟


ولا تزال المنطقة العربية تعاني وهما من البعض بأنه قادر على رسم خارطة طريق لأكبر شعوب الأمة العربية، وسواء أكان ذلك من قوة عربية واحدة أو من اجتماع عدة دول أو من تآلف البعض منها مع الخلية المنتظر في استانبول، فلقد ذهب كل ذلك إلى عالم الخواء بعدما ظهرت صورة هذا الخليفة على حقيقتها: ديكتاتورا بشعا يتهم ألفا وثمانمائة عسكري بتدبير انقلاب عسكري «كرتوني» بينما هو في نفس اللحظة يفصل ثلاثة آلاف قاضٍ وسبعة آلاف رجل أمن وسبعة آلاف معلم ويلقي القبض على ٦٩ ألف إنسان بينما هو لا يزال يحيا في وهم «إشارة رابعة»، والطريق لا يؤدي إليها، يا أيها الإخوة العرب إلى أين تتجهون؟ الطريق ليس إلى الشمال الشرقي، الطريق إلى قمة نواكشوط.


وبينما بحثت القمة أساليب التعاون بين الدول الإفريقية لإقامة منطقة التجارة الحرة، كما بحثت أيضا العمل بدقة على تمويل أنشطة الاتحاد الإفريقي ومراجعة نظام الحصص المالية للدول بما يكفل مشاركتها جميعا في تحمل أعباء التمويل هذه، فإنه من الواضح أن القادة الأفارقة عازمون على نجاح الاتحاد وعلى توفير التمويل اللازم «لأفرقته» حتى لا يخضع لمانحين من هنا وهناك في قراراته، كذلك فإن هؤلاء القادة يؤكدون السعي للوصول إلى السوق الإفريقية المشتركة.


والسؤال الآن للقادة العرب: أين سوقكم العربية المشتركة؟ ولا شك أن الرؤساء مدعوون للإجابة على هذا السؤال بعد أن وقع أسلافهم في عام ١٩٥٠ اتفاقا للدفاع المشترك وتعاهدوا عشرات المرات على إنشاء هذه السوق. لكن الأمين العام للجامعة العربية السيد أحمد أبو الغيط مطالب بأن يستجيب -هو وهم- لصوت الأمة العربية المطالب بهذه السوق، على الأقل تكفيرا عن مشاركة الجامعة العربية في تفكيك سوريا وليبيا، واستجابتهم جميعا لتدخل الناتو على أرض العرب: إننا نريد أن نراهم عربا بالفعل لا بالقول، لكن القول نفسه مهم فمن اللازم أن تعلي الجامعة صوت الأمة على كل صوت، وأن ترى الشعوب الجامعة مجسدة لآمالها قادرة على التفاعل مع التحديات ومستوعبة لها، وأن ترى في أمينها العام تجسيدا للمشاعر القومية وحرصا على كل دولة عربية واحتراما لحرمات الأمة ومنعا للمتطاولين عليها، مهما علا قدرهم، فهذا وحده مصدر قوة لا يستهان به. إن الجامعة يجب أن تكون شوكة الأمة في المواجهة مع أعدائها، وليس شوكة في خاصرة الأمة يستخدمها أعداؤها.


ولاشك أنه كدبلوماسي محترف مر بخبرات طويلة وجابه مواقف صعبة يستطيع أن يفعل الأدوات الثقافية والأدبية والرياضية والشبابية والتي طال إهمالها، كما يستطيع أن يدعم المؤسسة العربية الوحيدة العاملة في البحث العلمي على أساس قومي وهي معهد البحوث العربية، كما أن بوسعه أيضا أن يمد ناظريه إلى القمة العربية الإفريقية المرتقبة ويحسن الإعداد لها، وأن يسأل أيضا أين ذهب معهد العلاقات العربية الإفريقية الذي تأسس قبل عدة عقود؟ وماذا يصنع وما هي إضافته؟ وكيف السبيل إلى دعمه تواصلا بين الأمة العربية وأشقائها الأفارقة؟


والسيد الأمين العام الجديد مطالب بألا يكون عهده كعهد سابقيه: عهد من العمل الوظيفي في الإطار الدبلوماسي، بل أن يكون لديه بصمة على المستوى الدولي تجعل العرب رقما فاعلا على أية مائدة للتفاوض الدولي. وهو لكي يفعل هذا عليه أن يحل المعضلات العربية القائمة من ناحية، وأن يجسد رسالة واضحة لدول الجوار تقوم على تفاعل وتعاون خلاق لا يسمح مطلقا باختراق الأرض العربية أيا كان الفاعلون.


إن الأمين العام عليه أن يجعل للأمة العربية حرما مصونا على الحدود التركية وعلى الحدود الإيرانية وفي مياه البحر المتوسط، وعبر الصحراء، وعبر البحر الأحمر، وهو يملك من القدرات العربية ما يمكن أن يتم توظيفه بشرط واحد هو أن يظفر من العرب بكلمة واحدة: هي التوافق على الاتفاق.


فهل يفعلها السيد أحمد أبو الغيط وهو يقف بين قمة إفريقية مضت، وقمة عربية مرتقبة، وقمة عربية إفريقية تالية لهما؟ سنراقب ونرى.