بعد الانتقام.. تزايد أعداء أردوغان فى الداخل والخارج

27/07/2016 - 12:34:57

تقرير : عزة صبحى

إصرار الرئيس أردوغان على الاستمرار فى سياسة الانتقام والتنكيل بخصومه ستزيد من حدة الاستقطاب فى المجتمع التركى ، كما أنها تهدد بذوبان التأييد الشعبى من أنصاره ومن معارضيه له ضد الانقلاب العسكرى . سياسة الانتقام التى يتبعها أردوغان تزيد من مشاكله وخلافاته مع حلفائه الغربيين والذين أصبحت مصالحهم متضاربة فى الفترة الماضية مما ينبئ بتغييرات قادمة لا محالة فى السياسة الخارجية التركية .


أكد نائب رئيس الوزراء التركى أن كل عمليات الاعتقال والفصل التعسفى والاستبعاد من الوظائف العامة لم تطل حتى الآن سوى قمة جبل الجليد فى «جماعة خدمة» التابعة لفتح الله جولن الذى تتهمه تركيا بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة. تدل هذه التصريحات على أن هناك موجات كثيرة قادمة للاعتقال والفصل لمزيد ممن يعتقد أردوغان أنهم خطر على بقائه فى السلطة وأن الباب مفتوح على مصراعيه لإبقاء تهمة الاشتراك فى الانقلاب على كل معارض يريد الرئيس التركى التخلص منه . بلغ عدد المفصولين والمعتقلين حتى الآن خمسين ألفاً بينهم ثلث قيادات الجيش ومدرسون وقضاة ورجال الادعاء وأكاديميون ورجال شرطة . هذا غير منع ثلاثة ملايين موظف عام من السفر إلى الخارج حتى إشعار آخر لحين فحص درجة انتمائهم لنظام أردوغان .


أردوغان من جانبه بدأ فى ممارسة الصلاحيات التى يمنحها له قانون الطوارئ ومنها إصدار قوانين بعيدا عن البرلمان حيث أصدر أردوغان بالفعل عدة مراسيم منها الخاص بإغلاق ١٠٤٣ مدرسة خاصة و١٢٢٩ جمعية ومؤسسة خيرية و١٩ نقابة و١٥ جامعة و٣٥ مؤسسة للاشتباه فى علاقتهم بجماعة فتح الله جولن. كما أصدر أردوغان مرسوماً آخر بمد فترة الاعتقال دون تهمة من أربعة أيام إلى ثلاثين يوماً . فى الطريق قرارات أخرى أكثر قسوة كما يعتقد المراقبون وذلك بعد عقد اجتماع مجلس الأمن القومى الذى لم تنشر قراراته كما هو معتاد تسريبها وإن كان ما تسرب منها أكد منح أردوغان كل الصلاحيات لاتخاذ مايراه لتثبيت أركان حكمه خاصة مع حالة القلق والشك التى يعانى منها منذ الانقلاب الفاشل وكان أهم ما تم فى هذا الشأن إلغاء الحرس الرئاسى الذى يبلغ قوامه ٢٥٠٠ فرد خوفاً من عدم ولائه لأردوغان أو وجود أفراد داخله من أنصار جماعة فتح الله جولن . ومن المقرر استبدال الحرس الرئاسى بحرس خاص تابع لما أصبح يعرف بميليشيات حزب العدالة والتنمية الحاكم وذلك بعد أن يتم تعيينهم فى مناصب رسمية فى أجهزة الدولة الأمنية وغيرها . من المعروف أن هذه الميليشيات قامت بدور عام فى إحباط محاولة الانقلاب ، وأن أردوغان كان يعد هؤلاء منذ فترة طويلة تحسبا لمثل ما حدث. تجرى الآن على قدم وساق عمليات تطهير وإعادة هيكلة لأجهزة المخابرات والجيش ، حيث يوجه الكثيرون داخل النظام التركى اللوم والتوبيخ لرئيس المخابرات التركية هاكان فيدان الذى تعامل بشكل سيئ مع معلومات التخطيط للانقلاب العسكرى وإن كان البعض الآخر يؤكد أن احتفاظ أردوغان برئيس المخابرات حتى الآن يؤكد شبهة مسرحية الانقلاب أو على الأقل العلم به وتركه يحدث لاستغلاله لصالح أردوغان عمليات تطهير جهاز المخابرات ستسهل مثل غيرها التخلص ممن يعتقد عدم ولائهم التام للنظام .


أما عمليات تطهير الجيش فتلك كانت معدة من قبل ، كما أكد الكثير من المراقبين وكانت تنتظر الوقت المناسب ومن المتوقع إعلان تفاصيل هذه العملية خلال الأسابيع القادمة مع عقد الاجتماع السنوى لأردوغان مع قادة الجيش .


استمرار أردوغان فى سياسة الانتقام والتطهير لكل مفاصل الدولة ستزيد من الاستقطاب داخل تركيا وتزيد من أعدائه خاصة فى صفوف المعارضة التى وقفت بجانبه ضد الانقلاب رغم ما تعرضت له طوال الأشهر الماضية من تهميش وتنكيل ،المعارضة ستطالبه بالتأكيد بتغيير واضح فى سياسة أردوغان تجاهها كما أنها لن تمنحه بسهولة الموافقة على تغيير الدستور لتحويل تركيا الى نظام رئاسي. وكان حزب الشعب الجمهورى أكبر أحزاب المعارضة فى تركيا قد أكد بعد الانقلاب أنه مازال يعتقد أن النظام البرلمانى هو الأنسب للبلاد .


ومثلما الأيام القليلة القادمة ستكون حاسمة فى بيان سياسة أردوغان فى الداخل فإنها كذلك فيما يتعلق بسياسة تركيا الخارجية بعد الانقلاب الفاشل. ولعل الاجتماع المهم الذى من المتوقع أن يعقد بين الرئيس بوتين وأردوغان فى بداية الشهر القادم سيكون هو النقطة الفاصلة فى الاتجاه الذى ستسلكه تركيا خارجياً . الإشارات والتلميحات التى جاءت من أنقرة وموسكو تشير إلى أن هناك حدثا مهما قد يعلن خلال هذا اللقاء . وكان وزير الخارجية التركى قد أكد أنه آن الأوان لكى تحسن أنقرة علاقاتها بكل جيرانها فى إشارة واضحة إلى سوريا والعراق وإيران. كما أكد أحد قادة الجيش الروسى أن على تركيا أن تنسحب من حلف شمال الأطلنطى ولاتنتظر أن تطرد من هناك .


وكانت تركيا منذ عدة شهور خاصة بعد استقالة أحمد داوود أوغلو رئيس الوزراء ومهندس سياسة «صفر مشاكل خارجيا» والتى ثبت فشلها قد بدأت فى إجراء تغييرات فى سياستها الخارجية. كان أول مظاهرها التطبيع مع إسرائيل وإعادة العلاقات مع تل أبيب على مستوى أكبر بكثير مما كان فى السابق .


تزامن مع ذلك الاعتذار لروسيا وإعادة العلاقات معها بعد القطيعة التى كانت بينهما بعد إسقاط الطائرة الحربية الروسية على يد القوات التركية فوق سوريا . هذا التزامن جاء فى محاولة من تركيا لخلق نوع من التوازن خارجياً تجنباً للصدام مع الولايات المتحدة بمعنى أن التطبيع مع إسرائيل الذى كانت تلح عليه واشنطن جاء لتوفير ظهير لها أمام غضب واشنطن من إعادة العلاقات مع موسكو . لكن سيكون من الصعب على تركيا الاستمرار فى سياسة التوازن خارجياً فى الفترة القادمة فى علاقاتها الخارجية خاصة مع الاتحاد الأوربى والولايات المتحدة فالعلاقات بين أنقرة وحلفائها الغربيين لم تكن على ما يرام خلال العام الماضى على الأقل . كانت هناك اتهامات مستمرة من الغرب على عدة مستويات . على مستوى ممارسة داعش أعلنت عدة دول من بينها فرنسا أن تركيا لاتقوم بدورها المفروض والمتوقع فى محاربة داعش بل تساعد من وراء الستار وتسمح بمرور أفراد داعش عبر أراضيها ذهاباً وإياباً ولا تقدم المعلومات الاستخباراتية فى هذا الشأن إلى حلفائها .


كما اتهمت دول أوربية أخرى تركيا باستغلال الحرب على داعش لتحقيق مصالح خاصة بها منها محاربة الأكراد وتكوين مناطق آمنة على حدودها لاستغلالها فيما بعد فى التمدد فى الأراضى السورية.


وعلى صعيد أزمة المهاجرين غير الشرعيين أكد الاتحاد الأوربى فى أكثر من مرة أن موجات الهجرة التى سادت أوربا العام الماضى وأوائل هذا العام كانت بتدبير من تركيا لابتزاز الاتحاد الأوروبى وتحقيق مطالبها ، حيث حصلت تركيا على أكثر من عشرة مليارات يورو لإيواء المهاجرين فى أراضيها كما مارست ضغوطاً كبيرة على بروكسل لتمرير قرار دخول الأتراك دون تأشيرة إلى دول الاتحاد الأوربى مهددة فى حالة عدم الموافقة على هذا القرار بصورة موجات الهجرة غير الشرعية المنطلقة من أراضيها .


كانت هناك أيضا اتهامات مستمرة من الدول الغربية للنظام التركى لأردوغان شخصياً فى مجال انتهاك حقوق الإنسان بسبب التنكيل بالمعارضين وإغلاق الصحف ومحطات التليفزيون وإغلاق وسائل التواصل الاجتماعى فضلا عن قمع المظاهرات بالقوة. أضيف إلى ذلك اتهامات جديدة بعد الانقلاب العسكرى الفاشل حيث أعلن كل قادة الدولة الغربية دون استثناء رفضهم لسياسة التطهير التى يقوم بها أرودغان لأعدائه وعمليات القبض العشوائى كما حذر الجميع من أنه حال عودة عقوبة الإعدام إلى تركيا كما يطالب أردوغان فإن تركيا لن تدخل الاتحاد الأوربى أبدا .


على الجانب التركى لم يخف المسئولون هناك طوال الأشهر الماضية خلافاتهم مع حلفائهم الغربيين. حيث هدد أرودغان أوروبا علانية بموجات من الهجرة فى حال لم تنفذ طلباته. كما رفضت أنقرة كل الاتهامات المتعلقة بحقوق الإنسان وأكدت أن أوروبا تتخذها ذريعة لعدم ضمها إلى الاتحاد الأوروبى . كما رفضت تركيا كل الاتهامات الموجهة لها بخصوص داعش وألقت باللوم على الدول الأوربية التى لا تحسن استخدام المعلومات المقدمة لها. وكانت أكثر النقاط التى شكلت غضب تركيا من حلفائها الغربيين هو رفضها اعتبار حزب الاتحاد الكردى حزباً إرهابياً بل على العكس أثنت واشنطن وبروكسل على دوره فى محاربة تنظيــم داعــــش وأصروا على تقديم الدعـــــم اللوجيســــتى والمـــادى له للاستمــــــــرار فى دوره ، وهو ما اعتبرته تركيا عداء صريحاً لأنقرة حيث تعتبر أنقرة هذا الحزب إرهابياً وتحاربه داخلها وفى الخارج أيضا .


كما نظرت تركيا بعين الشك أيضا إلى حلفائها لرفضهم إقامة منطقة عازلة على حدودها مع سوريا لمنع إقامة كيان كردى فيها معاد لها، رغم أن هذا كان من شروط تركيا فى بداية الحرب على داعش، هذا فضلا عن الغضب التركى الشديد من واشنطن التى سارعت إلى تفاهمات مع روسيا حول سوريا دون أدنى اعتبار لمصالح تركيا الإقليمية، هذا بالطبع غير رفض واشنطن حتى الآن تسليم فتح الله جولن زعيم جماعة «خدمة» الذى تتهمه أنقرة بالوقوف وراء الانقلاب العسكرى الفاشل والذى يعد الآن أبرز مظاهر الخلاف بين أنقرة وواشنطن .


التغييرات فى السياسة الخارجية التركية الإقليمية ستتضح أكثر خلال الشهور القليلة القادمة. أما الخلافات التركية الغربية فهى مرشحة للاستمرار علناً وسرا لفترة طويلة قادمة. وجود تركيا عضواً فى حلف شمال الأطلنطى يفرض عليها أدواراً محددة وخروجها منه أو تجميد عضويتها فيه ستكون له آثار خطيرة عليها خاصة وهى تمر بظروف عصيبة الآن . أما حلف شمال الأطلنطى فحتى لو كانت قاعدة انجليرك العسكرية فى تركيا التى تعد الوحيدة فى آخر نقاط تماس الحلف مع روسيا، فإنه يلزمه سنوات لكى يجد المقر البديل . حال إغلاق القاعدة على الأراضى التركية .