إصلاح ماسبيرو المهمة المستحيلة

23/09/2014 - 10:26:23

طارق سعد الدين طارق سعد الدين

بقلم - طارق سعد الدين

45ألف موظف، 20 مليار جنيه ديونا لبنك الاستثمار القومى، ومبنى ضخم على نيل القاهرة به عشرات وكلاء الوزارة ومئات مديرى العموم ولكل منهم مخصصات ومكاتب وسيارات تكلف ميزانية الدولة المنهكة مئات الملايين بلا أى عائد مادى أو إعلامى، فالتليفزيون المصرى فقد تأثيره ومشاهديه ومصادر إعلاناته من زمن بعيد.


الأسس والقواعد التى أرساها صفوت الشريف فى ماسبيرو حوّلته إلى نموذج فج ومفضوح للفساد الذى كان مستشرياً فى كل قطاعات دولة مبارك، فالكل معين بالواسطة من أكبر المناصب حتى أصغر الوظائف، فأمين عام اتحاد الإذاعة والتليفزيون فى عهد صفوت الشريف إبراهيم العقباوى كان ابن أخت صفوت الشريف نفسه، ووكيل وزارة الإعلام السابق على جلال كان قريباً لصفوت الشريف أيضا،ً أما المذيعات والمذيعون فهم إما أبناء مذيعين ومذيعات قدامى ويتولون مناصب قيادية بالمبنى، أو أقارب كبار موظفى أجهزة الدولة الحساسة مثل الرئاسة وأجهزة الأمن والصحافة.


وطالما الكوسة موجودة لم يكن مهماً هنا توافر شروط أخرى حتى لو كانت هى درجة الصلاحية للظهور على الشاشة من الأساس، فالسمينة والحولة والغبية والأهطل والأخنف كلهم يظهرون على الشاشة بلا أى مشاكل، كما أن الكفاءة والمهنية لم تكن مطلوبة، فدور الإعلام هو التسبيح بحمد الرئيس وحرمه وابنه وحزبه ورجاله وتشويه معارضيهم وأعدائهم.


أما المناقصات والمزايدات والمعاملات المالية من أول عقود الإعلانات وعقود إنتاج وتسويق المسلسلات غير مقاولات التوسعات والإنشاءات وتوريد الأجهزة والمعدات، فكلها يشوبها الفساد، وتفوح منها روائح العمولات، فهى غالباً ما تكون من نصيب شركات أبناء الوزير وشركائهم.


هذا غير فضائح الرشاوى التى حصل عليها مذيعون ومذيعات ومسئولون كبار فى ماسبيرو من أشهرها قضية رشوة رئيس قطاع الأخبار الأسبق محمد الوكيل، وقضية برنامج نجوى إبراهيم (فرح كليب) والذى حكم على مخرجه بالسجن.


أما تراث التليفزيون النادر من خطب رؤساء الجمهورية وأغانى كبار المطربين والمسلسلات ومباريات الكرة القديمة، فقد اشترك فى تهريبها وبيعها إلى القنوات التليفزيونية العربية التى كانت مفتتحة حديثاً وقتها صغار موظفى مكتبات التليفزيون ومخرجى البرامج وكبار المسئولين الذين عينوا أبناءهم فى هذه القنوات أو عملوا هم فيها بعد خروجهم للمعاش من ماسبيرو مباشرة.


تجارب وزراء الإعلام الذين خلفوا صفوت الشريف فى إعادة هيكلة ماسبيرو أو تطويره لم تفض إلى شىء، فممدوح البلتاجى أعلن أنه سيحارب الفساد فى ماسبيرو، وتعاقد مع شركة قال إنها بريطانية ولكنه لم يفعل أكثر من اختزال كل القنوات التليفزيونية فى برنامج وحيد هو (البيت بيتك)، الذى أنتجه إيهاب طلعت ومحمود بركة وقيل إن ابن الوزير أحمد كان شريكهم بديلاً عن أشرف صفوت الشريف.


ثم جاء أنس الفقى واستعان بخبير من (بى بى سى) وأعلن أنه لا واسطة ولا المحسوبية فى ماسبيرو والكفاءة هى المعيار ولكن شيئاً لم يتغير، فقد كانت مهمته هى التمهيد لمشروع توريث جمال مبارك الحكم، فلم يطور برامج ولم يعد هيكلة شىء، واكتفى بكونه وزير برنامج (البيت بيتك) يضع الموضوعات التى تجب مناقشتها، ويراجع قوائم الضيوف، وبالمرة عين آلاف الموظفين مجاملة لأعضاء مجلسى الشعب والشورى.


ثم قامت ثورة 25 يناير فجاء أسامة هيكل وخرج من الوزارة دون أن يفعل أى شئ، ومن بعده جاء الإخوانى صلاح عبد المقصود فأعلن أنه بصدد إنشاء قناة إخبارية فى مستوى قناة (الجزيرة)، ولكنه لم يفعل أكثر من تعيين بعض المذيعات المحجبات، وبعض الفضائح الشخصية فى المؤتمرات الصحفية والبرامج التليفزيونية.


كيف إذن يكون الإصلاح والحال كذلك، أولاً يجب الاعتراف أن استمرار هذا الحال مستحيل، فالدولة ليست بحاجة إلى هذا الكم من القنوات، فالإعلام صناعة مكلفة تحتاج لأموال وخبرات ليست متوفرة فى ماسبيرو بشكله الحالى، فالقنوات الأولى والثانية والمتخصصة تعمل بعدد محدود من الكاميرات ووحدات المونتاج، بينما تعمل القنوات المحلية بالأجهزة الخردة والتى خرجت من الخدمة فى ماسبيرو.


أما عن العناصر البشرية فبغض النظر عن طريقة تعيينهم بالكوسة والواسطة فالذين تربوا فى إعلام البروباجندا لصاحبه صفوت الشريف لايعرفون معنى الحياد ولا الدقة ولا التوازن التى يجب أن يلتزمها الإعلامى فى عمله، وكل من وجد فى نفسه بعضا من كفاءة ترك ماسبيرو وحصل على إجازة.


الحل إذن هو اختصار ماسبيرو فى قناة عامة واحدة أو اثنتين بالكثير، تتبنى المفاهيم المهنية الإعلامية، فهى ملك للشعب بمختلف أطيافه العرقية والدينية والسياسية، دورها هو نقل الأخبار الصحيحة إلى الناس وعرض كل الآراء من مختلف التيارات والاتجاهات، فهى ليست وسيلة للدعاية والبروباجندا، هى عين الناس على الحكومة وأجهزتها ورجال أعمالها تراقب أداءهم وتكشف مواطن الفساد فيه، وهى وسيلة توعيتهم بالسياسات والقوانين وتأثيرها على حياتهم، وهى كذلك صوتهم الذى يجب أن يصل للمسئولين.


أما القنوات المحلية والمتخصصة فالأفضل دفع مرتبات العاملين فيها مع توفير تكاليف الإنتاج وتكاليف تشغيل الاستديوهات بدلاً من استمرار نزيف الأموال التى تدفع من دم الشعب الغلبان على منتج إعلامى لايراه أحد.