مستقبل الإخوان فى مشروع أردوغان

27/07/2016 - 12:32:57

بقلم : أحمد بان

تحتل تركيا فى وعى الإخوان المسلمين المصريين مكانا متقدما، له علاقة بقضية الخلافة التى أنعش أردوغان وأحيا أحلامهم بها، وهى التى تعد أحد ثوابت مشروعهم الأممى، يقول حسن البنا فى رسالة المؤتمر الخامس أحد الرسائل التى أفصحت عن حقيقة مشروعه السياسى «يعتقد الإخوان أن الخلافة رمز الوحدة الإسلامية، ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام، كما أنها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير فى أمرها، والاهتمام بشأنها والخليفة مناط كثير من الأحكام فى دين الله، حتى أن صحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قدموا النظر فى شأنها فى سقيفة بنى ساعدة، على النظر فى تجهيز النبى، صلى الله عليه وسلم ودفنه، ولذلك فإن الإخوان يجعلون فكرة الخلافة والعمل على إعادتها فى رأس منهاجهم» تأمل استدلال البنا على فرضية الخلافة وتقدمها فى وعى الإخوان، لتدرك كيف يتقدم فعل الصحابة المختلف عليه تاريخيا وعلى دوافعه على النص قرآنا كان أم سنة،


أمر بهذه الأهمية هل كان يترك دون نص يحدد شروطه وتفاصيله، سواء كان قرانا أم سنة لو كان من ثوابت الدين كما تزعم الجماعة مع داعش التى تشاركها هذا التصور، فى اعتبار الخلافة من ثوابت الدين وأصوله، وهو اتفاق فريد بين الإخوان وداعش والشيعة، الذين يعتبرون الحكم والإمامة من أصول الدين على خلاف كل أهل السنة، دعونا نقرأ ذلك مع استحضار ما آلت إليه تجربة الخلافة والتى تحولت الى حكم وراثى سوق باسم الدين وهو منه براء.


ظل الإخوان مخلصين لفكرة الخلافة، ومن ثم أسسوا ضمن تنظيمهم قسم الاتصال بالعالم الإسلامى فى منتصف الثلاثينات، والذى تحول فيما بعد إلى تنظيم دولى أشهرت لائحته فى العام ١٩٨٢ فى إسطنبول، فلماذا اختار الإخوان عاصمة تركيا لهذا الأمر، ولماذا شاركوا فى احتفالات إقيمت فى إسطنبول فى العام ١٩٩٨، بحضور مصطفى مشهور الذى كان قد أعلن لائحة التنظيم الدولى من تركيا قبل ذلك بستة عشر عاما، كانت كافية لتوطيد أركان خطة الجماعة مع ممثلها فى تركيا وقتها أربكان، كما ظهرت قيادات الإخوان مرة ثالثة فى احتفالات أقيمت فى العام ٢٠٠٦ فى أسطنبول بمناسبة مرور٥٥٣ عاما على فتح القسطنطينية، ومثل الإخوان فى الاحتفال الذى نظمه حزب السعادة حسن هويدى مراقب الإخوان فى سوريا نائبا عن المرشد العام، كما حضر الاحتفال وقتها من رموز الإخوان عبدالمنعم أبو الفتوح والكتاتنى.


أعتقد أن تركيا تحتل فى مشروع الإخوان مكانا مركزيا، ولم يكن انتقال العديد من قيادات التنظيم اليها بعد ٣٠ يونيو مجرد منفى اختيارى، بل كان انتقالا إلى قاعدة المشروع الجديدة بعد فشل المشروع فى مصر، ولم يكن تدشين عدد من محطات التلفزة الإخوانية مجرد محاولة فقط لتثوير الشارع المصرى واستعادة مسارات فوضى جديدة تعيد الجماعة للحكم تركيا، حيث تدرك تركيا جيدا أن ذلك غير ممكن، لكن الهدف كان إظهار تركيا أمام قواعد الجماعة باعتبارها حامية وحاملة مشروع الخلافة، الذى تتوسل فى الوصول إليه بكل الوسائل، فهى التى قوت داعش وفتحت مسارات مرور المقاتلين والسلاح إليه وساعدته فى بيع النفط وعلاج الجرحى وقدمت كافة أشكال الدعم للتنظيم، حيث تعتقد تركيا أن دعم داعش فى مواجهة الدولة العراقية والسورية وإنهاء صيغة الدولة القومية الوطنية هناك، سيحقق أهداف الإخوان النهائية من أكثر من جهة أولها القضاء على أعداء مشروع الإخوان وهم قيادات وجيوش الدولة الوطنية العراقية والسورية، إضافة إلى إضعاف نفوذ إيران فى المنطقة، أيضا إنهاء خطر المجموعات الجهادية المسلحة مثل داعش بإدخالها فى تلك المعركة التى ستتكفل بكل خصوم تركيا، ومن ثم إخلاء الساحة لبناء الخلافة على أنقاض سوريا والعراق وكل دول المنطقة، بعد أن تبقى الدولة التركية هى الدولة الوحيدة المتماسكة فى المنطقة بما يضمن تحويل كل تلك المناطق إلى ولايات تابعة للتاج التركى أو عمامة الخلافة.


هذا المشروع ليس وهما يسكن أحلام السلطان أردوغان، الذى يعتبر نفسه أول سلطان للخلافة للعثمانية الجديدة، وقد عبر القرضاوى عن هذا الحلم بوضوح فى مهرجان أقيم فى تركيا قبل الانقلاب بعنوان شكرا تركيا، خاطبه القرضاوى من خلاله بلقب السلطان كما حرص فى تدوينة على الفيس بوك فى أعقاب فشل الانقلاب على الدعاء له والتأكيد على أن الله معه والعلماء والملائكة بعد ذلك ظهيرا، باعتباره الخليفة المؤيد من السماء ومن تنظيمات الإخوان على امتداد العالم.


لم يوجه أردوغان إصبع الاتهام لفتح الله كولين بالمسئولية عن الانقلاب حليفه الذى دعم وصوله للسلكة عبثا، بل هو يدرك خطورة غريمه جيدا، لأنه يقاتل على نفس الأرضية ويملك تنظيم شعبى يهدد طموحه، حيث يطرح كولين دولة قومية مجالها الحيوى جمهوريات القوقاز والبلقان، بينما يطرح أردوغان دولة أممية مجالها الحيوى العالم العربى والإسلامى وأداتها الرئيسية تنظيم الإخوان، لكن تنظيم فتح الله كولين هو الأخطر، لأنه لا يتمظهر فى هيكل هرمى أو حتى شبكى، لأنه فكرة وحالة لا يمكن محاصرتها أو التضييق عليها، وقد قصد كولين هذه الصيغة لأنه أسس جماعته فى ظل انقلابات عسكرية لم يدخل فى صدام معها، بل ظل حريصا على الدعوة لأفكاره وتوسيع حيز لانتشارها، لتثمر مؤسسات مجتمع مدنى تنشط فى فضاء خدمة الناس من خلال أذرع إعلامية وقضائية ودعوية، كما يعتقد أردوغان أن لها أذرعا عسكرية وهو ما حاول تأكيده بوجود أنصار لكولين فى الجيش والشرطة والاستخبارات والقضاء.


كولين يخوض معركته اعتمادا على سلطان الروح، بينما يعول أردوغان على أدوات السلطة لكنه لازال مدركا لأهمية وقوة سلطان الروح الذى يملكه كولين فى نفوس أتباعه ومحبيه خصوصا فى مجال التعليم، لذا كان أردوغان حريصا فور فشل الانقلاب على إغلاق ١٠٠٠ مدرسة خاصة و١٢٢٩ جمعية ومؤسسة خيرية و١٩ نقابة و١٥ جامعة و٣٥ مؤسسة طبية، بل وتمديد اعتقال عشرات الآلاف من خصومه من ٤ أيام إلى ٣٠ يوما.


كل هذا يبدو مفهوما فى ظل حرص الرجل على التنكيل بخصومه إخلاصا لأحلامه فى السيطرة على المجتمع التركى أكثر، ومن ثم إبداء قدر أكبر من الوضوح فى الكشف عن أحلامه التى لا يعرفها سوى الإخوان، الذين يعتقدون أن أردوغان هو الأكثر إخلاصا لهم والأكثر حنكة فى تمكين مشروعهم، ومن ثم يعتقدون أن مستقبلهم باهر معه، لذا يبدو إخوان مصر متحمسين بشكل بالغ له، إلى حد إعلان أفرادهم أنهم يتمنون لو كانوا أتراكا كما ضجت مواقعهم بتأييده حتى أن قنوات الإخوان وحدت بثها مع القناة التركية الرسمية، فضلا عن قناة الجزيرة التى ظلت تذيع بيانات الدعم والتأييد ومظاهرات إسطنبول وأنقرة المؤيدة لأردوغان، لكن اللافت والذى قد يعطى إشارات أوضح لطبيعة ما ينتظر الإخوان فى تركيا هو ما قاله أردوغان فى خطاب له أمام الأتراك فى أعقاب فشل الانقلاب عندما قال «أتمنى أن أحظى بشعب طيع كالشعوب العربية، ليس هناك مثلهم فى المغفرة والتسامح مع الفساد ونسيان المجازر وفتح الصفحات الجديدة، وأضاف إنهم يقدسوننى ويدافعون عنى باستماتة وكأنى رئيسهم وهم على استعداد لتكفير كل من ينتقدنى، ورغم ترددى بإقامة علاقات مع إسرائيل حرصا على جماهيريتى بينهم إلا أنهم تقبلوا تطبيع علاقاتنا وباركوها واستمروا يتغزلون بى وبقراراتى الحكيمة، وفور انتهاء الخطاب أصدر القصر الرئاسى تهديدا رسميا للجيش التركى باستبدال جنوده وضباطه بآخرين من الجيوش والفصائل العربية المسلحة فى حال اكتشاف نوايا المعارضة» هل ينتظر الشعب التركى مزيدا من المذابح على يد أردوغان تحت ذريعة مقاومة الانقلاب؟ هل يشرح هذا الكلام ما صرح به أردوغان عن إعادة هيكلة الجيش التركى وهل يتضمن ذلك فتح الباب لمتطوعين عرب ومسلمين من جنسيات أخرى ليصبح الجيش التركى جيشا أمميا أو إسلاميا؟ يجمع شتات مجموعات داعش مع مجموعات الإخوان حول العالم ونشهد هجرة إخوانية إلى هناك من كل العالم إلى دار الخلافة التى ستخوض معارك آخر الزمان على طريقة داعش.


ما يبدو أسطوريا وخياليا قد يكون حقيقيا، فتش فى أحلام أردوغان وطموحات الإخوان واحتضانهم للرجل وتبشيرهم به باعتباره قائد المسلمين، عد إلى تصريحات قيادات الإخوان حوله خصوصا القرضاوى منظر الجماعة الأول وحرصه على الوجود الدائم هناك، فتش عن الدعم القطرى ومحاولة الخداع الأمريكى والتطورات التى تجرى فى المنطقة، تدرك أننا قد نكون أمام أحداث مزلزلة قادمة.


يملك أردوغان أوراقا يستطيع أن يناور بها مع أوربا أقلها ورقة اللاجئين السوريين، وهم بالملايين، كما يملك ورقة داعش ويملك تنظيم دولى للإخوان يستطيع أن يستخدمه وقتما يشاء.


قد يعتقد البعض أن الإخوان مجرد ورقة ضغط يستخدمها أو يتنازل عنها فى سياق طموحه الشخصى، وهو ما بدا فى خوف بعض الإخوان على وجودهم فى تركيا بعد اشتعال الانقلاب خوفا من نجاحه على مشروعهم أكثر من وجودهم فى تركيا، البعض كان يخشى أن يضحى أردوغان بالإخوان ليستميل معارضيه فى الداخل، لكن سياق سلوك أردوغان يشى بالعكس ويقول إنه ماض فى مخطط التمكين الذى أقنعته به قيادات الجماعة، مطيحا حتى بأقرب معاونيه كما فعل بجول وأوغلوا محاولا كما يعتقد الإخوان فعل ما لم يقوى مرسى على فعله، ملتزما بتعليمات التنظيم الدولى الذى أقنعه بأن الريح مواتية لنجاح مشروع الخلافة الذى يحتل الإخوان منه موقع القلب، لذا لن يضحى أردوغان بالإخوان، بل سيدعم أدوارا أكبر لهم فى إطار خطته التى قد تصنع نهايته ونهاية الوجود الإخوانى فى تركيا، بعد أن يتقدم الشعب والمعارضة لخلعه حفاظا على صيغة الدولة التركية، حتى لو بقى الجيش على الحياد، إذن مستقبل الوجود الإخوانى فى تركيا مرتبط بأردوغان وجودا وعدما وليس بدور الجيش التركى كما يعتقد الكثيرون.