بعد فشل الانقلاب الأخير أردوغان يعيد إحياء «جيش محمد»

27/07/2016 - 12:37:06

تحليل إخبارى يكتبه: السيد عبد الفتاح

فى أواخر شهر مارس الماضى نشر الجيش التركى بيانا على موقعه الإلكترونى سرعان من انتشر وتناقلته وكالات الأنباء والصحف، قال فيه إنه ليس لديه خطط للقيام بانقلاب ضد الرئيس رجب طيب أردوغان، وهدد الجيش فى بيانه باتخاذ إجراءات قانونية ضد أى شخص يشير إلى خلاف ذلك.


وأضاف البيان: إن مثل هذه “الأخبار التى لا أساس لها» تؤثر سلبا على الروح المعنوية فى صفوفه دون تسمية منشورات محددة، وكان هدف مثل هذا البيان النادر، دحض التكهن بشأن احتمال وقوع انقلاب عسكرى فى تركيا أثناء زيارة أردوغان للولايات المتحدة.


أثار هذا البيان الكثير من علامات الاستفهام والدهشة، وطرح الباحثون والخبراء والمتابعون سيناريوهات عدة لتفسيره، إلا أن الأمور سارت بعده طبيعية، بل كان هناك ما يشبه التناغم والاستقرار بين مؤسسة الرئاسة، وعلى قمتها أردوغان، وبين المؤسسة العسكرية، خاصة مع خوض الجيش التركى حربا شنها ضد مقاتلى حزب العمال الكردستانى فى جنوب البلاد.


إلا أن الإجابة عن التساؤلات، التى طرحها البيان المفاجئ الغريب، جاءت فى منتصف شهر يوليو الجارى، عندما نظم قوات فى الجيش التركى، محاولة انقلابية هى الأسرع والأفشل بين الانقلابات، التى شهدتها تركيا طوال العقود الماضية.


وعقب المحاولة الانقلابية الفاشلة، قال أردوغان إن القوات المسلحة سيعاد هيكلتها سريعا وستضخ فيها «دماء جديدة» ليكشف عن مخططاته القديمة الجديدة للسيطرة على الجيش، الذى ظل منذ نشأة الجمهورية التركية على يد مصطفى كمال أتاتورك، هو صاحب الكلمة الفصل فى الدولة التركية، باعتباره الحارس الأمين على تطبيق الدستور وعلى سيادة المبادئ الأتاتوركية العلمانية للدولة التركية.


جيش محمد بديلا عن الجيش الأتاتوركي


منذ بداياته الأولى فى عالم السياسة والحكم، أدرك أردوغان بفعل ما شهده وعايشه من سطوة الجيش التركى، وتنكيله بأستاذه فى الحركة الإسلامية التركية، نجم الدين أربكان، وكيف وأد الجيش عدة محاولات من الإسلاميين للحكم والوصول إليه، أدرك أردوغان ومعه رفاقه من مؤسسى حزب العدالة والتنمية، أن الجيش هو العقبة الأكبر أمام نجاح تجربته فى الحكم ولهذا وضع مخططا طويل الأمد لتقليم أظافر هذه المؤسسة القوية، وقد نجح فى هذه الخطوة بعد وجوده فى الحكم رئيسا للوزراء ثم رئيسا للجمهورية، وذلك تحت ستار الرغبة فى الانضمام للاتحاد الأوربى الذى يتحفظ على قيام المؤسسة العسكرية بدور فى الحياة السياسية.. وتمكن أردوغان عن طريق القضاء من محاكمة جنرالات كبار فى المؤسسة العسكرية بحجة التورط فى التخطيط لانقلاب عسكرى يسعى للانقضاض على التجربة الديمقراطية التى روج لها.


إلا أن الفرصة الذهبية الأكبرـ والتى قد لا تكون صدفة دون تخطيط ـ جاءته فى المحاولة الانقلابية الفاشلة الأخيرة، لينفذ أردوغان المرحلة الأهم والأخطر فى صراعه وحربه ضد المؤسسة العسكرية، وهى مرحلة التطهير، والقضاء على المؤسسة العسكرية الخارجة من رحم «الأتاتوركية العلمانية» وإحلال «جيش محمد» بدلا عنها، فالمعروف أن الجيش التركى كان يطلق عليه «جيش محمد» فى العصر العثمانى.


وفى تنفيذه لهذه المرحلة استفاد أردوغان من أن فشل الانقلاب الأخير عكس وأدى إلى تراجع نفوذ وشعبية الجيش “الجمهوري»، الذى احتكر السلطة الحقيقية منذ ١٩٢٣. ولهذا لم يكن غريبا أن تطال عملية التطهير مئات من الجنرالات علاوة على آلاف الضباط والجنود، وأن تتم عمليات الاعتقال وسط مظاهر سينمائية لإهانة الجنرالات والضباط والجنود للنيل من كرامة المؤسسة العسكرية، وهو ما أدى بالفعل لجرح غائر فى جسد هذه المؤسسة، لايستبعد أن يكون هو السبب والمفجر لانقلاب قادم أكثر خطورة وتخطيطا.


الجيش يفقد دور البطولة فى تركيا


على مدى قرن تقريبًا، كان الجيش الفاعل الرئيس فى الحياة السياسية التركية، وعدّ نفسه مؤسس الجمهورية وحامى قيمها. لذلك كان تدخّله فى السياسة أمرًا مألوفًا. وقد حكم الجيش تركيا فعليًا منذ الانقلاب، الذى وقع ضد السلطان عبد الحميد الثانى عام ١٩٠٨. وأصبح بعد هزيمة السلطنة فى الحرب العالمية الأولى جيش الجمهورية، الذى دافع عن حدود تركيا الحالية وحمى استقلالها، بقيادة أتاتورك، وحكمها مباشرة حتى عام ١٩٤٦. ففى ذلك العام قرّر الرئيس عصمت إينونو إعادة الحياة الدستورية، وإجراء انتخابات تعددية. لكن بعد ذلك، قام الجيش بثلاثة انقلابات فى الأعوام ١٩٦٠ و١٩٧١ و١٩٨٠، بمعدل انقلاب على رأس كلّ عقد.


وقام الجيش أيضًا فى عام ١٩٩٧ بما أصبح يُعرف «بعملية ٢٨ فبراير»، أطاح بموجبها ائتلافًا حكوميًا بقيادة رئيس الوزراء الإسلامى فى ذلك الوقت نجم الدين أربكان، من دون أن يحرّك قوّاته.


وشرع الجيش التركى منذ نشأة الجمهورية بممارسة دور رقابى على باقى مؤسسات الحكم فى تركيا وعلى رأسها السلطة البرلمانية والتشريعية، بداعى حماية لما يُسمى بمبادئ الجمهورية التى أنشأها مصطفى كمال آتاتورك، والتى أصطلح على تسمياتها بالمبادئ «الكمالية» أو «الآتاتوركية»، والتى تحافظ على قيم الجمهورية التركية القومية العلمانية، والتى تعنى فى جزء منها عدم وصول أى حزب إلى السلطة وهو يحمل قيمًا أيديولوجية تخالف ما أسس عليه أتاتورك تركيا الحديثة.. وفى مجمل الانقلابات الأربعة السابقة التى حدثت فى تركيا بمعدل واحد كل ١٠ سنوات منذ الانقلاب الأول عام ١٩٦٠، كان السبب الرئيسى فى كل منهم هو حماية المبادئ “الكمالية”، التى كانت ممثلة فى مؤسسات الدولة التركية وهى بالإضافة إلى الجيش: الاستخبارات التركية والأجهزة الأمنية والقضاء والإعلام الرسمى والمؤسسات الجامعية، فيما كان الجيش والأجهزة الأمنية والقضاء يشكل ما بات يُعرف بـ»الدولة العميقة»، التى كانت تمارس سلطة أعلى على البرلمان وما يأتى به عن طريق العملية الانتخابية.


إلا أن هذا الدور بدأ فى الاضمحلال منذ صعود حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم منذ٢٠٠٢، وذلك عن طريق تغير بعيد الأمد فى صفوف قيادات مؤسسات «الدولة العميقة» وعلى رأسها الجيش والأجهزة الأمنية، وذلك عبر استثمار لأردوغان لإخفاقات هاتين المؤسستين فى مواجهة أو حل ملفات معينة، على رأسها مواجهة حزب العمال الكردستانى الذى نجح فى التصدى للحملات العسكرية التركية منذ ٢٠٠٤ وحتى ٢٠٠٩، وذلك بجانب الدعم الشعبى للعدالة والتنمية والنجاحات، التى ركامها على صعيد الانتخابات والاستفتاءات، وهو ما منح الحزب وقيادته فى إعادة هيكلة مؤسسات «الدولة العميقة» بداية من خلق توازن بينها وتقليم أظافرها بعمليات تطهير بالإحالة للتقاعد أو المحاكمات، ونهاية بضمان ولائها بتعيين موالين لأردوغان على رأس كل مؤسسة، وكذلك توغل موالين للعدالة والتنمية فى الصفوف الثانية والثالثة من المناصب فى هذه المؤسسات.


إلا أنه وحسب خبراء أتراك: «فى الواقع، تضاءلت صلاحيات الجيش التركي، ولكنه ما زال يتمتع بنفوذ، ولم يفقد قوته.. ولا يزال الجيش يحتفظ بقدر من الاستقلالية المؤسساتية. وما زالت الأيديولوجية العلمانية الكمالية التى تأسست عليها الجمهورية التركية، وحظر انفصال الأكراد، تعتبر من أسس منهج المعاهد والأكاديميات العسكرية العليا.. وقد رفض الجيش التركى مطالب حزب آى بى كى بتجنيد خريجى مدارس دينية، على أساس أن مثل هؤلاء الطلاب قد ينشرون الدين بين صفوف القوات المسلحة، ما يقود لسيطرة الحكومة المطلقة على الجيش».


كيف سيطهر أردوغان جيشه؟


يرى خبراء أن أردوغان فى سعيه لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، أو تطهيرها حسب وصفه، لضبط بنيتها وتبعيتها ومنظومة أفكارها، وهو الهدف الذى كان يرغب فيه منذ سنوات، لكن عجز عنه فى ظل الدستور والقوانين المرعية وتاريخية التجربة التركية ووضعية الجيش فيها. سيقوم بعدة إجراءات وقرارات هامة لعل منها تغيير رئيس هيئة الأركان «خلوصى آكار» باعتباره لا يصلح رمزًا للمؤسسة العسكرية فى المرحلة المقبلة، إذ فشل فى كشف أو إحباط التمرد داخل الجيش، واعتقل وأهين من قبل مساعديه، كما دمغ عهده بالمحاولة الانقلابية، بينما تحتاج المؤسسة العسكرية لـ»رمز» يقودها قد يكون مثلًا قائد الجيش الأول، الذى رويت عنه الكثير من التفاصيل الإيجابية فى مقدمتها اتصاله بأردوغان وإعلانه الولاء له واستعداده لحمايته، وقد فعل..


أما الإجراء الثانى فهو إغلاق الكليات الحربية، التى ترفد قطاعات الجيش المختلفة بالضباط ووقف الانتساب للجيش مؤقتًا، باعتبار أن هذه المدارس كانت إحدى وسائل جماعة كولن للنفوذ إلى المؤسسة العسكرية والسيطرة عليها.


والثالث إلغاء قسم الدرك/ الجندرمة، أو تسريح أعضائه وتوزيعهم على الأقسام الأخرى باعتباره أحد أهم طرفين ـ مع القوات الجوية ـ شاركا فى الانقلاب، بعد أن فصلت تبعيته قبل أشهر عن الجيش وأتبع لوزارة الداخلية ضمن حزمة قرارات أصدرها البرلمان.


والرابع هو إلحاق رئاسة أركان الجيش بوزارة الدفاع وإلغاء استقلاليتها عنها، وبالتالى إتمام السيطرة «المدنية» على الجيش.


وبالتالى سيحظى اجتماع «مجلس الشورى العسكرى الأعلى» خلال شهر أغسطس المقبل، بأهمية قصوى على هذا الصعيد، ومن المتوقع أن تشمل قرارته بعض هذه السياقات، كما أن من اللافت أن أردوغان تحدث عن إمكانية تقريب موعده أسبوعًا.


إلا أن الإجراءات التى اتخذها أردوغان ضد من وصفهم بالخونة الانقلابيين من اعتقالات وإهانات ومحاكمات مرتقبة قد تصدر أحكامًا بالإعدام، وغيرها من الإجراءات المتوقعة، لاشك سيكون لها تأثيرات سلبية خطيرة على تماسك المؤسسة العسكرية التركية، بما يضعفها ويقلص قدرتها فى مواجهة التحديات الداخلية والخارجية خاصة فى الملفين الكردى والسورى، ويزيد من قتامة المشهد الحالة النفسية والمعنوية المتردية للجنود والضباط مع الشرخ الذى أحدثه الانقلاب وما أعقبه من ردود فعل أردوغان وحكومته، ما يستلزم فترة ليست قليلة لاستعادة الجيش توازنه واستقراره وتماسكه.


وحتى تحقيق ذلك فإن «الأعداء» حسب تصنيف الجيش التركى لن يتركوا هذه الفرصة الذهبية دون استغلال.. وبالتالى فإن حزب العمال سوف يكثف من عملياته استفادة من الوضع المزرى الذى صار عليه الجيش التركى.


ويطرح باحثون سيناريو «التقزيم» الذى سيتبعه أردوغان ضد المؤسسة العسكرية، ربما على النموذج الإيرانى مثلما ذهب إلى الباحث سعيد عكاشة حيث يرى «أن محاولة الانقلاب الفاشلة جعلت أردوغان يعتقد أن المخاطر الداخلية على حكمه، والتى تمثل طموحات المؤسسة العسكرية التركية لاسترداد نفوذها السياسي، لها الأولوية على المخاطر الخارجية، التى تهدد الأمن التركى، والتى يمكن التعامل معها عبر مظلة حلف الناتو، الذى يتمتع بعضويته».


وأن «من هنا، سيكون إغراء النموذج الإيرانى بالنسبة لأردوغان كبيرًا للاقتداء به فى مواجهة المؤسسة العسكرية التركية بعد فشل الانقلاب، فمن المعروف أن قادة الثورة الإيرانية قد شرعوا بعد وقت قصير من انتصارهم على حكم الشاه عام ١٩٧٩فى تأمين حكم «الملالي» عبر تحطيم المؤسسة العسكرية، التى كانت الضامن الأكبر لاستقرار حكم الشاه، وكذلك المعارضة العلمانية، ولم توقف الحرب الإيرانية- العراقية خطط الملالى للسيطرة الكاملة على الجيش وتقزيم دوره، برغم ما كانت تُشكله هذه السياسة من مخاطر على قدرة إيران على مواجهة الحرب مع العراق».