خروجا عن مبادئ الإسلام هارون الرشيد

27/07/2016 - 12:25:14

بقلم - رجائى عطية

هارون الرشيد ، أشهر الخلفاء العباسيين ، وأوفرهم حظًّا .. لم ينل أحدٌ من خلفاء بنى العباس ما ناله هارون بن محمد المهدى الشهير بالرشيد ، ما نالته شخصيته المطبوعة الثرية من صيت وشهرة لا تزال تشغل الناس حتى اليوم .


يكاد يقترن ببغداد التى أطلق عليها مدينة السلام، أكثر مما اقترن بها جدّه الذى بناها : أبو جعفر المنصور، ولا طويت صفحات ليالى ألف ليلة وليلة التى ترجمت إلى الكثير من اللغات وطبقت شهرتها الآفاق، على اسم خليفة تردد فيها كما تردد اسم الرشيد هارون، ولا جمع أحد من الخلفاء ما جمعه من مكانة وثراء، ولا بلغ أحد منهم ما بلغه صيته فى الغرب مع شارلمان الذى أقام معه أوثق الصلات وتعددت بينهم السفارات.


وفى شخصية هذا الخليفة تجمعت صفات أقرب إلى التناقض منها إلى الاتساق، وتجلت فيه صفات الإنسان بين قوته وضعفه، ولينه وجبروته، وتقاه واستبداده، وعبادته ولهوه.. يصلى كل يوم مائة ركعة، ويحج إلى بيت الله الحرام ماشيًا، ولكنه يأمر بوضع الأحاديث لتمجيد البيت العباسى والتنويه بحقه فى الخلافة، ويهيم بالجمال والغناء وبمجالس الشراب، ويؤوى فى قصوره نحو ألفى جارية غير الحرائر، فيجمع ما لم يجمعه أحد من الزوجات والسرارى، وتفيض ليالى ألف ليلة وليلة بذكره ما بين القليل الصحيح والكثير المنتحل، وهو فى الوقت ذاته صاحب الهمة والعزم، ينهض بنفسه لقيادة الجيوش حين يرى أنه لا يغنيه قائد من قواده، يرق للقصص الإنسانية وأحاديث الزهد فيبكى حتى تخضل لحيته، ويضحك فى الوقت نفسه لطرفة حتى يستلقى على قفاه، يلين ويعطف ويقدم الصلات ما بين الرحمة الأصيلة أو مباهاة الملك، ويغضب ويعصف وينكل أشد ما يكون النكال، يقول لمن عنى به يا أبت، ويقسم لمن أرضعته طفلاً ألاَّ يرد لها شفاعة، وأن يستقبلها بغير إذن حين تشاء، ويكـبر الفضل بن يحيى البرمكى أخـاه فى الرضاع، ويقدمه ويوليـه أعلى المناصب، ويؤاخى أخـاه التـالى جعفر بن يحيى البرمكى إلى درجة العشق، حتى يلازمه فى مجالس أنسه ولا يستغنى عنه، ويعصف بهؤلاء جميعًا فيقتل جعفر بن يحيى البرمكى غدرًا فى مشهد رهيب، ويضع أباه يحيى وأخاه الفضل وباقى آله فى السجن، ولا يرق لأمه التى أرضعته حين ذهبت إليه حافيةً لتتشفع لزوجها وبنيها.. حقق أمجادًا لاشك فيها، وأنجز انتصارات وإصلاحات لا حصر لها، ولو كنت كاتبًا عن هذا لما اتسعت الصفحات، ولكنى فى هذه السلسلة أتتبع خطًّا لا للتشهير أو الإساءة، وإنما للبحث عن جذور العنف وإراقة الدماء الذى تعددت صوره وعانينا منه لمئات السنين، جريًا وراء السلطة وعشقًا لها وصراعًا من أجلها وتسابقًا إليها وتكريسًا لها، حتى امتدت هذه الجذور إلى العصر الحديث الذى ابتلى بجماعات ضالة عشقت الحكم وتمسحت بخلافة لا تملك كفاءتها ولا شرعيتها، ولا تجيد إلاَّ الإرهاب والذبح والتقتيل وقطع الرقاب، والتدمير والخراب والإهلاك !


آفة ولاية العهد


لولا الوراثة المقيتة وتوريث الحكم على غير حق ولا سند، لاتعظ المورثون واتعظ الورثة، وكان الرشيد هارون أولاهم بالاتعاظ، وريثًا أو مورثًا.. فقد جمع أبوه محمد المهدى ولاية العهد له ولأخيه الأسنّ موسى الهادى، متبعًا فى البداية ترتيب السن، ولكنه عنَّ له فى أواخر أيامه، وبإغراء زوجته الخيزران، التى تؤثر ابنها هارون، أن يغير ترتيب ولاية العهد، ولكن موسى الهادى أبى على أبيه محمد المهدى ما أراده على ما مرّ بنا، وخلصه موت أبيه الغامض الذى صاحبته الشبهات، من نقل ولاية العهد إلى أخيه الأصغر، ومع أن هارون هو الذى أبلغ أخاه الأكبر موسى الهادى بوفاة أبيهما، وبادر بعقد البيعة له فى غيابه، إلاَّ أن موسى الهادى لم يتعظ كما لم يتعظ السابقون عليه، فحاول أن يسلب ولاية العهد من أخيه هارون لينقلها إلى ابنه الطفل « جعفر » وهو لما يزل دون العاشرة، وطفق من أجل ذلك يطارد أخاه الرشيد مطاردة غليظة على ما أسلفنا، إلاَّ أن الذى وقاه وذاد عنه وأبطل بشتى السبل ما يريده موسى الهادى ويسعى إليه، إنما كان يحيى بن خالد البرمكى، الذى ألقاه موسى الهادى فى السجن ولم ينقذه إلاَّ الموت المفاجئ الغامض لموسى الهادى، فخرج من السجن ليبذل نفسه وحياته وإخلاصه فى خدمة ربيبه هارون الذى ولى الخلافة سنة ١٧٠/هـ، والذى لم يكن يناديه إلاَّ « بأبى » وفاءً وعرفانًا، له ولزوجته التى أرضعته مع ابنها الفضل بن يحيى !


ولكن السلاطين لا تتعظ بما كان، ولا تبقى على العهد والوفاء، وكان هذا ما وقع فيه الرشيد، ببذل ولاية العهد ثلاثيةً لأبنائه الثلاثة على التوالى : محمد الأمين، ثم عبد الله المأمون، ثم القاسم المؤتمن.


وقد عاجل انعدام الوفاء إلى محنة البرامكة فى حياة الرشيد، وجرَّت ولاية العهد الثلاثية إلى ويلات لم يرها الرشيد، ولكنها جَرت من بعده حتى قتل الأخ أخاه وجَزَّ رقبته وصلب جثته أمام الأشهاد !


ترف السلطة وعالم الحريم


بين الجوارى والحرائر !


أقامت الدولة العباسية ملكها على الميراث ـ ميراث الخلافة، وكذلك فعلت الدولة الأموية من قبلها، ومع أخذ الدولتين بالإرث سببًا لولاية الحكم، إلاَّ أن الخلفاء لم يعتنوا بميراث النبوة والخلفاء الراشدين من الزهد والعدل والتعفف، ومجافاة مظاهر السلطة وأبهة الحكم، وغض هؤلاء الخلفاء البصر عن هذا الميراث العظيم الهائل الذى يملأ مجلدات من النزاهة والأمانة والزهد والعفاف، ولم يروا فى عشقهم للسلطة إلاَّ مظاهر الترف والفخامة والأبهة والتنعم !


وقد روت المصادر أن الرشيد هارون، مع عنايته بالصلاة والإكثار منها، وإقباله على الحج ماشيًا، والتزامه بأعباء الحكم، لم يجد غضاضة فى مجالس اللهو والطرب والشراب، ولا فى اقتناء السرارى إلى جوار الحرائر، فكان فى بلاطه نحو ألفى جارية من الروميات والسنديات والفارسيات غير الحرائر، وأورد الطبرى فى تاريخه، أن الرشيد هارون كان عنده عدد كبير من السرارى ومن النساء المهائر ( والمهيرة هى الزوجة الحـرة غالية المهر )، ونعلم أنه فيما عدا محمد الأمين الذى أعقبه من زبيدة العربية، كان ابنه عبد الله المأمون من جارية فارسية يقال لها « مراجل »، وأخرى يقال لها « ماردة » أولدها ابنه المعتصم.. ومن عجائب ما يروى أنه كان يقسم أيامه بين الواجبات ومجالس اللهو والمتعة، فجعل ليلة للوزراء، وليلة للقواد وأمراء الأجناد، وليلة للعلماء والفقهاء، وليلة للقراء والعبَّاد، وليلة لنسائه وأهله ولذاته، وليلة يخلو فيها بنفسه، ولا نرى إلاَّ أن هذا التقسيم متكلف، وأنه لم يكن يوجد مانع بعد الفراغ من المهام، يحول دون مجالس الشرب والطرب والغناء التى كان يعشقها الرشيد.


وكان الرشيد مع إكباره للفضل بن يحيى بن برمك، أخيه فى الرضاع، وثقته فى إمكانياته وتوليته الخطر من الأمور، إلاَّ أنه كان يضيق بجديته وصرامته وانصرافه عن مشاركته مجالس اللهو والطرب، ويميل إلى أخيه جعفر بن يحيى لأنسه ومسايرته ومشاركته له فى مجالس الأنس والمنادمة، حتى خشى عليه أبوه يحيى من العاقبة. وبلغ من اختلاط الأمور أن شاعت قصة لعلها مرجوحة، وشيوعها فى ذاته علامة، أن من أسباب انقلاب هارون الرشيد على جعفر بن يحيى، ما رواه الطبرى وغيره عن علاقة جعفر بالعباسة أخت الرشيد !


فقد أورد الطبرى عن رواته، وابن الأثير ـ أن الرشيد كان لا يصبر على غياب أخته العباسة بنت محمد المهدى، وجعفر بن يحيى، عن مجالس أنسه وشرابه، وأنه لكثرة حضورهما هذه مجالس، وتحرجه مما يؤدى إليه ذلك من النظر إليها وربما رفع الكلفة، اقترح الرشيد أن يتزوجا شريطة ألاَّ يمسها وألا يختليا ولا يكون بينهما ما بين الزوج وزوجته، ولكنه كان يحضرهما مجلسه إذا جلس للشراب، وقيل إنه قد غلبهما شبابهما، واجتبى منهما جزيته، فحملت العباسة وولدت غلامًا، فاشتط غضب الرشيد لعصيان أمره وقتل الغلام، ووجد على « جعفر » لمخالفته ما شرطه عليه. وقد انقسم المؤرخون بين قابلٍ لهذه الرواية وبين رافض أو مستبعدٍ لها، فاستبعدها ابن خلدون على ابنة خليفة وأخت خليفة، واستبعدها بعض المعاصرين، خلافًا للأستاذ أحمد أمين الذى يرى أن العواطف الإنسانية لا تعرف الشريف والوضيع والغنى والفقير.


وليس يعنينا البت فى هذه الرواية الآن، وحسبنا أن شيوعها دال على اختلاط الأمور فى عالم الحريم فى قصور الخلفاء، ونرى من مسيرة الخيزران أم الرشيد التى كانت توالى البرامكة، وزبيدة زوجته التى كانت تكرههم وتحاربهم، وتدخلهما فى سياسة الدولة، ما ينبئ عن اختلاط الأمور، وعن أن هذا الترف والتوسع فى اقتناء الجوارى والحرائر، قد اجتبى ضريبته من استقامة الأمور فى بلاط الخلفاء، فقد أدى ذلك إلى تفكك أواصر الأسر والبيوت، ووهن علاقات الأخّوة بين ذرية الخليفة من الحرائر، وذريته من الجوارى، وانتقل التنافس بينهم وبين الأمهات، إلى عداوات راقدة أو ظاهرة، وقد كثرت الجوارى وكثر التهتك، وتفككت العلاقات والأواصر، ولعل صراع الأخين الأمين والمأمون، وما انتهى إليه من قتل وصلب وحرق، آية على فساد ما قام بين أولاد الخلفاء من صراع على السلطة صار عداوة، زكاها أن آصرة الأخوة لم تكن على الصفاء والإخلاص بفعل تعدد الحريم وفساد الجو بينهن وفى بلاط الخلفاء !


الفصام بين التدين واللهو


وبين التدين والاجتراء على وضع الحديث!


لم يختلف أحد من المؤرخين القدامى والمحدثين، على أن الرشيد كان صوامًا، مصليًا، مؤديًا للفرائض، محافظًا على التكاليف الشرعية، يصلى فى اليوم الواحد مائة ركعة إلاَّ أن تعرض له علة، وظل محافظًا على ذلك إلى أن فارق الدنيا، ولا يتخلف عن الحج إلاَّ إذا كان قائمًا بغزو، ويؤثر فى قيامه بفريضة الحج أن يذهب ماشيًا من عاصمة ملكه إلى البيت الحرام، وفى معيته الفقهاء والأبناء، ويسمع وعظ الواعظين، وربما سمع من الوعظ ما أبكاه، ولكنه كان على خلاف ذلك مؤثرًا لمجالس اللهو والغناء والشراب، لتجتمع فيه المتناقضات ما بين النسك والعبادة، وما بين اللهو والطرب والشراب !


على أن الأعجب فى هذا الفصام، أنه امتد إلى صورة لا تستقيم مع التدين وتوابعه وتبعاته، ولا تستقيم مع انتمائه إلى البيت الهاشمى والتساند إلى أن العباس رأس الدولة العباسية، هو عم النبى عليه الصلاة والسلام.


ومع ذلك لم يجد الخليفة الهاشمى، هارون الرشيد، بأسًا فى أن يستكتب بعض العلماء لوضع أحاديث تُنْسب على خلاف الحقيقة للنبى عليه الصلاة والسلام، غايتها تمجيد البيت العباسى، من هذه الأحاديث الموضوعة ما رواه الطبرانى عن ابن عمر أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان فى نفرٍ من المهاجرين والأنصار، وعلىّ بن أبى طـالب عن يسـاره والعباس عن يمينـه ( واليمين واليسار هنا مقصودة ! )، فتلاحى العباس ونفر من الأنصار فأغلظ الأنصارى للعباس، فأخذ النبى عليه الصلاة والسلام بيد العباس وبيد علىّ وقال ( فيما زعم الراوى الكذوب ) : « سيخرج من صلب هذا فتى يملأ الأرض جورًا وظلمًا، ويخرج من صلب هذا فتى يملأ الأرض قسطًا وعدلاً، فإذا رأيتم ذلك فعليكم بالفتى التميمى فإنه يقبل من قبل الشرق، وهو صاحب راية المهدى ».


ويعلق الأستاذ أحمد أمين على هذا الحديث الموضوع، فيقول إن واضعه ماكر زائد فى المكر، فإنه جعل رواية ذات وجهين، حتى إذا غلب فريق ادعى أنه هو المقصود، لأنه لم يعيّن المشار إليه فى كل مرة، فأخذه دعاة بنى العباس وأولوه بأنهم هم أصحـاب الرايات.


وأغرب من هذا ما رواه الحاكم عن مجاهد عن ابن عباس، أن مجاهد قال : « قال لى ابن عباس لو لم أسمع أنك من أهل البيت ما حدثتك بهذا الحديث » قال، فقـال مجـاهد : « فإنه فى ستر لا أذكره لمن يكره ». قال، فقال ابن عباس : « منا أهل البيت أربعة، منا السفاح، ومنا المنذر، ومنا المنصور، ومنا المهدى ».


وزعم الزاعم الذى ينسب الرواية إلى مجاهد، أن ابن عباس استطرد فبين هؤلاء الأربعة، فقال عن السفاح إنه ربما قتل أنصاره وعفا عن عدوه، أما المنذر فإنه يعطى المال الكثير ولا يتعاظم فى نفسه، ويمسك القليل من حقه، وأما المنصور فإنه يعطى النصر على عدوه ويرهب منه عدوه على مسيرة شهر، وأما المهدى فإنه الذى يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جورا، وتأمن البهائم السباع وتلقى الأرض أفلاذ كبدها، وأن مجاهد سأله : « وما أفلاذ كبدها ؟ » فقال : « أمثال الأسطوانة من الذهب والفضة ».


ولا يفوت الباحث المدقق أن هذا الحديث موضوع مصنوع، حكى بمكر ومهارة لخدمة البيت العباسى والإشاعة بين الناس أنه قدرٌ على العباد، مؤيدٌ من الله، ولا معنى من ثم لرفضه أو مقاومته !


ولن يفوت الباحث العارف، أن كلاًّ من البخارى ومسلم المتجنى عليهما بغير حق، لم يأخذا بمثل هذه الأحاديث، فى صحيح البخارى المولود صاحبه سنة ١٩٤ هـ بعد سنة من وفاة هارون الرشيد سنة ١٩٣ هـ، وفى صحيح مسلم المـولود صاحبـه سنة ٢٠٦ هـ بعد سنوات من وفاة الرشيد.


والغريب أن هارون الرشيد الذى كلف من قبل العلماء بوضع الأحاديث ونسبتها زورًا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، هو نفسه الذى أظهر الغيرة والغضب الشديدين على من ادعى اعتسافًا أنه يطعن فى حديث للرسول، فقد روى السيوطى فى تاريخ الخلفاء أن « أبا معاوية الضرير » قال إنه ما ذكر النبى ـ عليه الصلاة والسلام ـ بين يدى الرشيد، إلاَّ قـال « صلى الله على سيدى »، وأنه حين روى له حديث « ووددت أنى أقاتل فى سبيل الله فأُقتل، ثم أحيا فأُقتل » ـ بكـى حتى انتحب، وأنه حدثه يومـًا بحـديث « احتج آدم وموسى... » وعنده رجل من وجوه قريش، فتساءل القرشى : فأين لقيه ؟ فغضب الرشيد ونـادى : « النطع والسيف، زنديق يطعن فى حديث النبى صلى الله عليه وآله وسلم ! وأضاف أبو معاوية الضرير أنه ظل يسكّنه، ويقول له : يا أمير المؤمنين كـانت منه نـادرة، حتى سكن».


ومن هذا الفصام، العبث بالفتوى والإفتاء لتقنين الشهوات وتبرير الحرمات.


فقد أخرج السيوطى فى تاريخ الخلفاء، أن السلفى أخرج فى الطيوريات بسنده عن ابن المبارك، أنه لما أفضت الخلافة إلى الرشيد، وقعت فى نفسه جارية من جوارى أبيه محمد المهدى، فراودها عن نفسها، فاعتذرت له بأنها لا تصلح له، لأن أباه قد طاف بها. ولكن الرشيد شغف بها وأرادها، فأرسل إلى أبى يوسف يسأله : أعندك فى هذا شىء ؟ فقال : يا أمير المؤمنين، أو كلما ادعت أمَةٌ شيئًا ينبغى أن تُصدق. لا تصدقها إنها ليست بمأمونة. قال ابن المبارك : فلم أدر ممن أعجب ! من هذا الذى وضع يده فى دماء المسلمين وأموالهم يتحرج عن حرمة أبيه، أو من هذه الأمة التى رغبت بنفسها عن أمير المؤمنين، أو من هذا فقيه الأرض وقاضيها ! يقول : اهتكْ حرمة أبيك، واقض شهوتك، وصيره فى رقبتى !


وها أنت ترى كم جرّت الخلافة وعشق السلطة ونفوذها من ويلات، وكيف تمسح هؤلاء فى الإسلام، وأمعنوا فى البعد عنه ومخالفة مبادئه وأحكامه ؟!!