مصر حذرت كثيرا وأوربا تجاهلت فأصابتها اللعنة الإرهاب فى زمن الإنترنت والضبابية السياسية

27/07/2016 - 1:11:17

بقلم: د. حسن أبوطالب

بينما كان وزير الخارجية سامح شكرى يحدد موقف مصر فى كلمته أمام وزراء الخارجية العربية المجتمعين بالعاصمة الموريتانية نواكشوط لإعداد القمة العربية، قائلا «الإرهاب اتخذ أشكالا واعتمد أساليب لا حدود لوحشيتها كالدهس والحرق”. متابعا بالقول أن تفاقم هذه الظاهرة فى منطقتنا العربية جاء نتيجة تدخلات قوى إقليمية تصورت « أن التطرف ورقة يمكن توظفيها لتحقيق مكاسب سياسية والهيمنة على المنطقة ولكن ارتدت عليهم حتى أصبحت تلك القوى فى عين عاصفة التطرف والإرهاب»، كانت أصداء الحادثة الإرهابية فى مدينة نيس الفرنسية حيث دهس إرهابى بسيارة نقل ثقيلة حشودا بشرية، ما أدى إلى مقتل أكثر من ٨٠ شخصا وإصابة العشرات، ثم تلاها بأيام معدودة حادثة قيام شاب أفغانى يعيش فى ألمانيا لا يتجاوز عمره ١٨ عاما بالاعتداء بفأس على عدد من راكبى أحد القطارات ما أدى إلى مقتل خمسة مواطنين، ثم أخيرا حادثة قيام شاب ألمانى من أصول إيرانية ليلة ٢٣ يوليو الجارى بالهجوم على رواد أحد المطاعم فى مدينة ميونيخ فقتل ٩ وأصاب عددا آخر.


ذئاب منفردة وانتقام فورى


وفى كل هذه العمليات كان التفسير المباشر أننا أمام تطبيق حى لظاهرة الذئاب المنفردة فى مجتمعات أوربية غربية توصف بأن لديها الكثير من الحريات والكثير من التحضر السياسى، ولكن مع ذلك قام عدد من الشباب الذين يعيشون فى هذه المجتمعات وولدوا فيها بأعمال إرهابية تعددت فيها الدوافع ما بين سياسية أو نفسية أو أيديولوجية، كما ظهرت فيها تأثيرات التواصل مع مواقع تدعو للتطرف الفكرى والدينى والعنف، وفى كل الأحوال كانت النتيجة قتلى ومصابين أبرياء.


إرهاب الأسبوع الماضى لم يقف عند عدة دول أوربية، بل كان له نصيب كبير فى بلد آخر فى النصف الثانى من الكرة الأرضية فى التوقيت ذاته الذى شهد حادث ميونيخ الغريب شكلا ومضمونا، إنها أفغانستان التى حصد فيها عمل إرهابى فى العاصمة كابول ٨٠ قتيلا و٢٧٠ جريحا من الأقلية الشيعية الهزارة أثناء قيامهم بمظاهرة سلمية طالبوا فيها بإنشاء مشروعات إنمائية حكومية فى الولايات التى يقطنها الشيعة الأفغان، وهو التفجير الذى تبناه داعش فرع خراسان، ولم ينل سوى قدر محدود من المتابعة الإعلامية من وسائل الإعلام الدولية مقارنة بحجم الاهتمام الذى أعُطى لحادث ميونيخ، ربما لأن الضحايا أفغان ومسلمون، كما أن الفاعل هو تنظيم إرهابى محترف يقوم بهذه الأعمال الإرهابية دون أى رادع من قيم دينية أو إنسانية، أو بعبارة أخرى لأن هذه الأفعال الإرهابية شىء طبيعى فى هذه المنطقة من العالم، ولا تحمل جديدا من حيث التحليل والنتائج التى يمكن الخروج بها.


الإرهاب جزء من تاريخ الإنسانية


من الناحية الموضوعية الخالصة فالإرهاب هو الإرهاب، سواء قام به تنظيم محترف أو مجموعة صغيرة أو فرد واحد، وهدفه إحداث الترويع لدى المواطنين الأبرياء، وهدفه الضغط على الحكومات والمؤسسات، وإرسال رسائل بين الحين والآخر بأنه لا أحد آمن فى هذا العالم، وأن من الضرورى أن تغير الحكومات المعنية سياساتها تجاه بعض القضايا التى يهتم بها الإرهابيون ويرونها سببا ودافعا أصيلا لأفعالهم الدنيئة، ومن زاوية تاريخية تخص التاريخ الإنسانى كله، فالإرهاب والعنف ليس أمرا جديدا أو طارئا، بل هو جزء مهم من تاريخ العالم والإنسانية جميعا، والفارق أن هناك مراحل فى التاريخ البشرى يستشرى فيها الإرهاب والعنف والخراب إلى حدود قصوى، والنموذج الأبرز هنا الحرب العالمية الثانية التى أودت بحياة ٤٢ مليون إنسان من مختلف الجنسيات والأمم. وفى مراحل أخرى تهبط معدلات العنف لتصبح مجرد أحداث فردية عابرة ولا تحمل تداعيات كبرى. والمتفق عليه بين دارسى الإرهاب كظاهرة عنف جمعى، أن الأحداث الإرهابية تتصاعد بصورة تدريجية من حيث الكم ومن حيث عدد الضحايا فى المراحل الانتقالية الكبرى التى يمر بها العالم، حين تسود حالة من السيولة بين التحالفات وتتصارع فيها نظم قيمية كبرى وتستعد فيها البشرية للانتقال إلى حقبة جديدة تتحدد ملامحها بعد فترة من الزمن.


السيولة الدولية والانسحاب الأمريكى


والمتفق عليه أيضا بين المتابعين للحالة الدولية الراهنة أن هناك نوعا من السيولة فى إدارة العلاقات الدولية، فنظام القطب الواحد أصابه الاهتراء بشدة، والولايات المتحدة تنسحب تدريجيا من إدارة قضايا عالمية عديدة كلها ذات صلة بالأمن العالمى أو الأمن الإقليمى فى مناطق حيوية للمصالح الدولية ككل، وقد يزداد هذه الانسحاب الأمريكى إذا ما فاز المرشح الرئاسى دونالد ترامب، فرغم كونه مرشحا عن الجمهوريين المعروف عنهم الاحتكاك والاشتباك مع القضايا الدولية بدرجات مختلفة من العنف واللين، فهذا المرشح تحديدا يقدم رؤية أيديولوجية تتناقض مع هذا التراث الجمهورى التقليدى، ويطرح العزلة الأمريكية طريقا جديدا لحماية المصالح الأمريكية والابتعاد عن هموم العالم ومصائبه، وبالتالى يتحقق من وجهة نظره المزيد من الأمان والسلامة للمجتمع الأمريكى والفرد الأمريكى معا.


وسواء فاز ترامب أو لم يفُز، فمثل هذا الخطاب الانعزالى له أصداؤه فى العديد من المجتمعات الأوربية، ويُعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربى نتيجة التصويت الشعبى الذى أيَّد هذا الاختيار نموذجا للانعزال السلمى الناتج عن تراكمات إدراكية بأن المزيد من الانفتاح على العالم يزيد من الأعباء فى الداخل، والأهم هو خطوة نحو تغير التحالفات الدولية على نحو يبشر بنظام دولى جديد فى المدى الزمنى المنظور.


وفى كثير من الدراسات الأوربية والأمريكية تعتبر الخيارات الانعزالية بمثابة رد فعل مجتمعى وسياسى على حالة التداخل والتشابك بين هذه المجتمعات الأكثر تقدما اقتصاديا والأكثر تحضرا سياسيا والمجتمعات الأقل تقدما والأكثر تخلفا ومشاكل وتعقيدات، والأكثر تطرفا وكراهية للمجتمعات المتقدمة، وهو تفسير يتجاهل الدور الذى لعبته وما زالت تلعبه هذه المجتمعات الأكثر تقدما اقتصاديا فى النهب التاريخى لهذه المجتمعات الأضعف وفى الاستنزاف المستمر لمواردها حتى الآن.


دعوة مصرية للمواجهة الشاملة


ولما كانت علاقات الشعوب والمجتمعات قد تداخلت وتشابكت، سواء بفعل العولمة أو نتيجة لأسباب أخرى، فضلا عن حالة الضبابية التى تسود قمة العالم وانتشار العنف والتطرف الفكرى والسياسى، فمن الطبيعى أن ترتفع العمليات الإرهابية بأشكالها المختلفة، ومن المنطقى فى حال كهذا أن تكون المواجهة ذات طابع دولى شامل، وهو ما تطالب به مصر، ليس فقط الآن، بل منذ ١٩٩٠، حين دعا الرئيس الأسبق مبارك العالم كله فى خطاب له فى الاتحاد الأوربى بأن يتحد لمواجهة الإرهاب وأن يضع له مفهوما واضحا يلتزم به الجميع، ويعتبر أى محاولة لاستخدام العنف من أى جماعة كانت هو عمل إرهابي مرفوض ولا يمكن تبريره، كما دعا الدول الأوربية ألا تقدم الملجأ والمأوى بدعوى حقوق الإنسان والحريات أو أى نوع من الدعم السياسى أو المعنوى لأى أفراد أو جماعات تتورط فى أعمال عنف وإرهاب فى مجتمعها الأم أو عبر الحدود، وهى الدعوة التى تُعد بمثابة موقف مصرى ثابت، عبر منذ ذلك الوقت المبكر عن الخطورة القصوى لمن يؤوى إرهابيا فردا أو جماعة، أو يبرر له فعلته على أى نحو كان، وطوال ٢٦ عاما لم تغير مصر موقفها من ضرورة المواجهة العالمية الشاملة لجماعات الإرهاب ومحذرة من يؤوى إرهابيا من التعرض لضربات موجعة من قبل هؤلاء الإرهابيين، غير أنها لم تجد الصدى المناسب حتى تاريخه.


لم يقف الموقف الأمريكى والأوربى للدعوة المصرية عند حدود التجاهل أو الالتفاف، بل قامت الولايات المتحدة وأيدتها فى ذلك دول أوربية مختلفة بإنشاء جماعات إرهابية وإن بأسماء براقة تمارس العنف ضد بلدانها وشعوبها، كما حدث فى أفغانستان منذ ثمانينيات القرن الماضى وفى العراق مطلع الألفية الراهنة. وما فعلته واشنطن فى السنوات الأربع الماضية بدعم تركى قطرى وصمت أوربى ميدانى وصخب إعلامى وسياسى عند تشكيل فصائل سورية معارضة مسلحة بزعم أنها تمثل التيار الإسلامى المعتدل لمواجهة النظام والحكومة والجيش السورى هو آخر الأمثلة على أن من يزرع عنفا وتطرفا وإرهابا حتى ولو كان على بعد آلاف الكيلومترات، فإنه سيرتد إليه بما لا يتوقعه أحد.


الإنترنت وإشاعة خبرات العنف


وكما هو معروف فإن ظهور الإنترنت أدى إلى توفير أدوات تواصل بين مراكز الجماعات الإرهابية وأفرعها المختلفة مهما بعدت المسافات، كما وفر الإنترنت وسائل دعاية مجانية للأعمال الإرهابية وما فيها من بطولات زائفة أغرت الكثيرين من ذوى الاختلالات النفسية بأن يكونوا جزءا من هذه البطولات الوهمية، وجزءا من المعتنقين للأفكار التى بنيت عليها هذه البطولات، وهو أمر يختلف جملة وتفصيلا عن البيئة التى نشأت فيها جماعات ومنظمات الإرهاب العابر للحدود أو الكامن فى حدود معينة قبل ظهور الإنترنت، فغالبا ما كانت هذه الجماعات الإرهابية تعمل فى إطار من العزلة والسرية الشديدة، مما قيّد كثيرا من قدرتها على جذب أعضاء أو متعاطفين من مجتمعات أخرى. ومن خلال مواقع التواصل الاجتماعى بات من اليسير تشجيع الإرهابيين لبعضهم بعضا للقيام بأعمال تفيد المنظمة الأم سياسيا ودعائيا حتى ولو لم يكن هذا الإرهابى عضوا فى هيكل التنظيم، ومن ثم أصبح الفرد المعزول عن مجتمعه أو المصاب باكتئاب نفسى لأسباب مختلفة هدفا يسهل التأثير فيه، كما أن هناك أفرادا كانوا هم المبادرين بالتعرف على المنظمات الإرهابية وسعوا للتعاون معها والانضمام إليها، ومنهم من تأثر بالفكر الإرهابى وتمثل نفسه بطلا أو متمردا ضد مجتمعه. وحالة الشاب الفرنسى التونسى الأصل لوحويج بوهلال منفذ عملية الدهس فى نيس الفرنسية حالة جمعت بين الاكتئاب والعزلة عن المجتمع وفقدان الهوية والرغبة فى الانتقام والتأثر بمواقع العنف والإرهاب على الإنترنت. وكذلك الشاب الألمانى من أصول إيرانية، ذى الثمانية عشر عاما، والذى وصف بأنه كان مكتئبا نفسيا ومهووسا بالعنف الجماعى، وقام بإطلاق النار على رواد أحد المطاعم فى ميونيخ، هو أيضا أحد أبرز الأمثلة على ما يفعله الإنترنت من إغواء وتوريط للشخصيات غير السوية، وهى حالات يستحيل توقع ما يمكن أن تقوم به من عنف.


دلالات العنف الراهن


ما سبق يقدم الصورة الكلية لما يعرف الآن بظاهرة الذئاب المنفردة التى ضربت فى أكثر من بلد أوربى فى العام الجارى، وهى ظاهرة وإن كانت معروفة عبر التاريخ فى فترات متباعدة، إلا أن كثافتها فى اللحظة التاريخية التى نعيشها الآن لا تخلو من دلالات كبرى ومهمة، أول هذه الدلالات أن العالم المعاصر يعيش مقدمة لمسار جديد من التغيرات الجيوسياسية في العالم، نهايته تبدو مجهولة إلى حد كبير، ولربما من المفيد أن نذكر أنفسنا أن ظاهرة تنظيم داعش بمسمى الخلافة أو أى شىء آخر هى فى جوهرها حال تمرد على النظام العالمى كله، ومسعى لتغيير النظام الدولى. صحيح أن إمكانية نجاح هذا المسعى الداعشى تبدو مستحيلة تماما، ولكنها ستظل فى التاريخ تعبيرا عن تمرد استخدم العنف والإرهاب فى مساحات واسعة من العالم، وشاركت فيه عناصر من جنسيات مختلفة توهمت أنها قادرة على صنع البديل رغم فارق القوة والإمكانيات مع القوى التى سعت إلى إسقاطها.


وثانى هذه الدلالات أن العالم المعاصر وإن دفع ثمنا لعمليات إرهابية قامت بها عناصر غير معروفة وتعد بمثابة مفاجأة صادمة للأجهزة الأمنية والاستخبارية، فمن غير المستبعد أن بعض هذه العمليات موجهة بشكل ما من أجل إحداث تغيرات كبرى لدى الرأى العام المستهدف، ومن وراء ذلك التمهيد إلى تغيرات كبرى سياسيا وأمنيا يسهل تبريرها بأنها تلبية لتوجهات الرأى العام بعد ما أصابه من تحولات.


وثالث هذه الدلالات أن الغرب ما زال مقتنعا بأن موقفه فى الحفاظ على الحريات التى تمثل أساس الديمقراطية الليبرالية ونظم الحكم السائدة لابد أن يعلو على محاصرة الإرهاب بأشكاله المختلفة، وكما ذكر مارك ساجمان، وعمل محللا فى الاستخبارات الأمريكية ثم خبيرا فى مواجهة الإرهاب بالناتو، فى مقال له فى مجلة الناتو عدد مارس الماضى، بأن التاريخ الغربى عموما لا يخلو من العنف الذى قامت به منظمات أو مجموعات عبرت عن رفضها للأساليب السلمية للمعارضة، كما أن الانتقام الفردى حدث كثيرا فى مراحل مختلفة ولكنه خبا واندثر مع مرور الوقت، وأن الخوف الواسع من المهاجرين في أوربا الغربية سيتلاشى في النهاية مع اندماج الوافدين الجدد بشكل أفضل في نسيج المجتمع الغربي، وبالتالى سيحدث الشىء نفسه مع ظواهر الإرهاب والعنف الجديدة، أى سوف يتلاشى تدريجيا. وهو تبرير يعنى استمرار حالة الترفع عن مواجهة الإرهاب فى طوره الجديد بأسلوب شامل وذى طابع عالمى، وبالتالى هناك الكثير من عمليات الإرهاب ستحدث لا محالة فى أوربا وفى غيرها. وهذا هو الفارق بين رؤية مصر الشاملة وبين الكسل عن مواجهة أخطر تهديد للعالم بأسره.