فتح الله جولن رجل الأسرار وعنوان الانقلاب التركى

27/07/2016 - 12:41:58

  كولن وأردوغان.. انقلاب التلميذ رجب على الأستاذ! كولن وأردوغان.. انقلاب التلميذ رجب على الأستاذ!

العميد: خالد عكاشة

أول اتهام مبكر من رجب أردوغان بنفسه ثم أعقبه بعض من الرموز المهمة للحكم الحالى بتركيا الآن، ربما قبل أن يعود للسير فى شوارع مدينة إسطنبول مرة أخرى فى أعقاب الانقلاب الفاشل الذى ضرب تركيا الأسبوع الماضي، هذا التبكير المشار إليه جاء أول مرة بالقاعة التى أعدت على عجل فى مطار إسطنبول كى يلقى فيها أردوغان كلمة متلفزة، من المفترض أن المستهدف منها إنفاذ رسالة إلى العالم بأن الانقلاب قد فشل وأنه كرئيس لتركيا لازال ممسكا بالأوضاع ويملك التحكم فيها،


وللداخل التركى باستكمال حشد أتباعه وأعضاء حزب العدالة والتنمية بالشوارع، خاصة أن فى خلفية هذا الحديث المتلفز على الهواء لم تكن الأوضاع على الأرض قد استقرت بالمرة، لاسيما وأن الطلعات الجوية لمنفذى الانقلاب كانت أصواتها ولازالت تدوى فى سماء إسطنبول وأنقرة العاصمة وقصفها لمواقع رسمية لم يكن قد انتهى بعد، وسط هذا المشهد المرتبك والمرشح ـ لازال فى حينه ـ على كافة الاحتمالات فاجأ رجب أردوغان الجميع ربما خارجيا بأكثر مما هو داخليا، بإعلانه اتهام المدعو "فتح الله جولن" وحركته المعروفه باسم "حركة خدمة" بأنه وأعضاء حركته واتباعه هم من يقفون وراء محاولة الانقلاب العسكري، وهى المحاولة التى لم يكن قد مر عليها سوى ساعات لم تتعد الست ولم تضع أوزارها حتى إطلاق الاتهام وهو الذى تكرر منذ تلك اللحظة وألح عليه ولم يتنازل أو يتردد فيه حتى الآن، بل تطور فى صباح اليوم التالى مباشرة عندما طالب أردوغان الولايات المتحدة الأمريكية بسرعة تسليمه للسلطات التركية، حيث يقيم "فتح الله جولن" فى ولاية بنسلفانيا فى أمريكا وشهد التصعيد بعضا من تصريحات الخارجية وغيرها من اعتبر إيواء "جولن" أو حمايته ومنع تسليمه لتركيا بمثابة إعلان حرب على تركيا!.


ما أثار الجميع خارجيا وداخليا بالطبع بعد تلك اللحظات العصيبة هو ردة الفعل الواسعة المدى التى انتهجها رجب أردوغان وأركان حكمه، قابله حجم كبير من القلق والترقب مع تنامى أعداد المعتقلين والمفصولين والمنكل بهم التى وصلت إلى ما يقارب الـ٥٠ ألف، شمل هذا الرقم عسكريين وأمنيين ومجموعة من القضاة وكبار موظفى المحليات ومنهم محافظون وموظفون بدواوين الوزارت وهيئات الحكم، لكن الذى لم يخفت أو يتبدل هو الاتهام التركى الرسمى بأن هؤلاء وما قد يستجد من أشخاص هم أعوان ومناصرو "فتح الله جولن"، بما أطلق عليه من مصطلح ظهر أيضا سريعا "النظام الموازي" والذى شكل وفق الادعاء التركى الرسمى عامل تمدد وضغطا على كافة مؤسسات الدولة، وهنا قد نكون فى مسألة تناول هذا الأمر على مفترق طرق مثير للغاية فكلا الاحتمالين أكثر تعقيدا من الآخر، ففى حال افتراض كذب الرواية الرسمية التركية عن هوية وانتماء من خطط للانقلاب وهؤلاء المقبوض عليهم وأنه فى مجملها عملية انتقامية، وفرض لسيطرة حزب "العدالة والتنمية" على مفاصل ومقاليد السلطة وإبعاد وإقصاء كل من هو غير عضو بالحزب أو لا يؤمن بالنهج الأردوغاني، فتلك تمثل عملية قفز هائلة فى منطقة الصراعات الداخلية المدمرة التى ربما تكون ردة فعلها أخطر مما يتوقع النظام التركي، ولا يمكن السيطرة عليها أو التنبوء بفصولها القادمة ومن الذى يمكنه الخروج منها سالما، وفى حال الاتجاه إلى الفرضية الثانية والتى تفترض صحة انتماء هؤلاء إلى أتباع "فتح الله جولن" أو "حركة الخدمة" فنحن أمام شروخ داخلية لا تقل خطورة عن سابقتها، فعدد المعتقلين قد يصل إلى ٢٠٠ ألف كما تم الإعلان عنه كمستهدف للقبض عليه والإقصاء كيف يمكن تصور أن هذا العدد من الاتباع قد استطاع التغلغل داخل مؤسسات الدولة المهمة والحساسة، فضلا عن امتلاكه القدرة والطموح للإطاحة بنظام أردوغان وحكم "العدالة والتنمية" وتشكيل نظام بديل لم يفصح عن نفسه سوى فى أحداث الانقلاب الأولى، بالطبع خرجت تصريحات "فتح الله جولن" سريعا تنفى أى صلة له بمحاولة الانقلاب العسكرى ردا على اتهامات أردوغان التى لم تهدأ، بل قد كان جولن أول من طرح فرضية أن يكون أردوغان نفسه هو من وراء عملية الانقلاب الفاشلة لاتخاذها ذريعة للتنكيل بخصومه وإحكام سيطرته على تركيا، وأمام هذا المفترق الذى لم يفصح عن إجاباته بعد فى تلك الأيام المبكرة لحدث كبير ومعقد مثل هذا الانقلاب العسكري، ربما من المهم كشف اللثام وتتبع حياة وأسرار هذا المتهم الرسمى الأول حتى اليوم "فتح الله جولن" وحركته فهما لا يقلان غموضا وتعقيدا من تفصيلات وتداعيات الانقلاب نفسه.


"فتح الله جولن" رجل الأعمال والمليارديرالتركى المقيم فى ولاية بنسلفانيا بالولايات المتحدةالأمريكية ولد فى تركيا عام ١٩٤١حيث يبلغ من العمر الآن ٧٥ عاما، يدير من هذا المكان إمبراطورية مالية عنكبوتية هائلة تمتد من داخل أمريكا لكافة بقاع العالم تقريبا، يعد النموذج الأبرز والأوضح عالميا يمكن تناوله بداية من التزاوج ما بين عناصر إمبراطوريته الهائلة ونهاية بحلمه شغل عرش خليفة المسلمين على النموذج العثمانى، والأخطر هنا هو أن مابين البداية والنهاية هى الالتصاق العميق بالإدارة الأمريكية حتى مع تغير رؤسائها، درس "جولن" بالمدرسة الدينية فى طفولته وصباه وكان يتردد على (التكية الصوفية) أيضا، أى تلقى تربية روحية إلى جانب العلوم الدينية، وبتقدمه فى العمرتنوعت ثقافته وتوسع فى الاطلاع على الثقافة الغربية وأفكارها وفلسفاتها وعلى الفلسفة الشرقية أيضا، عندما بلغ العشرين من عمره عين إماما فى جامع (أوج شرفلي) فى مدينة "أدرنة" بعدهاعمل واعظا متجولا، فطاف فى جميع أنحاء غربى الأناضول، ومنها كان يجوب البلاد طولا وعرضا كواعظ متجول يلقى خطبه ومواعظه على الناس فى الجوامع، كما كان يرتب المحاضرات الدينية والاجتماعية والفلسفية والفكرية واللقاءات الخاصة، يجيب فيهاعن الأسئلة الحائرة التى تجول فى أذهان العامة، مما جعلهم يلتفون حوله ويطلبون إرشاداته، كما حث أتباعه على الاهتمام بمجال التعليم، ونتيجة لذلك قام هؤلاءالذين استفادوا من أفكاره فى تركيا بإنشاءالعديد من المدارس والأقسام الداخلية، وبإصدار الجرائد والمجلات وإنشاءالمطابع وتأليف الكتب، فضلا عن إطلاق محطة إذاعية وقناة تليفزيونية، وبعد نجاح تلك المشروعات على الأراضى التركية ولاقت قدرا كبيرا من الرواج بدأت تخرج لتفتتح لها فروعا خارجية فى مختلف بلدان العالم.


ليس هناك سبب رسمى معلن لمغادرة جولن تركيا إلى الولايات المتحدة، لكن متاعبه مع السلطات التركية بدأت فى يونيو ١٩٩٩م، عندما تحدث فى التليفزيون التركى وقال كلاما أعتبره البعض انتقادا ضمنيا لمؤسسات الدولة التركية، على إثرها بدأ المدعى العام للدولة تحقيقا رسميا فى تصريحات جولن، مما استدعى تدخل رئيس الوزراءالتركى آنذاك "بولند آجاويد"، حيث دعا الدولة إلى معالجة الأمر بهدوء بدلا من فتح الموضوع للنقاش على المحطات التليفزيونية التركية، كما دافع عن جولن وعن مؤسساته التعليمية وقال آجاويد حينها: "مدارسه تنشر الثقافة التركية حول العالم، وتعرف تركيا بالعالم، كما أن مدارسه تخضع لإشراف متواصل من السلطات"، بعد ذلك اعتذر جولن علانية عن تصريحاته إلا أن بعض العلمانيين ظلوا متشككين فى أهدافه، ولاحقا وجهت له اتهامات بمحاولة تحقيق مكاسب سياسية على حساب مؤسسات الدولة بما فى ذلك الجيش، بعد تلك الأزمة بشهور معدودة حدثت أزمة لقطة الفيديوالشهيرة التى بثت على اليوتيوب، وظهرفيها جولن وهو يقول لعدد من أنصاره إنه سيتحرك ببطء من أجل تغيير طبيعة النظام التركى من نظام علمانى إلى نظام إسلامي، كما تحدث عن نشر الثقافة التركية فى أوزبكستان مما أثار موجة غضب فى الجيش التركى وباقى المؤسسات العلمانية فى البلاد، فأصدرت هيئة التعليم العالى فى تركيا قرارا يقضى بعدم الاعتراف بالشهادات العلمية التى تعطيها مدارس جولن، لكن ما أن بدأت المحاكم التركية فى ملاحقته بالقضايا المرفوعة ضده حتى خرج من تركيا إلى الولايات المتحدة تحت ستار رحلة علاج امتدت منذ بداية الألفية تقريبا، وشملت فى أهم أهدافها نقل مركز إدارته لشئون الإمبراطورية المالية الوليدة من تركيا إلى بنسلفانيا فى أمريكا.


بعد سنوات معدودة من الإقامة فى الولايات المتحدة وتحت ستار من الصمت الكثيف، إذ فجأة وبعد أن اعتلى نظام الحكم فى تركيا حزب "العدالة والتنمية" بداية من العام ٢٠٠٢م فى المجلس التشريعى وتعزز فى العام ٢٠٠٧م بمنصب رئاسة الدولة، وخلال تلك الفترة قام الحزب بإجراء التغييرات الجذرية فى شكل وهيئة الدولة التركية، صدر تقرير فى العام ٢٠٠٨م نشرته مجلة (فوربس الأمريكية) تذكر فيه أن أتباع جولن أسسوا مئات المدارس فى أكثر من ١٠٠ دولة حول العالم، إضافة إلى ١٥ جامعة منتشرة فى أكثر من ١٤٠ دولة، أهم ملامح هذه المؤسسات التعليمية أنها تتفق مع علمانية تركيا ولا تطبق برامجا تحمل مواصفات دينية، كما تضمنت إمبراطوريته "بنك آسيا الإسلامي" الذى قدرت أصوله وفقا للتقرير إلى مايعادل ٥,٢مليار دولار فضلا عن شركة تأمين دولية لها فروع فى أكثر من ٣٥ دولة تغطى كل أنحاء العالم تقريبا، كما تضم أيضا مجموعة من أهم وسائل الإعلام فى تركياعلى رأسها مجموعة 'سامانيولو' التى تضم ست قنوات تلفزيونية متنوعة، إضافة إلى ثلاث إذاعات لتغطى هذه المجموعة ١٥٠ دولة، ولها بث خاص بأميركا وأوربا ودول آسيا الوسطى باللغات التركية والإنجليزية والألمانية والأذرية، كما تمتلك مجموعة "زمان" الإعلامية التى تصدر جريدتى زمان التركية ونسختها الإنجليزية "تودايز زمان" ومجلة "أكيتون" الأسبوعية الشهيرة، وشركة إنترنت واتصالات إلكترونية تصنف وسط شركات الصف الأول فى أوربا، ومجموعة من شركات الطباعة والنشر تقدم الخدمات الفكرية المتنوعة وتخدم تلك الإمبراطورية الهائلة، بالطبع أول ما يلفت النظر فى هذه الأنشطة الاقتصادية أنها تركزبقوة على نوع النشاط الأثير لدى تيار الإسلام السياسى وهو المدارس بمختلف مراحلها التعليمية، بالإضافة إلى دور النشر والصحافة والإعلام بشكل رئيسى ليقينها التنظيمى بمدى قدرة هذه الأنشطة على حشد وتشكيل الأتباع وتوفير غطاء امتدادهم حول العالم.


مباشرة عقب تثبيت أقدام هذاالنشاط الاقتصادي الهائل خرج للعلن بعد سنوات من العمل الصامت فى العام ٢٠٠٨م خبر تأسيس ما يسمى بـ"حركة الخدمة"، وتتبنى الحركة مفهوما غير مسيس للدين فهي ترى أن "الإسلام ليس أيديولوجية سياسية أو نظام حكم أو شكلا للدولة"، كما يصر جولن على وصف جماعته أنها 'فوق السياسة' هذه الرؤية لعلاقة الدين بالسياسة صاغتها الحركة مبتعدة عن العمل السياسى الحزبي، مكتفية بالتحالف مع الأحزاب السياسية فى مقابل الدعم والامتيازات وعاملة على التغلغل فى مؤسسات الدولة والتقدم فى المناصب الهامة، وتبرز بوضوح فى أدبيات "حركة الخدمة" فكرة النفوذ والتغلغل فى أجهزة الدولة المختلفة دون رؤية واضحة أو أهداف محددة لمرحلة ما بعد "التمكين" الذى تتحدث عنه، ويرى البعض داخل تركيا أن الحركة تنتهج "تقية سياسية" تجيز لأعضائها إخفاء هويتهم حتى لا يتم استبعادهم من أجهزة الدولة، خاصة الجيش والشرطة، وتسعى الحركة منذ بدايتها للوصول إلى المناصب العليا فى مختلف المؤسسات، وخصوصا الجيش والاستخبارات والشرطة تأهبا لمشروع سياسى مستقبلي، ولا تملك "حركة الخدمة" مشروعا متجاوزا للدولة أو معاديا للسلطات، بل رأت دائما عبر تاريخها ضرورة العمل تحت سقف الحكومة والتنسيق معها، باعتبار أن القيادة السياسية هى "ولى الأمر" كما ترى أن أميركا والغرب عموما قوى عالمية لابد من التعاون معها، ولا تنظر للعالم العربى وإيران بوصفهما المجال الحيوى لتركيا، بل تعتبر أن هذا المجال هو القوقاز وجمهوريات آسيا الوسطى والبلقان، وتجنبت "الخدمة" عبر تاريخها الطويل انتقاد إسرائيل، معتبرة أن ذلك يوطد علاقاتها مع الدول الغربية، لكن هذا الموقف تطور ليتجسد موقفا منتقدا لفكرة سفينة "مافى مرمرة" التى اعترضتها قوات الاحتلال الإسرائيلى فى عرض المياه الدولية وقتلت تسعة مواطنين من الأتراك، فقد هاجمت وسائل إعلام الحركة منظمى الرحلة بقسوة فى حين حملهم جولن المسئولية عن هذه الأزمة لأنهم "لم يأخذوا الإذن من إسرائيل، إذ التحرك من دون إذن السلطة تمرد"!


فى العام ٢٠٠٩م اختارت المجلة الأمريكية الأشهر "فورين بوليسي" المفكر ورجل الإصلاح والتجديد فى تركيا الأستاذ "فتح الله جولن" ضمن قائمة المائة شخصية عامة فى القمة الأكثر تأثيرا فى العالم، وكانت جامعة الدول العربية قد احتضنت فى قاعتها الكبرى فى شهرأكتوبر ٢٠٠٩م مؤتمرا دوليا حول موضوع" مستقبل الإصلاح فى العالم الإسلامى ـ خبرات مقارنة مع حركة فتح الله جولن التركية"، وبعد ذلك بفترة قليلة عقدت فى العاصمة الأردنية "عمان" ندوة دوليةحول "الفكر الإصلاحى لدى فتح الله جولن"، وقد ذكر فى المؤتمر والندوة أن حركة جولن أحدثت فى المجتمع التركى حركة إيمانية ذات امتدادات اجتماعية وتعليمية وثقافية وإعلامية، تولدت عنها مؤسسات اقتصادية وإنمائية تخدم الأهداف الإيمانية الإصلاحية التجديدية على نحو لا مثيل له فى الدول العربية، بل فى العالم الإسلامى أجمع على وجه الإطلاق، والحركة الإيمانية الممتدة التى قام بها فتح الله جولن تمثل تجربة فى التجديد وإعادة البناء والإصلاح العميق، وذلك نظرا إلى أن آثار الحركة الإيمانية التى تدور فى فلك فتح الله جولن تمتد إلى أنحاءعديدة من العالم، كان كل ما سبق يمثل التمهيد النيرانى لمدفعية "التجربةالتركية" التى كانت تستهدف العالم العربى فيما تلتها من أعوام، وكان الإلحاح على ترويج "النموذج التركي" يدور طوال الوقت داخل البلدان العربية وفى أروقة صناعة القرار الأمريكى كحل سحرى لاحتقان البلدان العربية التى شاخت وتطمح للتغيير، لكن ما حرصت تركيا على إخفائه طوال الوقت وبمساعدة أمريكية واضحة أن من ساعد فتح الله جولن على تأمن إقامته الشرعية فى الولايات المتحدة الأمريكية هم رجال المخابرات الأمريكية، فضلا عن قيادة بالخارجية الأمريكية تولى منصب سفير أمريكا فى تركيا سابقا، وكان هذا أمام قاض أمريكى منحه الجرين كارد فى عام ٢٠٠٨م، وأن هناك من الإدارة الأمريكية للرئيس باراك أوباما من تدخل وروعى تحويل نشاط جولن من مستثمر تركى عادى كمثيله من المستثمرين الأجانب، إلى منهجية تحويله إلى إمبراطورية كاملة رصيدها يقدر بالمليارات دولار سنويا، فضلا عن التأثير الفكرى والمعنوي، حيث بدأت أيضا تلك الإمبراطورية تقوم إلى جانب أعمال الإغاثة الإنسانية للمنكوبين وضحايا الحروب تغطى خدمات مؤسساتها القارات جميعا، فأنصار "حركة الخدمة" يرون أنها تمثل الوجه الحقيقى والحداثى للإسلام، وإن أساسها هو الإسلام المتسامح والإيثار والتربية والعمل بجد واجتهاد لوصول هذه المعانى للعالم كافة، رغم أن "حركة الخدمة" لم تصرح يوما بأى هيكل إدارى يحكمها ولا تسمى أى تسلسل هرمى لمسئوليها، لكنها تقول إنها ملتزمة بالإصلاح الديمقراطى والحوار بين الأديان.


فى النهاية بالرغم كون فتح الله جولن عد أكبر داعمى رجب أردوغان فى السابق وأن الأخير مدين له بالصعود الصاروخى لحزب "العدالة والتنمية" حتى على أنقاض أحزاب إسلامية سبقته على الساحة التركية، إلا أن استشعار أردوغان بالخطر من نفوذ جولن الداخلى والتمدد الكبير لحركة الخدمة فيما أسماه هو "الكيان الموازي"، ليجيئ عام ٢٠١٣م كالقشة التى قصمت ظهر هذا التحالف عندما فجر أحد القضاة المنتمين للحركة "قضية فساد كبرى" طالت أركان حكم أردوغان، بل امتد الاتهام ليشمله هو شخصيا ونجله "بلال رجب أردوغان" فيما بذل الحزب جهدا كبيرا لمحاصرة هذه الأزمة الكبيرة وتلك الفضيحة المزلزلة حينها، لكنها كانت بمثابة الطلاق البائن بينهما وإعلان العداء السافر، خاصة أنها اعتبرت من جانب أردوغان محاولة من جولن لهدم تجربته بانقلاب سياسى داخلى على خلفية تورطه فى الفساد، لذلك ربما لم يكن مفاجئا أن يكون الاتهام التركى اليوم جاهزا بهذه الصورة السريعة التى أصابت الجميع بصدمة ردود الفعل الأردوغانية، والتى تنذر بأزمة أكبر فى حال أصر أردوغان على مطالبته الولايات المتحدة بتسليمه رجلها الذى صنعته على يديها وفتحت له أبوابها وأبواب أخرى لم يكن ليحلم بها يوما.