تضحية للنهاية

27/07/2016 - 9:15:41

أحمد سعدة

اسمي ماريان .. ولدت فى أسرة مصرية، مسيحية أرثوذكسية متدينة .. كان أبي أراح الله نفسه مهندسًا ناجحًا يحظى بسمعة طيبة، وحب كل من عرفه من الأهل والجيران، ولأجل ذلك عوضه الله عن عدم إنجاب الولد بثلاث بنات.


كنت محظوظة لأنني الابنة الكبرى التي نالت الحظ الأوفر من التدليل والرعاية والحب، وكنت محظوظة لمنزلتي الخاصة لدى قس كنيستنا، أبي، سلطان الحل .. القس الرحيم الذي طالما جلست بين يديه ألقى الاعترافات..


سأحكي لك من البداية:


حين تزوجت منذ ما يقرب من عشرين عامًا، أدركت بعد شهور قليلة أنني أسأت الاختيار، وصرت أتفادى كل أسباب المشاحنات قدر الاحتمال بل فوق الاحتمال، لكنها كانت رغم ذلك تحدث .. ولك أن تتخيل أن ابنة العشرين المدللة أصبحت أمًا لطفلين وزوجة لرجل بخيل جدًا في كل شيء، حتى على نفسه وملابسه ورائحته. رجل عصبي حاد المزاج، ولا يتحمل أية مسئولية.


كان ضروريًا أن أعمل لسد الديون التي حاصرتنا من كل اتجاه، ولم أكن أملك من القوة ما يجعلني أبتعد عن الصغيرين، لذا فتحت حضانة صغيرة بجوار بيت أمي، وكنا نقضي بها معظم الوقت هروبًا من أنانيته وعصبيته وبُخله.


ومضت السنوات وكبر الصغيران، ولا أذكر في حياتي لحظة حب واحدة عشتها معه، أو كلمة طيبة سمعتها منه .. إنه بخيل حتى في مشاعره، ردىء في أسلوبه وتعامله .. لم تكن بيننا حياة من الأساس.


لكن حدث شيء جديد في حياتي .. لقد تعرفت على والد إحدى تلميذات حضانتي، كان رجلا مختلفا عني في الدين ومطلق من زوجته .. وتبادلنا الاهتمام والمشاعر وصارحني بحبه لي ورغبته في الاقتراب أكثر مني، ولم أرفض مشاعره أو أصدها، لأنني باختصار كنت في حاجة إليها لأستعيد ثقتي بنفسي كإنسانة وامرأة.


ولكي تفهمني جيدا، فإن علاقتنا بقيت داخل حدود المقابلات في الأماكن العامة والتواصل والاهتمام .. وتعلقت به كثيرًا وأحببته وأحسست بضوء أمل في حياتي يطل من بعيد .. وحافظت على أن تبقى علاقتنا على هذا الوضع دون أن تأخذ منحنى جسديا رغم إلحاحه المتواصل، ورغم حرماني الشديد.


وأمام هذه التناقضات في حياتي ذهبت لمقابلة قس كنيستنا، واعترفت له برغبتي في الطلاق دون أن أخبره بشيء عن علاقتي بالرجل الآخر .. واعتبر طلبي للطلاق إثما بيِّنا، وقال لي: إن الذي جمعه الله لا يفرقه إنسان، وأن شريعتنا وتعاليم كنيستنا ضد مبدأ الطلاق، وأن التي تتزوج من رجل آخر بعد طلاقها تكون في حكم الزانية كما يقول إنجيلنا.


أي عدل في أن أعيش حياة مؤبدة بائسة خالية من أي مشاعر مع رجل لا يطاق !!


وعشت فترة رهيبة من الصراع الداخلي انتهت بانتهاء علاقتي بالرجل الآخر، بعد أن فاجأني بزواجه الجديد .. وبعد إدراكي بعدها لحقيقة أني كنت أعيش وهمًا كبيرًا معه، وأنه لم يكن يحبني كما يقول، رغم أني كنت على أتم الاستعداد لتغيير ديانتي وطلب الطلاق للزواج منه.


لكن الأمر على ما يبدو لم يكن بالنسبة له أكثر من تجربة ولهو ومغامرة عابثة .. وأنه كان مجرد عابر سبيل، وما أكثر العابرين فى حياتنا .. وما أكثر الأندال في حياتنا .. !!


عدت إلى شرنقة أحزاني مرة أخرى، بعدما أضفت إليها حزنًا جديدًا .. لكني لم أعد أبالي بمن حولي، ولا حتى بالديون التي تفاقمت وتراكمت علينا لتصبح جبلا يصعب إزاحته .. وتوالت فواتير الغاز والكهرباء والمياه شهرًا بعد الآخر دون سداد .. وعجزت عن تحمل نفقات تعليم ابني، وتجهيز ابنتي التي أصبحت على مشارف الزواج.


ومع هذه التداعيات والأزمات المادية والضغوط النفسية تطورت معاملة زوجي وإهاناته لتصل لمرحلة الضرب ومد اليد .. وتطور كرهي له ليصل مداه بعدما أصبحت لا أطيق مجرد سماع صوته في البيت، وأصبحت أدخل في نوبات هيستيرية من الصراخ والبكاء كلما دخلت في مشادة كلامية معه.


إن حياة بعضنا يا سيدي تمر دون أن نعيشها. تمر ونحن نعاني، بينما يهتف لنا من حولنا ويصفقون لأنهم ببساطة لا يدركون حقيقة ما نعانيه .. لكنني عشت معاناتي بشجاعة، قبل أن تنهار كل قدراتي على الاحتمال وأطلب أخيرًا الطلاق الذي صار منفذًا أخيرًا للهروب من جحيم هذا الرجل.


ومن وقتها صرت مهددة بالنبذ من الجميع بمن فيهم أمي وعائلتي وصديقاتي ورفيقات معموديتي، ولم يكن هذا يعنيني بقدر ما كان يعنيني مستقبل ابني وابنتي ومظهرهما في المجتمع المسيحي .. ولأجل ذلك تحملت وتغاضيت عن طلب الطلاق وعشت كالغريبة في هذه الدنيا تحت سقف واحد مع رجل لم أعد أطيق رائحته .. تحملت حتى لا أصير سببًا في متاعب لابني، وابنتي التي أصبحت على مشارف الزواج .. تحملت حتى لا أكون أمًا مذنبة عصت المسيح وتعاليمه.


والآن وأنا على أعتاب الخمسين، لم أعد بقوة عشرين عامًا مضت .. وأصبحت أعيش كالشبح لا يراني الناس .. إنني أتعذب وحدي يا سيدي منذ سنوات طويلة فقدت خلالها جمالي وشبابي وكثيرا من ذكائي وذاكرتي .. تجاهلت التفاصيل فتجاهلتني، وأصبحت شاردة غريبة في هذه الدنيا لا أعرف السعادة ولا أتوق إليها.


لكني رغم ذلك لا أزال أمتلك الأمل، وأنتظر الغد الذي يحمل الخلاص من هذا الرجل، حتى لو كلفني ذلك تغيير ديانتي.


 ***الـــــــــــــرد***


إن الأمل الذي لم يأتِ بعد عشرين عامًا، لن يرضى لنفسه الانتظار إلى الأبد !!


وكلامنا السهل عن الأمل بهذه الطريقة يغدو شيئًا خطيرًا جدًا، ويصبح كابوسًا ثقيلًا يقض مضاجعنا كل ليلة، وحبلًا خشنًا يلتف كالمشنقة حول أعناقنا.


إن خلاصك يا سيدتي لن يكون أبدًا بانتظار الغد الذي لا يأتى .. ولن يكون أيضًا بتغيير ديانتك والدخول في ويلات وصراعات لا آخر لها ولا أول ..


لقد عشتِ عشرين سنة دون محاولة واحدة لتصحيح غلطتك في سوء اختيارك .. والآن تريدين الثورة على أوضاعك بعد أن أصبح لديك ابن في الجامعة وابنة على مشارف الزواج.


إن التسرع على ما يبدو سمة في قرارات حياتك المصيرية .. كنتِ متسرعة حين تزوجتِ من رجل بخيل لا يطاق، وحين دخلتِ في علاقة مع رجل عابث كنتِ على أتم الاستعداد لتغيير ديانتك من أجله رغم علمك التام بحجم ويلات مثل تلك القرارات.


وأمام القرار الوحيد الذى احتاج منكِ الحسم، كنتِ بطيئة ومترددة وجبانة .. أمام قرار طلاقك وانفصالك كنتِ تتحدثين عن اعتبارات السمعة والمظهر الاجتماعي التي تنسينها كل مرة تتحدثين فيها عن تغيير ديانتك .. !!


إن طريق خلاصك يا سيدتي لن يكون أبدًا ممهدًا ومفروشًا بالورود .. فطريقك لمحكمة الأسرة وطلب الطلاق سيضعك في مواجهة كل من حولك، ومن بعدها مواجهة أقدار جديدة لامرأة في الخمسين منبوذة وطريدة، تحاصرها المشاكل والديون.


وليس أمامك بعد هذا المشوار الطويل من الصبر، سوى مزيدٍ من الصبر .. وتقبل أقدارك، والتضحية للنهاية.


إن عزاءك يا سيدتي هو نفس عزائنا، إننا نتمسك بالحياة برغم كل ما فيها من عذاب وألم وشيخوخة ومرض، ونضحك ونبتسم ونلهو ونرقص لنغالب العذاب .. ونعيش حياة سريعة وصاخبة تنتهي ككل قصص البشر بنهاية واحدة ..


نهاية واحدة فقط، وهي الموت..!