هل يأمن أردوغان جيشاً مهاناً؟!

27/07/2016 - 12:39:33

بقلم - لواء د. نصر سالم

جيش بلا كرامة، جسد بلا حياة، والجيوش كالجمال، إن أهينت غضبت، وإن غضبت خزنت، أى كتمت غضبها ولو بعد حين، لا تنساه حتى تفرغه وإذا فشلت فى إخراج غضبها، ماتت كمداً من شدة الغيظ.. والموت هنا هو موت معنوى أى فقدان الروح القتالية.. والروح القتالية هى التى تحرك الجندى وتجعله يقدم حياته راضياً، فداءً لوطنه ولمواطنيه.. وهذا الإحساس لا يولد مع الجندى، ولكنه يربى عليه، والتربية فعل وممارسة، وليست كلمات وخطب حماسية..


لذا نجد فى كل دول العالم.. حرصاً وإصراراً على أن يشعر كل جندى وأقصد بالجندى المعنى الأوسع للجندية “ضابط، وضابط صف، جندى”.. باعتزاز وطنه به. وإيثاره فى كل مناحى الحياة.. مادياً ومعنوياً.. ليس كثمن مقدم لتضحيته.. ولكن لكى يشعر بتقدير شعبه وأهله له على إقدامه على حمل هذه الأمانة وهى الدفاع عن الوطن بدءاً من ترابه الوطنى.. الذى يعتبره أغلى من حياته.. إلى حماية مقدرات ومكاسب شعبه والمحافظة على أمنه وأمانه، وإحساسه بالفخر، أنه ينتمى إلى هذا الوطن الذى يحمى كرامة مواطنيه ويدافع عنها مهما كانت التضحيات.


ولتوضيح هذا المعنى.. يلزم الإجابة عن بعض الأسئلة:


** مما يتكون الجيش؟


- يتكون الجيش من ثلاثة عناصر رئيسية:


١ - قيادة


٢ - سلاح “معدات”


- ٣ فرد “جندى”


** وماذا تمثل هذه العناصر؟


- ١ القيادة تمثل الرأس


٢ - الفرد يمثل الجسد


٣- السلاح هو الأداة التى يستخدمها الجيس بفكر وإرادة الرأس.


** ما متطلبات القيادة؟ “المواصفات والشروط الواجب توافرها فى القائد”


- ثلاثة مطالب رئيسة:


١ - العلم “الحصول على جميع العلوم التى تؤهله للقيام بمهام وظيفته.


٢ - صفات شخصية “صدق - أمانة - شجاعة - ذكاء.. إلخ”.


٣ - الخبرة العلمية:


أ- خبرة القتال “فى المقام الأول” وما حققه من نتائج إيجابية


ب- خبرة التدريبات العملية والاشتراك فى مناورات ومشاريع مشتركة.. إلخ.


** ما متطلبات الفرد؟


- يتكون الفرد المقاتل من ثلاثة عناصر، تكون مثلثاً متساوى الأضلاع، إذا نقص منها ضلع، لم يكن هناك مثلث أى لايوجد مقاتل وهى:


-١ اللياقة البدنية والصحية.. التى تناسب مهمته.. ففرد القوات الخاصة مثل “الصاعقة.. والمظلات.. والاستطلاع” يلزمه لياقه تفوق أقرانه فى التخصصات الأخرى مثل الإشارة والشئون الإدارية.. إلخ.


٢ - اللياقة الذهنية.. والعلم الذى يؤهله لأداء مهمته القتالية.


٣ - اللياقة النفسية والمعنوية.. وهذه هى الأخطر والأهم لأن حساب قدرة وقوة وكفاءة المقاتل تحسب من خلال المعادلة الآتية:


قدرة المقاتل = “الكفاءة البدنية X الكفاءة الذهنية” - الكفاءة النفسية.


بمعنى مضاعفة القدرة القتالية طبقاً لزيادة الكفاءة النفسية والمعنوية وفى المقابل إضاعتها تماما إذا كانت الكفاءة النفسية تساوى صفراً.


وأبسط مثال لذلك هو إقدام شخص ما على الانتحار وقد يكون لديه من الصحة والقوة والمال ما لا يملكه أحد سواه.. ولكن حالته النفسية وصلت إلى الصفر، فأنهى حياته بنفسه أو ترك نفسه بإرادته دون أن يوفر لها الحماية اللازمة.


** ما متطلبات السلاح؟


- ليس هذا مجال الحديث عنه وأعد بشرحه فى مقال آخر إن شاء الله، ولكن لكى يكتمل التصور ألخصه فى ثلاثة بنود هى:


١- المقارنة النوعية.


٢- الملاءمة.


٣- الاستمرارية.


وانتقالا إلى الجيش التركى وما أحدثه وما حدث له بعد محاولة الانقلاب الفاشلة فى ١٥ يوليو ٢٠١٦.


** ماذا فعلت القيادة وماذا فعل بها؟


- هناك قيادات عليا “قائد القوات الجوية وقائد القوات البرية” ومعهماً عدد من القيادات الوسطى، قاموا بتحريك بعض القوات.. بهدف تغيير النظام الحاكم..


وبصرف النظر عن النتائج أياً كانت.. فإن السؤال الأهم والذى يطرح نفسه بقوة هو لماذا هذا التغيير؟


- ومن المنطق أن نعترف أن من قاموا بالانقلاب لديهم أسباب نفسية وأيديولوجية بخلاف الأسباب الأخرى “سياسية - اجتماعية - وعسكرية - إلخ” جعلتهم مستعدين نفسياً لتحمل نتائج هذه المغامرة، فلا يعقل أن يكونوا لم يتوقعوا احتمال أى “سيناريو الفشل”.


وهنا يبرز التساؤل.. هل ما قام به أردوغان فى بداية وصوله لسدة الحكم عندما كان رئيساً للوزراء من الإطاحة بعدد من جنرالات الجيش والزج بهم فى السجن - هل ترك ذلك أثراً فى نفوس الضباط والجنود.


ولم لا، وخاصة بعد موجة التشهير والإهانة التى مارسها أردوغان وأعوانه ضد هؤلاء القادة السابقين.


إنه لم يع أن هناك فرقاً بين أى مدير فى أى مصلحة أو هيئة أو وزارة وبين قائد فى مجتمع عسكرى.. إن القائد العسكرى بالنسبة لجنوده ومرؤوسيه هو أب أو أخ أكبر ومعلم وقدوة ومثل.. تربى بينهم وتولدت لديهم علاقة أقوى من الحياة.. هى أن كل فرد على استعداد كامل أن يفدى زميله وقائده بحياته وكل منهم يعرف أن أحدهم حتما سوف يفعل ذلك يوما ما أو يحمله وهو “ميت” ويدفنه بيده بعد أن يفارق الحياة وهو جواره أو بين يديه.


- إن محسابة القائد إن أخطأ قد يثير الحزن عليه من مرءوسيه ورفاقه.


ولكن إهانته إهانة لهم جميعاً.. لابد وأن تثير غضبهم حنقهم.


وربما كان ما حدث فى إيران بعد ثورة الخمينى فى بداية ثمانينيات القرن الماضى عندما قام بعزل كل قادة الجيش بحجة ولائهم للنظام السابق “الشاه” فجعل جيشه، كالجسد بلا رأس، وكانت النتيجة هى اجتياح الجيش العراقى “جيش صدام” لنصف مساحة إيران فى أيام معدودة، ولولا إدراك الخمينى وصحبه.. لخطئهم القاتل بقطع رأس جيشهم وتداركهم لهذا الخطأ بإعادة القادة الذين تم عزلهم، ما خرج صدام من إيران.


وعودة إلى الجيش التركى وما فعله به أردوغان.. إن البداية لم تكن يوم ١٥ يوليو ٢٠١٦، ولكنها بدأت منذ أهان أردوغان جيشه فى صورة جنرالاته. أما بعد ١٥ يوليو ٢٠١٦ فهو ما لا يمكن السكوت عنه، أو تجاهله.


إن مشهد قادة الانقلاب من جنرالات وأميرالايات وهم يساقون مثل النعاج.. مشوهة وجوههم من كثرة الضرب والتعذيب.. مقيدين.. مجبرين على طأطأة الرأس وغض الطرف.. ثم مشهد الجنود وهم عرايا، مثل البغايا اللائى يضبطن فى بيوت الدعارة فيجرون مجردات من ملابسهن.


إن هؤلاء الجنود.. هم من قاموا بتسليم أنفسهم إظهاراً لعدم رضاهم أو اشتراكهم فى الانقلاب. وكان بإمكانهم وفى مقدورهم لو استخدموا ما بأيديهم من أسلحة أن يمنعوا قوات الشرطة بكل أسلحتها من الاقتراب منهم ولو تخيلنا ماذا كانت تفعل قذيفة واحدة شديدة الانفجار تطلق من إحدى الدبابات التى خرجت إلى الشوارع - إن مثل هذه القذيفة كافية لقتل عشرات بل مئات من المواطنين أو الشرطة.. وأى بندقية آلية فى يد أى جندى بمقدورها نظريا إطلاق ستمائة طلقة فى الدقيقة وعمليا أكثر من ثلاثمائة..


فكيف يقابل تخليهم عن استخدام أسلحتهم ضد الجموع التى تواجههم وانضمامهم إلى الشعب، بهذا السلوك الإجرامى المهين بدلا من مكافآتهم والعرفان بجميل تصرفهم.


لقد وضع أردوغان لغما تحت كرسيه، سينفجر حتما فيه، فى وقت لاحق.. حتى وإن تأخر بعض الوقت نتيجة هذه الإجراءات القمعية والاحترازية الجهنمية التى اتخذها ويمارسها فى مواجهة جيشه وقضائه وكل معارضيه، لقد قتل أردوغان الروح القتالية فى جيش بلاده وقطع رأسه. فماذا ينتظر من جسد مقطوع الرأس منزوع الروح.