توفيق الحكيم أيقونة الفكر والأدب والفن

27/07/2016 - 9:59:47

  سناء السعيد سناء السعيد

بقلم : سناء السعيد

فى السادس والعشرين من يوليو الجارى حلت الذكرى التاسعة والعشرين لوفاة الأديب الكبير توفيق الحكيم رائد المسرح الذهنى وأحد أعلام فن الرواية والمسرحية فى الأدب العربى والذى يعد من أكبر كتاب مصر فى العصر الحديث ومن رواد مدرسة الفكر الوطنى المصرية.


ذكرى رحيله استدعت لى لقاءاتى معه كلما توجهت إلى جريدة الأهرام. كنت أتصوره إنسانا لا يمكن الوصول إلى أغواره أو التغلغل داخل أفكاره ونفسه وبالتالى لايمكن الصمود أمام آرائه فى معرض محاوراته الفلسفية التى تذكرنى بمحاورات أفلاطون، فلعبة توفيق الحكيم هى الحوار الذى فطر عليه وبرع فيه.


فى المرة الأولى للقائى به عام ٧٨ أشفقت على نفسى من المحاولة. بيد أنه كان كريما معى. يومها كنت مسلحة بفكرة عنه وعن جلساته وكيف يديرها، وكنت على علم بحواره الممتع الذى يقفز فيه من موضوع إلى موضوع. إنه الأديب الفنان العاشق لفنه.


سافر إلى فرنسا لكى يدرس القانون، ولكن اهتمامه بالأدب والفن غلب عليه لينهى به المطاف عضوا متفرغا فى المجلس الأعلى للفنون والآداب. تأثر بالثقافة الأوربية ولكن الكثير من أعماله كانت من وحى التراث المصرى بعصوره المختلفة والتطورات الاجتماعية والسياسية التى شهدتها مصر من أيام ثورة ١٩١٩ . ترجمت أعماله إلى الفرنسية والإنجليزية والإيطالية والإسبانية. ومثلت مسرحياته فى فرنسا وإيطاليا ودول أوربية أخرى. إبداعاته كثيرة ونشر له باللغة الأجنبية نحو ٣٦ كتابا. أشهر إبداعاته «أهل الكهف» ،» عودة الروح»،» شهرزاد»،» يوميات نائب فى الأرياف»،» عصفور من الشرق»،» الطعام لكل فم»،» ياطالع الشجرة».


كان الحكيم ميالا إلى الجو الروحانى والانسحاب إلى عالم الذات والتأمل فى الظواهر الغيبية والخوارق منذ صباه. وهو الحكيم الذى يقر بوجود حقيقتين: المادية التى تدرك بالفعل والروحية وهى الأهم والأغنى ولا تدرك بالحواس والبرهان العقلى لأنها تقع فى منطقة الوجدان العميق ولا يمكن الظفر بها إلا بواسطة الفن والإيمان الدينى.


كان يرى أن غلق النوافذ علامة من علامات الخوف، والخوف علامة من علامات الضعف. وكلما ضعفت أمة خافت وأغلقت نوافذها على نفسها. وطبق توفيق الحكيم ذلك على نفسه، فهو يرى أنه إنسان يحوى مجموعة رذائل، وأنه إنسان يحمل أشياء كثيرة أو ورثه والده إياها منها الطيب والردىء. وهو لايعتقد بأنه فنان لنفسه وعمله، فلقد اكتشف أنه غير فنان إذ إن الفنان أنانى. أما هو فكثيرا ما ضحى بأشياء كثيرة فى الفن من أجل الاضطلاع بالمسئولية تجاه الآخرين. وعليه فإن انتماءه للفن يعد ولاء للإنسانية، فالفن عربة تحمل له القيم الإنسانية وعلى هذا فهو ليس إلا إنسانا يستخدم قوالب الفن.


إنه توفيق الحكيم الأديب الذى حافظ على استقلاله ورفض أن يستأجر لمصلحة أحزاب الآخرين، فلقد آثر أن يكون بعيدا عن السوق السياسية التى كانت تستأجر الكتاب وتريد أن تغمرهم فى معتركها وتسلبهم آراءهم الشخصية ليتحدثوا باسم الأحزاب وطبقا لبرامجها. إنه الكاتب الذى التزم بعقيدته الشخصية ودافع عنها بناء على اقتناعه الذاتى بالمذهب الذى يعتنقه، فهو يؤمن بأنه لا يمكن للفنان أن يكذب على نفسه وعلى الآخرين.


لقد حدثنى كثيرا عن الدول العربية وكيف يمكن أن تصبح أمة كبيرة فى نظر العالم بمواردها وإمكانات القوة التى فيها والتى ظهرت جلية فى حرب أكتوبر ٧٣ . وأن العالم ينتظر من هذه الأمة دورا فعالا للمساهمة فى حفظ السلام العالمى وفى الازدهار الاقتصادى وهو ما يوجب على العرب التواجد على مائدة الحضارة الخلاقة بعد أن يكافحوا روح التخلف ويشرعوا فى بناء حضارة تخلق وتبتكر وتضيف الكثير لكل ما ينفعهم وينفع الإنسانية عامة.


وللحكيم رؤيته الخاصة فى تعريف الالتزام والإلزام، فالأول طوعى لا إكراه فيه أما الثانى فهو قهرى. إذ إن الأديب الملتزم ينبغى أن يكون كالحمام الزاجل يحمل رسالة وهو حر طليق لايشعر بقيد فى ساقه، فالكاتب يلتزم بعقيدته الشخصية ويدافع عنها بناء على اقتناعه الذاتى بالمذهب الذى يعتنقه، فإذا التزم بمجرد الانتماء إلى اتجاه معين أو مذهب معين لأسباب غير الاقتناع فإن هذا لا يسمى التزاما بالمعنى الجدير بالكاتب لأن كل شىء يغتفر للفن والفنان إلا الكذب على نفسه وعلى الناس.


ويظل للحكيم بصماته كرجل مواقف. ولا ينسى له الكثيرون كيف أعاد وساما لفرنسا كانت قد منحته إياه حينما ترجمت بعض أعماله إلى الفرنسية وذلك احتجاجا منه على منع فرنسا وصول المساعدات المصرية لدولة عربية وهو ما جعل السلطات الفرنسية تمنعه من دخول أراضيها. وعندئذ أرسل كتابا إلى السفير الفرنسى قال فيه:( ما معنى الأدب إذن فى رأى فرنسا إذا لم يكن للحرية والإنسانية عندها من معنى؟ ما أظن أديبا حرا يقبل من فرنسا تقديرا قبل أن يظهر أنها تقدر حقا الحرية والإنسانية).


إنه الحكيم الذى يرى أن الأديب يجب أن يكون حرا لأنه إذا باع رأيه أو قيد وجدانه ذهبت عنه فى الحال صفة الأديب، وبغير حرية لا يكون هناك أدب ولا فن.ولقد كرمته الدولة عندما منحته قلادة الجمهورية وهو أرفع وسام تقديرا لما أسداه إلى العلم والأدب والفكر كما منح جائزة الدولة التقديرية فى الأدب.


إنه الحكيم الذى حرص على تبديد ما ردده البعض عنه بأنه بخيل ليؤكد بأن البخل إشاعة، وأنه رجل يقدر الواجب والمسئولية بل إنه أحيانا ما تنتابه نوبة كرم مفاجئ وعندها يرى أن القدر هو الذى أفسد الموازين الدقيقة. وفى النهاية يختزل الحكيم تعريفه لنفسه قائلا:( أنا لا أعتقد بأنى فنان ولكنى رجل يستخدم الفن لتوصيل مشاعره وأفكاره كإنسان).......