سر جماعة «الخدمة» التى تهدد عرش السلطان العثمانى الجديد؟ الانقلاب الفاشل يكتب فصل النهاية بين «أردوغان» و«كولن»

27/07/2016 - 12:46:12

بقلم - السيد عبد الفتاح

لم ينتظر رجب طيب أردوغان وأركان حكمه ، مرور دقائق حتى سارعوا بتوجيه الاتهام مباشرة فى الوقوف وراء المحاولة الانقلابية الفاشلة إلى رجل الدين محمد فتح كولن وجماعته «جماعة الخدمة» ، على الرغم من أن هذه الجماعة لا تنخرط فى العمل السياسى ، بل إنه ليس هناك ما يمكن أن نطلق عليه جماعة بالوصف والتحديد ، فهى ليست كيانا ظاهرا معروف أعضاؤه ونشاطاته ومقراته وتكويناته وهيكله الداخلى ، مثل جماعة الإخوان المسلمين على سبيل المثال . وكأن الأمر كله أشبه بسيناريو محبوك معد مسبقا ، معروفة فيه التفاصيل ومحدد فيه سلفا الجانى المفترض وهو هنا جماعة الخدمة وزعيمها محمد فتح الله كولن الذى يعيش فى الولايات المتحدة منذ سنوات . ليشرع أردوغان وحزبه العدالة والتنمية الحاكم وحكومة بن على يلدريم ، فى شن حملات ممنهجة وضخمة ضد من اعتبرهم أنصار كولن فى مختلف المؤسسات بداية من المؤسسة العسكرية والأمنية مرورا بالمؤسسة القضائية والتعليمية ، اعتقل فيها الآلاف وأعفى مثلهم من الخدمة ، كما أغلق مئات المدارس والمؤسسات التعليمية المحسوبة على جماعة الخدمة ، وغيرها من المؤسسات الإعلامية . فى محاولة منه لاستئصال شأفة الحركة التى يراها تمثل خطرا داهما عليه ، خاض من أجله معها صراع بقاء ومعركة لا تحتمل القسمة على اثنين « إما أنا وإما كولن».


إن المتتبع لتاريخ العلاقة بين الرجلين «أردوغان / كولن» والتى تمتد إلى عشرات السنوات ، منذ أن كان أردوغان يخطو خطواته الأولى فى عالم السياسة والحكم ، وبدأت علاقة طيبة ومع الأيام تحولت إلى تحالف كبير وعميق شهد فترة شهر عسل امتد سنوات ، قبل أن ينقلب الطرفان على بعضهما الآخر ، ويصبح العداء والصراع هو العنوان العريض للعلاقة ، والمؤامرات والتصفيات هى الحاكم لهذه العلاقة .


وفى الحقيقة فإنه ورغم تعدد أعداء أردوغان وحزبه وتجربته السياسية ، سواء من المؤسسة العسكرية التى تمكن أردوغان ـ على ما يبدو ـ من «إخصائها» ، أو من الدولة العميقة الأتاتوركية العلمانية التى جاء أردوغان وحطم أركانها وجعلها أشبه بالركام والأطلال ، أو من الأحزاب المعارضة العريقة التى نجح أردوغان فى سحقها سياسيا بمختلف الطرق والوسائل ، أو من الأكراد وبصفة خاصة حزب العمال الكردستانى الذى يتزعمه عبد الله أوجلان «المعتقل». على الرغم من ذلك كله فإن رجب طيب أردوغان يضع فتح الله كولن وجماعته فى صدارة الأعداء ويرى أنهما يشكلان عليه الخطر الأكبر الذى يهدد باقتلاعه ، وربما يكون هذا التصور عائدا إلى إدراك أردوغان لحقيقة وقوة كولن وحركته وتغلغلهما الكبير فى مختلف أركان الدولة التركية ومؤسساتها ، ما دعاه إلى أن يطلق عليها « الكيان الموازي» وصنفه مؤخرا باعتباره منظمة إرهابية تهدد تركيا .


إن كولن ليس مجرد رجل دين أو صوفى ، فنفوذ الرجل الروحى ليس من السهل معرفة حدوده ، كما أنه من المستحيل معرفة أعداد أنصاره فهم بالملايين فى مختلف أنحاء تركيا ، وما يزيد الأمر خطورة وغموضا أنه من المستحيل كذلك معرفة هؤلاء الأنصار أو الأتباع الذين ينتشرون فى كل مؤسسات الدولة ، بفضل ما يعتبره باحثون مختصون تطبيقا بارعا لمبدأ «التقية « الذى يتقنه أنصار الحركة ما يجعل من المستحيل أو الصعب جدا اكتشافهم ، ومن هنا تأتى صعوبة المعركة التى يرى أردوغان أنه يخوضها ضد هذا الكيان الموازى غير المرئى .


وقد أظهرت تقارير أن هناك أكثر من ٦٥٠٠ شركة تقدم دعما مباشرا لجماعة كولن. وأن الشركات التى تدعم الجماعة يقدر رأس مالها بحوالى ١٥٠ مليار دولار.


وسبق وأن أوردت صحيفة «صباح» التركية أن جماعة كولن لها علاقة مباشرة مع أكثر من ٤٠٠ مؤسسة تعليمية فى تركيا منها ١٤ جامعة خاصة.


وتدير الحركة أكثر من ١٥٠٠ مؤسسة بمختلف مراحل التعليم، إضافة إلى ١٥ جامعة، منتشرة فى أكثر من ١٤٠ دولة فى مختلف أنحاء العالم. وأهم ملامح هذه المؤسسات التعليمية أنها تتفق مع علمانية تركيا، ولا تطبق برامج تحمل مواصفات دينية.


أما فى قطاع الإعلام، فتمتلك الحركة عدة مؤسسات إعلامية منها وكالة جيهان للأنباء، كما تمتلك مجموعة سامانيولو لتى تضم ست قنوات تلفزيونية متنوعة، إضافة إلى ثلاث إذاعات. وتغطى هذه المجموعة ١٥٠ دولة، ولها بث خاص فى الولايات المتحدة وأوربا ودول آسيا الوسطى باللغات التركية والإنجليزية والألمانية والأذرية. كما تمتلك مجموعة زمان الإعلامية التى تصدر جريدتى زمان التركية ونسختها الإنجليزية ودايز زمان .


وفى القطاع الاقتصادي، تمتلك الحركة بنك آسيا الذى يُعد أكبر بنك إسلامى بتركيا، بينما يتجمع رجال الأعمال الذين يدورون فى فلكها فى جمعية «توسكون» والتى يمكن اعتبارها الذراع المالية لها.


ويعرف عن كولن تبحره فى العلوم الإسلامية المختلفة، وبراعته فى الخطابة، إضافة إلى غزارة إنتاجه العلمي، حيث ألف أكثر من ٧٠ كتاباً، ترجمت إلى ٣٩ لغة. وأغلب كتب كولن تدور حول التصوف فى الإسلام ومعنى التدين، والتحديات التى تواجه الإسلام اليوم.


أما جماعة الخدمة أو «حزمة» بالتركية فهى جماعة إسلامية تنسب للحركة الصوفية، شكل كولن نواتها الأولى فى بدايات عام ١٩٧٠ بمدينة أزمير، قبل أن تتوسع لتصبح حركة لها أتباعها داخل تركيا وخارجها. وتعتمد فى مرجعيتها على الفكر والقائد معا، وأهم ما يطبعها أنها اجتماعية وقومية، تركز على مسلمى تركيا وتنزوى عن باقى الهويات الإسلامية، ولديها انفتاح على الغرب خاصة.


وتهتم حركة الخدمة بالدرجة الأولى بالتعليم وإنشاء المدارس بمختلف مستوياتها داخل وخارج تركيا، إضافة لإنشاء مؤسسات اقتصادية وإعلامية وطبية وثقافية وإغاثية، وتعتبر هذا وسيلة لإعداد كوادر يتولون عدة مهمات فى الدولة مستقبلا، حتى تبقى الحكومات دائما تبقى تحت وصايتها. وتركز الجماعة على التعليم الحداثى فى جميع المستويات، ولها مدارس ومعاهد منتشرة فى جميع القارات، كما أن لها أنشطة ثقافية تنتقدها الجماعات الإسلامية الأخرى، كتلك التى تسمى «أولمبياد اللغة التركية»، وهى عبارة عن حفلات تقام فى تركيا سنويا ويتسابق فيها طلاب مدارس الجماعة وطالباتها من مختلف دول العالم بالأغانى والرقصات التركية.


ويرى باحثون أن الجماعة فى الجانب الدينى تقدم تصوراً مختلفاً للدين يقوم على «التقية» لتحقيق أهدافها دون النظر لأحكام الحلال والحرام،وأن أهم ما يميزها عن غيرها، تمييع حالة «التدين» لمواجهة حركة الدين فى المجال السياسى والعام، فهى كحركة صوفية تتبنى فكرة «الإسلام الروحي» وتعتقد أنها تستطيع من خلال التغلغل فى المجال الاجتماعى أن تصل لمرحلة «التمكين» السياسي، وهذا ما حدث تماماً فى تجربتها الحالية.والأمر الثانى هوالتأسيس لمجال دينى وسياسى خارج تركيا لخدمة الحركة مستقبلا إذا ما تجاوزت مرحلة «التمكين» وسيطرت على مفاصل الدولة التركية، وهذا المجال بدأته فى الدول التى يوجد فيها مسلمون من أصول تركية أو غير عربية، ثم وصلت للمغرب العربى وانتهت بالمشرق العربى والثالث هواستخدام مناطق النفوذ الدينى والثقافى بما تمثله من شخصيات دينية وسياسية للاستقواء على المشروع الذى يمثله أردوغان، وتوظيف ذلك فى معركة «الصراع» على السلطة بين «الخدمة» و«حزب العدالة والتنمية» أو بين العثمانيّة التى يدعو إليها أردوغان وتركيا «القوميّة” التى يبشر بها فتح الله كولن.


والأهم هو تخويف العالم العربى من خطر الإسلام السياسي، واستخدام ذلك كمظلة للعبور والتغلغل من جهة، وتطمين الدوائر السياسية العربية بأنها جماعة دعوية ترفع شعار «الإسلام الاجتماعي»، ثم إغراء المجتمعات العربية بالمشتركات والمصالح التى تحملها كبديل للإسلام السياسى الذى أصبح غير مرغوب فيه ومطلوباً فى هذه المرحلة.


جماعة «أعوذ بالله من السياسة»


رغم عدم انخراط كولن وحركته فى الحياة السياسية بشكل مباشر وإصراره على وصف جماعته بأنها فوق السياسة وتركيز اهتمامه بالمدارس وغيرها، فإنه اجتمع بانتظام مع شخصيات سياسية بارزة فى مختلف الحكومات التى حكمت تركيا.ولا يرفض كولن الجمهورية بل يرى لها أصلا قرآنيا، ويعرفها بأنها شكل الإدارة الذى يملك فيه الشعب حق الانتخاب والشورى. واتخذت أفكاره جانبين: الابتعاد عن العمل السياسى المباشر، وعدم انعزاله وترك الساحة فارغة.


وبزغ نجمه فى تركيا بعد انقلاب عام ١٩٨٠ الذى أيده ومدح قياداته العسكرية، بينما وجدت فيه القوى الحاكمة بديلاً للإسلام السياسي، لكن شهر العسل لم يدم فتمت ملاحقته لسنوات عدة بتهمة تهديد النظام العلمانى ومحاولة إقامة نظام إسلامي، إلى أن غادر تركيا عام ١٩٩٩ متذرعاً بالعلاج واستقر فى ولاية بنسلفانيا الأمريكية منذ ذلك الوقت.


ولا يفضل كولن تطبيق الشريعة فى تركيا، لأنه يرى أن القسم الأكبر من قواعد الشريعة تتعلق بالحياة الخاصة للناس بينما القسم الأصغر منها يتعلق بإدارة الدولة وشئونها، وفق تصوره. ويشير الكاتب التركي، إسماعيل ياشا، فى مقال له، بأن جماعة كولن كانت تقول «أعوذ بالله من السياسة»، وأما اليوم فالسياسة تقول «أعوذ بالله من الجماعة».. هكذا يُقال هذه الأيام فى تركيا، فى إشارة إلى تورط الجماعة فى السياسة من رأسها إلى أخمص قدميها. وتستغل الجماعة السياسة وعلاقاتها مع الأحزاب والحكومات لصالح مشروعها، وهو التغلغل فى أجهزة الدولة ومؤسساتها وكذلك للحفاظ على مصالحها.


ومن أبرز الانتقادات التى توجهها إلى حكومة أردوغان فى الآونة الأخيرة عدم نجاحها فى صياغة دستور جديد وكذلك انفتاحها الواسع على العالم العربى و«دخولها مستنقع الشرق الأوسط». مفيدا بأن جماعة كولن تتهم حكومة أردوغان بإثارة المشاكل مع تل أبيب، وترى أن إثارة التوتر فى العلاقات مع إسرائيل فى الوقت الراهن ليس فى صالح تركيا ويبعدها عن المعسكر الغربى ويقربها من إيران وروسيا والشرق الأوسط، كما تتهمها بمحاباة إيران والابتعاد عن الواقعية فى السياسة الخارجية وتبنى أسلوب المغامرة فى سوريا ومصر.


وفى النهاية يبقى السؤال هل سينجح أردوغان فى القضاء نهائيا على حركة الخدمة وعلى نفوذها الكبير داخل مختلف مؤسسات الدولة ؟ وفى الإجابة عن هذا السؤال فإنه وعلى الرغم من عمليات الاعتقالات والإقالة والفصل التى طالت المئات والآلاف ممن يعتقد أنهم موالون لجماعة الخدمة وكولن ، والإجراءات التى اتخذتها السلطات التركية ضد المؤسسات والشركات وحتى المدارس المحسوبة على الجماعة ، فإنه ليس من المتوقع أن يتمكن أردوغان من القضاء المبرم على الجماعة ونفوذها ، خاصة مع ما سبق قوله من صعوبة بل واستحالة كشف الأنصار والموالين بفضل سياسة «التقية» ، لكنه سوف يحقق نجاحات فى هذا المجال تمنحه مزيدا من القوة فى مواجهة عدوه الخفى الذى سوف تترك هذه الإجراءات فيه أثرا كبيرا ، يضعف تماسكه . وأيا كان الأمر فإن الساحة التركية ستكون على موعد مع جولات جديدة فى الصراع الدامى بين الطرفين.