طموحات بائسة من ملاعيب «يونس» حتى غوايات «ونوس»

25/07/2016 - 10:20:58

ونوس - يونس ولد فضة ونوس - يونس ولد فضة

كتب - د. حسن عطية

تقوم الدراما على الصراع بين شخصيتين تمثلان قوتين متعارضتين ، تنتصر في النهاية إحدى هاتين الشخصيتين وما تمثلهما ، أو تنهزم بشرف دون أن ينهزم الفكر الذى تمثله ، وهو الفكر الذى يتبناه صناع هذه الدراما من كاتب ومخرج ومجموعة فنانين وفنيين ، فصناع الدراما ليسوا محايدين ينظرون من شرفة علوية ليصفوا لنا خناقة فى الشارع دون أن يقفوا مع أو ضد أحد طرفيها .
والجمهور أيضا لا يتلقى العمل الدرامي بموقف محايد ، بل هو يتعاطف مع شخصية ضد أخرى ، وفقا لموقفه المسبق مما تمثله هذه الشخصية من فكر يؤمن به أو قيم يتمسك بها ، وهو ما يضع على كاهل كاتب الدراما عبء صياغة الشخصيات الدرامية بحيث يجعل الجمهور يتعاطف مع الشخصية التى تمثل الفكر الذى يريد دعمه لدى الجمهور ، والقيم التى يريد أن يتمسك بها ، لاسيما أن الدراما ليست موعظة دينية أو خطبة سياسية صريحة الأفكار ، بل هى فن جمالى يخاطب الوجدان ويثير العاطفة ويفجر المشاعر النبيلة بهدف التأثير على العقل دون حكم مباشرة .
التعاطف أحد أسس الدراما
التعاطف الوجدانى هو قيمة إنسانية تمنح المتعاطف سموا إنسانيا راقيا ، وتجعله يرى العالم من نفس زاوية رؤية المتعاطف معه ، ولذا فهو أحد أسس بناء الدراما ، والذى خلق على مدى تاريخها حضورا لما يسمى بالشخصية الرئيسية أو البطل الذى يتعاطف معه الجمهور ، الممتلك لإرادته ، والساعي للفعل ، والمحقق فى النهاية انتصارا على خصمه انتصارا لما يمثله ، أو هزيمة موقوتة تؤكد على أهمية التمسك بالأفكار والقيم التى يمثلها ، يقابله دوما حضور لما يعرف بالشخصية المعوقة أو البطل الضد المناوئ له ، والذى يمثل الفكر المرفوض من صناع الدراما ، حتى ولو بدا منتصرا فى النهاية ، فهو الانتصار الذى لا يغلق الباب أمام هزيمة قادمة يتمناها له على أرض الواقع ، فيرتاح الجمهور نفسيا ، بهزيمة ما يرفضه ، ويعيد النظر عقليا فيما سيؤول إليه حاله لو سار فى الطريق المخالف لأفكاره ، فالدراما تخاطب فى الجمهور أحلامه التى يود أن يحققها فى الواقع ولا يقدر عليها ، فينوب البطل عنه فى تحقيقها ، وإذا ما أخفق حل التشاؤم محل التفاؤل بعقل الجمهور ، وهو ما لا يود كاتب الدراما تحقيقه من عمله ، فهو يدرك ، أو ينبغي عليه أن يدرك ، أنه ليس من مهام الدراما بث روح العدمية فى عقول البشر ، ولا قتل الأمل فى نفوسهم ، ولا نشر الذعر فى المجتمع باسم أن هذا هو الواقع .
السيناريست الواعى
وهذه حقيقة يعرفها السيناريست الواعي "عبد الرحيم كمال" جيدا ، والذى قرر منذ بدء اقتحامه لحقل الكتابة الدرامية أن يجرى وقائع عالمه الدرامي فى جنوب مصر ، ناسجا إياه داخل قرى افتراضية ، تحمل بعض سمات الواقع الراهن فى محافظته سوهاج ، ولكنها تظل متعلقة بعالم الخيال المحلق بحكايات شخصياته شبه الأسطورية ولغتها الشاعرية المتسامية على لغة الواقع الهابطة ، والحاملة بصمات أدبية ودرامية عالمية ، يدركها الباحث المدقق فيما يعرف بالتناص أو اختباء نصوص درامية سابقة بمتن نص جديد، وباستثناء فيلمه الوحيد (على جنب يا أسطي)، والذى تدور وقائعه فى مدينة القاهرة الحديثة ، وحتى مسلسله الجديد (ونوس)، فإن عالم "عبد الرحيم كمال" الذى تعرفنا عليه في (الرحايا حجر القلوب) و(شيخ العرب همام) و(الخواجة عبد القادر) و(دهشة) ، يدور فى أجواء جنوبية أسطورية الصياغة صنعها تاريخ من تمجيد ثقافة العاصمة وشمال البلاد ، ودعمها كتاب الجنوب أنفسهم فى إبداعهم الأدبي والدرامي ، وحرص كاتبنا على صياغة شخصيات درامية نبيلة تسقط لأخطاء بشرية ترتكبها دون أن تفقد تعاطف الجمهور لها ، فهى ليست شرا صريحاً أو خيرا خالصا ، أضاف إليها أخيراً حضورا مميزا لشخصية جنوبية مختلفة عما سبقها من شخصيات فى عالم كاتبها ، هى شخصية "يونس" فى مسلسله (يونس ولد فضة) من إخراج المتميز "أحمد شفيق" ، فهو خفيف الظل ، محب لأخوته ، ومتزوج من فتاة من أسرة قوية وأخوها مسئول كبير بشرطة البلدة ، وله منها ابن يفضله على الجميع ، وعاشق متيم لإحدى فتيات العائلة المنتسب إليها ، فى الوقت الذى يرهبه من يعيش وسطهم ويرونه وجودا بلا جذر فى العائلة الثرية المحافظة ، فيفتشون دوما عن نقطة ضعف له للخلاص منه ، وغياب الجذر ندركه فى الحلقة الأولى ، حينما نتعرف على الصبى "إبراهيم" الذى عاش طفولته فى بيت فقير بقرية سوهاجية افتراضية تدعى (حجر الصوان) ، يجد نفسه وهو يقترب من العاشرة من عمره وحيدا مع أختيه الكبرى "بسيمة" والصغرى "ملوك" ، بعد أن هجره الأب بحثا عن مورد رزق لا يجده فى قريته ، وغابت الأم موتا قبله ، فيضطر للعمل فى كل شيء ، بما فيها ترتيب بيت صديقه "فضالى" ، الذى يستغل حاجته المادية ، ليحاول الاعتداء على شرف أخته الكبرى ، فيكتشف "إبراهيم" الأمر ويستل سكينا لقتله ، تنغرس فى النهاية ببطن والد المعتدى ، ولأنه أحد كبارات القرية ، ، يفر الطفل الفقير من قريته لقرية افتراضية أخرى تحمل اسم (علبة الصبر) ، واصلا ليد المرأة القوية "فضة" (سوسن بدر) ، التى مات توا ابنها المقارب له فى العمر بقرصة عقرب مدسوسة عليه ، وقام زوجها الثرى "شهاب" (عبد العزيز مخيون) بتطليقها قولا ، بعد أن انتهت علاقته بها بموت ابنهما الذكر الذى تزوجها وهى الفقيرة ابنة مراكبي من أجله ، لعدم قدرة امرأته الأولى "حسيبة" (صفاء الطوخى) إنجاب الوريث الذى يحمل اسم العائلة ، فقد أتت له بالبنات ، وفى اللحظة الراهنة هى حامل فيما قيل إنه الذكر ، مما يعنى للسيدة "فضة" أنها ستفقد كل ورث من الزوج الثرى ، لموت الابن والطلاق من الزوج ، وهو ما يدفعها للتآمر على طليقها ، ودفع أحد أتباعها بفك فرامل سيارة الزوج تودي بحياته فى حادث طريق أثناء عودته لبلدته بمحافظة قنا .
تحمل "فضة" الطفل "إبراهيم" بعد أن منحته اسم وليدها الميت "يونس" إلى أهل زوجها فى قنا ، حاصلة بالتزوير على ميراث الزوج المغتال ، وتعمل على رعاية الطفل حتى يشب عن الطوق ويصير شابا قويا ومهيمنا بذكائه وسطوته على القرية ، وتميل الدراما له ، خالقة منذ بداية مشواره المأسوى تعاطفا معه ضد القوى المناوئة له ، فالدفاع عن الشرف أدى لإقدامه على القتل ، والفرار من القرية وترك أختيه نهبا للضياع نتج بسبب غياب قوة عائلية تحميه ، والتخفى فى شخصية أخرى جاء بمصادفة أنقذت حياته ، وحولته لرجل مرموق ، وبحثه الدءوب عن أختيه اللتين تخفتا تحت اسمى "شمس" وقمر" بعد هروبهما بليل من قريتهما الظالمة ، والعمل فى ورشة تصليح سيارات على الطريق ، وذلك حتى يجدهما فى نهاية المطاف لهو دليل على وفائه لأسرته ، وعشقه للفتاة "صفا" (ريهام حجاج) ابنة أحد أعمامه المنتسب زورا لهم هو عشق رومانسي طاغ لا يلغى تمسكه العقلي بزوجته وحبه لابنه منها والذى منحه اسم "إبراهيم" أيضا ، وتلقى الفتى الضرير "شبل" ، بدلا من "يونس" (عمرو سعد) ، رصاصات "فضالى" الباحث طوال المسلسل عنه للثأر منه لقتله أبيه فى بداية تفجر الحدث الدرامي ، أراح نفسية الجمهور الذى كان يتابع عمليات التآمر المتعددة على بطله المتعاطف معه ، وإن قلل من حجم هذا التعاطف عمل "يونس" فى تجارة الآثار ، وهو عمل لم يكن هو بحاجة إليه اقتصاديا ، وأن منحه ثراء فاحشا ، فذكاؤه كان كفيلا بتطوير تجارة من ورثه باعتباره أبيه تطويرا يجعل منه صاحب سطوة فى مجتمع البلدة دون حاجة لتجارة مجرمة تخصم من تعاطف الشخصية لدي جمهورها ، فضلا عن أن استخدامه بصورة غير معتادة فى الحياة اليومية لأقوال المفكرين فى ختام حواراته مع شخصيات لا علاقة لها به ، خاصة فى النصف الأول من المسلسل ، شابه الشك ، حيث إننا لم نعرف عنه أنه دخل مدرسة حتى فراره من قريته فى نحو العاشرة من عمره ، كما لم يشر لنا المسلسل عن التحاقه بأى تعليم فى سنواته التالية ، رغم إشاراته الواضحة لتعلم محبوبته "صفا" وشقيقته الصغرى "ملوك" فى الجامعة ، ولم نره مهتما بالثقافة وكتبها .
صراع كوني بعيداً عن الجنوب
بالتزامن يقدم "عبد الرحيم كمال" مسلسله الآخر (ونوس) مع المخرج "شادى الفخرانى" وبطله الأثير "يحيى الفخرانى" مقدما صراعا كونيا فى المجتمع الحديث ، بعيدا عن أجواء الجنوب ، بين الإغواء بفعل الشر والإنسان القابل للقيام بهذا الفعل ، فيما يعرف فى الأدب العالمى بالصفقة الفاوستية ، وذلك تجسدا فى شخصية (ونوس) الممثل للكائن الخارق للعادة ، المناوئ للإله ، والساعى لهدم الإنسان وقيادته لتدمير نفسه والكون بالشر الكامل ، مقابل شخصية "ياقوت ابن آدم" الممثل للإنسان البسيط النقى ، الذى يبيع نفسه للشيطان فى لحظة ضعف ، لكنه سرعان ما يندم ، ويعمل على الهروب من الشيطان تارة ، أو المناورة معه تارة أخرى .
ولحاجة هذا الصراع الأزلى بين الشيطان و(أى إنسان) لحبكة درامية يتحرك داخلها ، كان على "عبد الرحيم كمال" استدعاء موضوع (فاوست) الذى تجلي فى عصر النهضة الأوربي ، مجسدا الصراع بين الرغبة فى التحرر من أسر التقاليد التى حكمت أوربا فى عصورها المظلمة لنحو عشرة قرون كاملة ، وذلك بالتمسك بالحصول على المعرفة الإنسانية وامتلاك العلم الذى يفتح للإنسان آفاقا جديدة ، فجاء برواية الخيميائى د. "فاوست" الباحث عن جوهر الحياة الحقيقي ، ليوقع عقدا مع الشيطان "ميفيستوفوليس" يقضى بتسهيل الأخير للأول طرق الحصول على المعرفة الكاملة واللذات الدنيوية الفائقة بأسهل الطرق ، مقابل الاستيلاء على روحه لحظة موته ، حتى لا تعود للرب خالقها ،غير أن الحصول على روح "فاوست" لن يتم إلا بوصوله لقمة السعادة التى يحلم بها ، وهو ما ينتهزه "فاوست" للفرار من شرط تسليم روحه للشيطان ، مصرا على العودة بها لباريها ، مما يخلق صراعا حادا بين المتعاقدين ، يستخدم الشيطان فيه كل ألاعيبه الشريرة ، ويستخدم الإنسان فيه قدراته العقلية ومعارفه العلمية .
أعاد كاتبنا موضوع "فاوست" فى بيئة مصرية معاصرة ، عبر أسرة من الطبقة المتوسطة ، تعانى مشاكلها الحياتية المعتادة ، مجريا وقائع موضوعه فى الأيام الأخيرة لبطله الإنسان "ياقوت" ، الذى هجر أسرته لعشرين عاما ، هى فى الحكايات الأصلية مدة العقد الذى يحصل خلالها الإنسان على كل ما تعاقد عليه ، وهى فى مسلسلنا مجرد غياب عن العائلة دون مكاسب واضحة ، حيث نعثر على "ياقوت" (نبيل الحلفاوى) عائشا فقيرا معدما فى ممر بأحد جسور العاصمة على النيل ، يرفض كل إغواء بالمال من "ونوس" ، فيتأجل الصراع الأساسي بينهما لأكثر من ثلثي المسلسل ، وينقل "ونوس"(يحيي الفخراني) إغواءه للعائلة الصغيرة التى توقفت أحلامها عند طموحات بورجوازية بائسة ، مغويا كل واحد منها بالغواية الملامسة لرغبة دفينة داخله يود أن تتحقق ، وكلها مغويات فى إطار أخلاقي ، ولا علاقة لها بفكرة الحصول على المعرفة ، فلا أحد منهم أراد أن يكون عالما أو مفكرا أو مخترعا أو حتى رجل أعمال يحتكر صناعة تجارة الحديد فى العالم ، وذلك حتى يصبح لاستدعاء هذا الإبليس الخارق للعادة معنى ، ويضحى لتعاطفنا مع البشر الساقطين تحت إغوائه قيمة ، فالابن الأكبر "فاروق" (نيقولا معوض) يدفعه لاستخدام القشور الدينية التى يعرفها فى النفاق الاجتماعي ، منتقلا من مدرس صغير ثم داعية دينى شهير بواحدة من الفضائيات الغوغائية ، سرعان ما يدرك خطأ الطريق التى سار فيها ، فيعود للطريق القويم ، ويسقط الابن الأوسط "عزيز" (محمد شاهين) المتعلق بحلم الثراء السريع محدود المساحة فى هاوية لعب الميسر التى تستنفد كل ما لديه ، ويعمل الابن الأصغر "نبيل" (محمد كيلانى) فى كباريه مقدما صوته للسكارى ، ويكاد يدان بقتل صاحبه الكباريه ، ثم يبرئ ، ليدخل فى تجربة عاطفية مع ابنتها، ثم يعود لرشده عائدا لبيته . وتنشغل "نيرمين"(حنان مطاوع فى أفضل أدوارها) بالشعوذة لإنقاذ ابنها ، حتى تتحرر منها، وتكاد أمهم "انشراح" (هالة صدقي) تسقط فى حبائل "ونوس" متخيلة أنه سيتزوجها . وبنفس المنطق الأخلاقي الذى يحكم المسلسل ، يعود الجميع إلى مسكنهم القديم ، وتعمل الأم على إغلاق المكان حفاظا عليهم ، وحتى الأب فاوست المصرى «ياقوت» لا يطلب من شيطانه فى نهاية المطاف غير زجاجات بيرة ونسوة حسان حوله ، يتركهن بسرعة ليعود أيضا لنفس البيت القديم لينتحر على بابه حتى لا يمكن "ونوس" من الحصول على روحه.
العودة للبيت القديم ، ولتقاليده الأخلاقية الرصينة ، وانغلاقه على طموحات بائسة هى السبيل الوحيدة فى هذا المسلسل للوقوف ضد إبليس اللعين الموسوس فى الصدور ، وهي الرسالة التى تضعها الدراما بين أيدينا فى نهاية وقائعها ، بعد أن انشغلنا بأداء تمثيلى متميز لممثلين كبار ، ولكن ليس بالتمثيل وحده تقوم وتقيم الدراما .