خيبة الأمل.. راكبة جمل.. عربى!!

27/07/2016 - 1:09:04

  حمدى الكنيسى حمدى الكنيسى

بقلم : حمدى الكنيسى

معذرة إن كنت قد اخترت هذا العنوان القاتم لمقالى، بما يحمله فى ثناياه من تأجيج لمشاعر اليأس والإحباط والتشاؤم، ذلك لأن هدفى فى النهاية هو أن أدق بمنتهى القوة جرس الإنذار للتحذير من أشد وأشرس الأخطار، التى تحدق بأمتنا وتتأهب لتحقيق المزيد من نتائجها المدمرة، التى لا تخفى بوادرها عن أحد، والتى لم تعد خافية على أحد!!


عذرى - إذن - هو أن الذى يدفعنى إلى إطلاق هذه العبارة الصادمة “خيبة الأمل راكبة جمل عربى!!” فى وجه كل قادتنا وزعمائنا الذين جمعتهم القمة السابعة والعشرين، التى استضافتها العاصمة الموريتانية “نواكشوط”، وهى القمة التى وصفها البعض بأنها “قمة الأمل” من باب الإفراط فى التفاؤل الذى لا مبرر له!


وهى القمة التى رفضت “المغرب” استضافتها لأنها -بالعربى - لن تحمل جديدًا أى ستكون امتدادًا للقمم السابقة، التى كانت مجرد مناسبات للقبلات وتبويس اللحى والتعبير عن أعز الأمنيات، التى تظل حبيسة للعقول والأدراج، ولعل هذا الموقف الحاد والصادم من الشقيقة “المغرب” قد جلعنى أتوقف كثيرًا ومليًا أمام الواقع العربى الذى زاد تعقيدًا وحساسية وارتباكًا، وانطوى على عجز فاضح فى إمكانية ارتفاع قادتنا وزعمائنا “الأشاوس!!” إلى مستوى المسئولية التاريخية العظمى، وكأنهم لم يشاءوا أن يستوعبوا نتائج حالات الفرقة والتشرذم والخلافات والحساسيات والأغراض والأهواء القطرية والحزبية والشخصية، إلى جانب الخضوع للإملاءات والتوجيهات الأجنبية بحسن نية أو بقصور فى إدراك الأهداف الخفية.


إننى أعلم علم اليقين بأننى - بعنوان مقالى هذا - أصدم مشاعر الكثيرين وفى مقدمتهم الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية “أحمد أبو الغيط” الذى أقبل على تحمل المسئولية المعقدة بكثير من الآمال والأفكار معتمدًا على خبراته الدبلوماسية والسياسية المتراكمة، حتى أنه تعهد لوزارة الخارجية بأنه سيتحمل شخصيًا عبء إصلاح وتطوير الجامعة العربية لأنها تحتل أهمية قصوى فى هذه المرحلة التى تشهدها منطقتنا العربية، فضلًا عن التحديات والتداعيات والتحولات الكبرى، والتهديدات الخطيرة التى يواجهها الأمن القومى العربى والناجمة عن الأزمة السورية بتعقيداتها وتفاعلاتها المتشابكة، وتطورات الأوضاع فى العراق واليمن وليبيا والصومال وجنوب السودان طبعًا إلى جانب فلسطين!!.


الأمر الذى يستدعى التحرك السريع على طريق الحلول السياسية لإعادة الأمن والاستقرار لهذه الدول بل للأمة العربية كلها، وهذا يا حضرات يبرر إطلاق السؤال المنطقى العاجل والملح وهو: “ هل يمكن أن يتحقق ذلك؟!


والإجابة تحددها وتضعها الحقائق التالية:


تنعقد القمة العربية السابعة والعشرون فى ظروف استثنائية بالغة الدقة وهى:


١- بعض الدول العربية تتعرض للانهيار والتمزق والتفتت لتحل محلها كنتونات وكيانات هزيلة لاتملك من أمرها شيئًا سوى قبول ما تمليه عليها إسرائيل وحلفاؤها إلى جانب وقوع القتلى والجرحى والموت غرقًا كل يوم من العراقين والسوريين والليبيين واليمنيين وسط ذهول عربى ومشاعر متضاربة.


٢- تفشت التوجهات الطائفية والإثنية بملامحها البغيضة المخيفة، وظهرت الاتجاهات المتطرفة، ومعها التنظيمات الإرهابية بما يهدد أمن واستقرار المنطقة والعالم.


٣- تم استبعاد سوريا من جامعة الدول العربية فى سابقة خطيرة تدل على الفشل العربى المخزى، ليس لأن سوريا من الدول، التى أسست جامعة الدول العربية، ولا لأنها من المحاور الرئيسية للعمل والقوة العربية، وإنما - على الأقل - لأنها تتعرض حاليًا لمؤامرة بشعة تستهدف تمزيقها لتلحق بشقيقتها التى خرجت أو كادت - بالغزو الأمريكى الذى تم فى إطار الفرقة العربية - من التاريخ والجغرافيا لتفقد الأمة أحد أهم عناصر قوتها العسكرية والثقافية والسياسية الكبرى.


٤- تتباين وتتناقض مواقف الدول العربية إزاء القضايا والتطورات المختلفة فتركز بعض الدول على ضرورة إسقاط “نظام بشار الأسد” حتى لو أدى ذلك إلى انهيار الدولة وتمزقها، لدرجة أن أصابع الاتهام تتجه نحو هذه الدول بأنها تبنت وساعدت تنظيمات “القاعدة” وداعش و“نصرة الإسلام” وغيرها بهدف ضرب النظام السورى الحاكم، وإن كانت هذه التنظيمات قد أضافت إلى أهدافها ضرب جميع الدول العربية والأوربية وغيرها، مما أدى إلى تشويه وتلطيخ صورة الإسلام الذى تتمسح فيه وهو منها براء، كما تسببت وتتسب هذه التنظيمات الإرهابية فى الإساءة أيضًا لصورة الإنسان العربى.


٥- بمنتهى السفور والفجور تواصل إسرائيل عمليات إجهاض القضية الفلسطينية نهائيًا بمزيد من المستوطنات التى تلتهم الأراضى الفلسطينية فى القدس والضفة الغربية ومزيد من الاعتداءات قتلًا واعتقالًا وأسرا وتدميرا للفلسطنين ومساكنهم، يحدث ذلك يوميًا دون أن تهتز شعرة فى رأس قادتنا وزعمائنا، بل إن بعض الدول التى تتاجر بالقضية الفلسطينية، تتعامل سرًا وأحيانًا - علنًا مع إسرائيل حتى إن قصور بعض الأمراء والحكام العرب تتواجد الآن فى تل أبيب لتخرق عيون من يتحدثون عن رفضهم لتلك الدولة!!


٦- عندما اتخذت السعودية والإمارات والكويت موقفًا حاسمًا إزاء دولة عربية مارقة تعمل علنا بالتعليمات المباشرة من أمريكا وإسرائيل ضد مصالح الأمة العربية جمعاء، ساد التفاؤل بإمكانية رجوع هذه الدولة إلى الصف العربى الحقيقى، لكن دول الخليج تخلت عن مقاطعتها لتلك الدولة وآثرت الصمت وهى تراها تواصل دورها المريب المشبوه!


٧- تتباين وتتناقض المواقف إزاء ما يحدث فى ليبيا والعراق واليمن والسودان والصومال ما بين الحرص اللفظى فقط على وحدة تلك الدول وسلامتها، وتجاهل عمليات تكريس الانشقاقات والصراعات القبلية والطائفية والحزبية.


٨- تتباين وتختلف الرؤى والمواقف إزاء “حزب الله اللبنانى” فتصدر قرارات باعتباره حزبًا إرهابيًا لتلتقط ذلك أمريكا ودول أوربية فتعمل على القضاء عليه كقوة عربية قبل أى اعتبار آخر، كما اشتعلت المواقف داخل لبنان بما قد يؤدى إلى حرب أهلية.. وبغض النظر عن أخطاء وخطايا قادة الحرب إلا أن التعامل الواعى معه كان يمكن ترشيد إجراءات الأخيرة له وإعادته إلى الطريق الصواب.


٩- تختلف الآراء والمواقف إزاء كل من “إيران وتركيا”، فترى دول استحالة التعامل مع إيران، بينما تواصل دول معروفة علاقاتها الاقتصادية الكبيرة مع طهران، من جهة أخرى تتجاهل دون مواقف حكومة “تركيا الاردوغانية” وعداؤها المعلن لدول عربية مثل مصر وسوريا والعراق، بينما تنسق دول أخرى مع أردوغان ونظامه.


١٠- ترى بعض الدول أن الولايات المتحدة وحلفاءها لا يحملون لنا أى شر تخطيطا وتنفيذًا، بينما ترى الدول الأخرى الوجه القبيح لتلك الدول.


١١- تختلف المواقف العربية حول لبنان التحمس لجانب، ومساندة جانب آخر مما يعرض لبنان لأزمات متلاحقة وتظل بدون رئيس حتى الآن!.


تلك بعض الأمور التى تجسد حجم وعمق الخلافات التى تحكم العمل العربى، والتى تنذر بأن تكون قمة نواكشوط بغض النظر عن البيانات التقليدية مجرد رقم جديد فى قائمة الفشل والتخبط، فتؤكد أن خيبة الأمل مازالت راكبة الجمل العربى.


وبالرغم من أن هذه النهاية المتوقعة تؤكد أن تراجع التفاؤل وتصاعد التشاؤم إلا أننى أتمنى وأدعو الله ليل نهار أن يفيق قادتنا وزعماؤنا ويرفضوا وأقنعهم يتمردوا على فرقتهم وتشرذمهم، وينطلقوا فعلا على طريق وحدة الصف والموقف والعمل إنقاذًا لأمتنا المترنحة ومن ثم إنقاذ الشعب العربى بمن فيه هم!!.


أتمنى وأدعوا الله ليل نهار أن يتذكر قادتنا وزعماؤنا أن التضامن العربى، والعمل العربى الموحد - حتى فى أدنى صوره - حقق انتصار أكتوبر التاريخى الذى حطمنا فيه أساطير قوة إسرائيل المدعمة بلحفائها، ورفعنا من خلاله “قيمة النفط العربي” فتحقق أعظم الإيرادات للدول العربية المنتجة له، ليحمل معه نهضة اقتصادية رائعة.


أتمنى وأدعو الله ليل نهار أن تخرج قرارات القمم العربية السابقة من أدارج النسيان والإهمال ليتم تفيعلها فنرى - على سبيل المثال - قيام القوة العربية المشتركة كما أقرتها قمة شرم الشيخ، ونرى - على سبيل المثال - قيام السوق العربية المشتركة التى أقرتها أول قمة عربية!!.


أتمنى وأدعوا الله ليل نهار أن نرى تحركًا عربيًا موحدًا متجردًا من كل الأهواء والأغراض لإنقاذ سوريا والعراق وليبيا واليمن والصومال والسودان.. لتعود دولًا متماسكة موحدة، مضيفة لرصيد القوة والمكانة العربية.


أتمنى وأدعوا الله ليل نهار أن نرى جامعة الدول العربية وقد صارت فعلا اسمًا على ما مسمى وعنوانا وطريقا لتوحد وقوى الأمة العربية.


أتمنى أدعوا الله ليل نهار أن يؤدى الوضع الجديد المنشود للأمة العربية إلى القضاء نهائيًا على الإرهاب وتنظيماته، لتتجه جهودنا المشتركة إلى العمل الخلاق من أجل البناء والتنمية والتقدم، وحتى تنقذ صورة الإنسان العربى، وصورة الإسلام.


أتمنى وأدعوا الله ليل نهار إلى أن يعاد النظر فى الموقف من إيران وتركيا فتتخليان عن التدخل والتآمر ضدنا، وتدخلان معنا فى إطار “رابطة إقليمية” تحترم الحقوق العربية، وتحقق المصالح المشتركة.


أتمنى وأدعوا الله ليل نهار أن تنشأ فى القريب العاجل “جبهة شعبية عربية موحدة” تعمل جنبًا إلى جنب مع “جامعة الدول العربية” التى تمثل الجبهة الرسمية الحكومية ولتكون النتيجة والمحصلة النهائية قيام قوة أو اتخاذ عربى إقليمى لايقل بأى حال عن الاتحاد الأوربى.


بهذه التمنيات والدعوات سأكون أول من يدعو إلى التراجع عن حكاية “خيبة الأمل اللى راكبة جمل عربى” لأننا لو تحقق ذلك كله لن يكون لنا إلا الجمل العربى الأصيل رمز الكرامة والعزة والذى اعتاد أن يحمل الأمل فى تحدى الصعاب حتى لو كانت الصحارى القاحلة بأخطارها العديدة.